تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

من مَكَارِم يحيى بن خَالِد الْبَرْمَكِي

وَبَلغنِي خبر لجَعْفَر بن يحيى، مَعَ جَارِيَة، يُقَارب هَذَا الْخَبَر، أَخْبرنِي بِهِ أَبُو مُحَمَّد الْحسن بن عبد الرَّحْمَن بن خَلاد الرامَهُرْمُزِي، خَليفَة أبي ﵁، على الْقَضَاء بهَا، قَالَ: أَخْبرنِي أَحْمد بن الصَّلْت الْحمانِي، قَالَ: حَدثنَا مُفْلِح وسنبر النخاسان، قَالَا: أرسل إِلَيْنَا جَعْفَر بن يحيى الْبَرْمَكِي، يطْلب جَارِيَة قوالة، ذَات أدب وظرف، على صفة ذكرهَا وَحدهَا، فَمَا زلنا نحرص على طلبَهَا، ونتواصف من يعرف عَنْهَا مثل ذَلِك.

وَإِلَى جانبنا شيخ من أهل الْكُوفَة يسمع كلامنا، فَأقبل علينا، وَقَالَ: عِنْدِي بغية الْوَزير، فانهضوا إِن شِئْتُم لتنظروا إِلَيْهَا.

قَالَ: فنهضنا مَعَه، حَتَّى إِذا وصلنا إِلَى دَاره، وجدناها ظَاهِرَة الاختلال، وَوجدنَا فِيهَا مسحًا خلقا، وَثَلَاث قصبات عَلَيْهَا مسرجة، فارتبنا بقوله لنا،

لما ظهر من سوء حَاله.

ثمَّ أخرج إِلَيْنَا جَارِيَة كَأَنَّهَا، وَالله، فلقَة قمر، تتثنى كالقضيب، فاستقرأناها، فَقَرَأت آيَات من الْقُرْآن، حركت منا مَا كَانَ سَاكِنا، وأتبعتها بقصيدة مليحة، شوقتنا، وأطربتنا.

فَقُلْنَا لَهَا: أصانعة؟ وأشرنا إِلَى يَدهَا.

فَقَالَت: نعم، تعلمت الْعَمَل بِالْعودِ وَأَنا صَغِيرَة.

فَقُلْنَا: فغنينا بِهِ.

فَقَالَت: سُبْحَانَ الله، هَل يصلح أَن أستجيب لذَلِك إِلَّا لمولى مَالك إِن دَعَاني إِلَيْهِ أَجَبْته.

قَالَ: وَرَاح الرَّسُول إِلَى جَعْفَر، فَأخْبرهُ بِمَا شَاهده.

فَلم يَتَمَالَك جَعْفَر، لما سمع بِصفة الْجَارِيَة، حَتَّى استنهض الرَّسُول إِلَى مجْلِس الشَّيْخ، وَهُوَ يتبعهُ، حَتَّى عاينه، وَسَأَلَهُ إخْرَاجهَا إِلَيْهِ.

فَلَمَّا رَآهَا جَعْفَر أعجب بهَا قبل أَن يستنطقها، ثمَّ إِنَّه استنطقها، فَأخذت بِمَجَامِع قلبه.

فَقَالَ لمولاها: قل مَا شِئْت؟ فَقَالَ الشَّيْخ: لست أحدث أمرا حَتَّى أستأذنها، وَلَوْلَا الضّر الَّذِي نَحن فِيهِ لما عرضتها، لَكِن حَالي كَمَا يُشَاهِدهُ الْوَزير من فقر، وضر، وَدين كثير قد فدحني، وَمن أَجله فَارَقت وطني، وَعرضت على البيع ثَمَرَة فُؤَادِي.

فَقَالَ لَهُ جَعْفَر: مَا مقدارها فِي نَفسك إِن أردْت بيعهَا؟

فَقَالَ: ثَلَاثُونَ ألف دِينَار.

فَقَالَ جَعْفَر: فَهَل لَك أَن تأمرها بِأَن تغنينا؟ فَأقبل الشَّيْخ عَلَيْهَا فاستدناها، وأمرها أَن تغني، فَأخذت الْعود، وأصلحته، ثمَّ استعبرت، وغنت بِصَوْت، الْغناء من صَنْعَة إِبْرَاهِيم:

وَمن عَادَة الأيّام أنّ صروفهاإِذا سرّ مِنْهَا جَانب سَاءَ جَانب
للشاعر سعيد بن حميد، اقرأ القصيدة
وَمَا أعرف الأيّام إِلَّا ذميمةًوَلَا الدَّهْر إِلَّا وَهُوَ بالثأر طَالب

قَالَ: ثمَّ أَنَّهَا أَلْقَت الْعود من يَدهَا، وصرخت، وصرخ الشَّيْخ، وَجعلا ينتحبان.

ثمَّ إِن الشَّيْخ أقبل على جَعْفَر وَمن مَعَه، وَقَالَ: أشهدكم أَنِّي قد أعتقتها، وَجعلت عتقهَا صَدَاقهَا، وَالله، لَا ملكهَا أحد أبدا.

فَغَضب جَعْفَر، وَأَقْبل من حضر على الشَّيْخ يؤنبونه ويستجهلونه، وَيَقُولُونَ لَهُ: ضيعت هَذَا المَال الْجَلِيل، وعجلت، وجهلت.

فَقَالَ الشَّيْخ: النَّفس أولى أَن يبْقى عَلَيْهَا من المَال، والرازق الله ﷾، وَعَاد جَعْفَر إِلَى أَبِيه فَأخْبرهُ بِمَا كَانَ من الرجل وَالْجَارِيَة.

فَقَالَ لَهُ أَبوهُ: فَمَا صنعت بهما؟ قَالَ: تركتهما وانصرفت.

فَقَالَ لَهُ: وَيحك، مَا أنصفت يَا وَلَدي، أَو مَا أنفت على نَفسك أَن تفرق بَين متحابين مثلهمَا، مقترين، فقيرين، أَو تَنْصَرِف عَنْهُمَا، وَلَا تجبر حَالهمَا؟ أرضيت أَن يكون الْكُوفِي أسمح مِنْك.

ودعا بِغُلَام، فَحمل مَعَه إِلَى الشَّيْخ ثَلَاثِينَ ألف دِينَار على بغال.

فَلَمَّا وصل المَال إِلَى الشَّيْخ قبله وَأَخذه، وَحمد الله ﷿، ودعا لجَعْفَر ولوالده، وَعَاد بِالْمَالِ وَالْجَارِيَة إِلَى منزله بِالْكُوفَةِ، وَهُوَ فَرح مسرور، وَقد فرج الله عَنهُ.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب الثَّالِث عشر

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.