من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
أَمِير الْبَصْرَة يجمع بَين متحابين
روى أَبُو روق الهزاني، عَن الرياشي: أَن بعض أهل النعم بِالْبَصْرَةِ، اشْترى جَارِيَة، وَأحسن تأديبها وَتَعْلِيمهَا، وأحبها حبا شَدِيدا، وَأنْفق عَلَيْهَا حَتَّى أملق، ومسّهما الضّر الشَّديد، والفقر المبيد.
فَقَالَ لَهَا يَوْمًا: قد تَرين مَا صرنا إِلَيْهِ من الْفقر، وَوَاللَّه، لموتي وَأَنت معي، أَهْون عَليّ مِمَّا أذكرهُ لَك، ويسوءني أَن أَرَاك على غير الْحَالة الَّتِي تسرني فِيك، وَنِهَايَة الْأَمر بِنَا، أَن تحل بأحدنا منيته، فَيقْتل الآخر نَفسه عَلَيْهِ، فَإِن رَأَيْت أَن أبيعك لمن يحسن إِلَيْك، فَيغسل عَنْك مَا أَنْت فِيهِ، وأتفرج أَنا بِمَا لَعَلَّه يصير إِلَيّ من الشَّيْء من ثمنك، ولعلك تحصلين عِنْد من تتوصلين إِلَى نفعي مَعَه.
فَقَالَت: وَالله لموتي وَأَنا على تِلْكَ الْحَالة، أَهْون عَليّ من انتقالي إِلَى غَيْرك، وَلَكِن أفعل مَا بدا لَك.
وَقَالَت لَهُ الْجَارِيَة: إِنِّي لأرثي لَك يَا مولَايَ، مِمَّا أرى بك من سوء الْحَال، فَلَو بعتني فانتفعت بثمني، فَلَعَلَّ الله أَن يصنع لَك صنعا جميلًا، وأقع أَنا بِحَيْثُ يحسن حَالي، فَيكون ذَلِك أصلح لكل وَاحِد منا.
فَخرج، وعرضها للْبيع، فَأَشَارَ عَلَيْهِ أحد أصدقائه، مِمَّن لَهُ رَأْي، أَن
يحملهَا إِلَى عمر بن عبيد الله بن معمر التَّيْمِيّ، وَكَانَ أَمِير الْبَصْرَة يَوْمئِذٍ، فَأَعْجَبتهُ.
فَقَالَ لمولاها: كم شراؤها عَلَيْك؟ قَالَ: بِأَلف دِينَار، وَقد أنفقت عَلَيْهَا أَكثر من مائَة ألف دِرْهَم.
قَالَ: أما مَا أنفقت عَلَيْهَا، فَغير محتسب لَك، لِأَنَّك أنفقته فِي لذاتك، وَأما ثمنهَا، فقد أمرنَا لَك بِمِائَة ألف دِرْهَم، وَعشرَة سفاط ثِيَاب، وَعشرَة رُءُوس من الْخَيل، وَعشرَة من الرَّقِيق، أرضيت؟ قلت: نعم، رضيت، فَأمر بِالْمَالِ فأحضر.
فَلَمَّا قبض الْمولى الثّمن، وَأَرَادَ الِانْصِرَاف، استعبر كل وَاحِد مِنْهُمَا إِلَى صَاحبه باكيًا، وأنشأت الْجَارِيَة تَقول:
هَنِيئًا لَك المَال الَّذِي قد حويتهوَلم يبْق فِي كفّي إِلَّا التفكّر
أَقُول لنَفْسي وَهِي فِي كرباتهاأقلّي فقد بَان الحبيب أَو أكثري
إِذا لم يكن لِلْأَمْرِ عِنْدِي حِيلَةوَلم تجدي شَيْئا سوى الصَّبْر فاصبري
قَالَ: فَاشْتَدَّ بكاء الْمولى، وَعلا نحيبه، ثمَّ أنشأ يَقُول:
فلولا قعُود الدَّهْر بِي عَنْك لم يكنيفرّقنا شَيْء سوى الْمَوْت فاعذري
أروح بهمّ فِي الْفُؤَاد مبرّحأُنَاجِي بِهِ قلبًا طَوِيل التفكّر
عَلَيْك سَلام لَا زِيَارَة بَيْننَاوَلَا وصل إِلَّا أَن يَشَاء ابْن معمر
فَقَالَ لَهُ ابْن معمر: قد شِئْت يَا هَذَا، خُذ جاريتك، بَارك الله لَك فِيهَا وَفِيمَا صَار إِلَيْك من المَال، وانصرفا راشدين، فوَاللَّه، لَا كنت سَببا فِي فرقة محبين.
فَأَخذهَا وَأخذ المَال وَالْخَيْل وَالرَّقِيق وَالثيَاب، وأثرى وَحسنت حَاله.
وَأَخْبرنِي الْحسن بن عبد الرَّحْمَن بن خَلاد الرامَهُرْمُزِي، خَليفَة أبي ﵀ على الْقَضَاء بهَا، قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن سعيد، أَن الزبير حَدثهمْ، قَالَ: حَدثنِي ابْن أبي بكر المؤملي، قَالَ: حَدثنِي عبد الله بن أبي عُبَيْدَة بن مُحَمَّد بن عمار بن يَاسر، قَالَ: كَانَت لفتى من الْعَرَب جَارِيَة جميلَة، وَكَانَ بهَا معجبًا، يجد بهَا وجدا شَدِيدا، فَلم يزل ينْفق عَلَيْهَا حَتَّى أملق وَاحْتَاجَ، وَجعل يسْأَل إخوانه، فَقَالَت الْجَارِيَة... وَذكر بَقِيَّة الْخَبَر على قريب مِمَّا رَوَاهُ الرياشي، والألحان فِي الشّعْر على مَا رَوَاهُ الزبير.
وَوجدت هَذَا الْخَبَر مَذْكُورا بقريب من هَذِه الْأَلْفَاظ، فِي كتاب أَخْبَار المتيمين للمدائني، وَقد زَاد فِيهِ، أَن الْجَارِيَة كَانَت قينة، وَلم يذكر الشّعْر الأول.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع