من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
فَارق جَارِيَته ثمَّ أجتمع شملهما
حَدثنِي عبيد الله بن مُحَمَّد بن الْحسن الصروي، قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: كَانَ بِبَغْدَاد رجل من أَوْلَاد النعم، ورث من أَبِيه مَالا جَلِيلًا، وَكَانَ يتعشق جَارِيَة، وَأنْفق عَلَيْهَا شَيْئا كثيرا، ثمَّ اشْتَرَاهَا، وَكَانَت تحبه ويحبها، فَلم يزل ينْفق مَاله عَلَيْهَا إِلَى أَن أفلس.
فَقَالَت لَهُ الْجَارِيَة: يَا هَذَا، قد بَقينَا كَمَا ترى، فَلَو طلبت معاشًا نقتات مِنْهُ.
قَالَ: فَلم يجد لَهُ صناعَة غير الْغناء، إِذْ كَانَ الْفَتى من محبته لِلْجَارِيَةِ، وإحضاره المغاني إِلَيْهَا، ليزيدوها فِي صنعتها، قد تعلم الضَّرْب والغناء، وَخرج صَالحا فِي طبقَة الْغناء والحذق فِيهِ.
فَشَاور بعض معارفه، فَقَالَ: مَا أعرف لَك معاشًا أصلح من أَن تغني للنَّاس، وَتحمل جاريتك إِلَيْهِم فتأخذ على هَذَا الْكثير، ويطيب عيشك.
فَأَنف من ذَلِك، وَعَاد إِلَيْهَا، فَأَخْبرهَا بِمَا أُشير عَلَيْهِ بِهِ، وأعلمها أَن الْمَوْت أشهى عِنْده من هَذَا، فَصَبَرت مَعَه على الشدَّة مُدَّة.
ثمَّ قَالَت: قد رَأَيْت لَك رَأيا.
فَقَالَ: قولي.
قَالَت: تبيعني، فَإِنَّهُ يحصل لَك من ثمني مَا تعيش بِهِ عَيْشًا صَالحا، وتخلص من هَذِه الشدَّة، وأحصل أَنا فِي نعْمَة، فَإِن مثلي لَا يَشْتَرِيهَا إِلَّا ذُو نعْمَة.
فحملها إِلَى سوق النخاسين، فَكَانَ أول من اعترضها فَتى هاشمي من أهل الْبَصْرَة، ظريف، قد ورد بَغْدَاد للعب والتمتع، فاشتراها بِأَلف
وَخمْس مائَة دِينَار عينا.
قَالَ الرجل: فحين لفظت بِالْبيعِ، وقبضت الثّمن، نَدِمت، واندفعت فِي بكاء عَظِيم، وحصلت الْجَارِيَة فِي أقبح من صُورَتي، وجهدت فِي الْإِقَالَة، فَلم يكن إِلَى ذَلِك سَبِيل.
فَأخذت الدَّنَانِير فِي الْكيس، وَأَنا لَا أَدْرِي إِلَى أَيْن أذهب، لِأَن بَيْتِي موحش مِنْهَا، وَورد عَليّ من اللَّطْم والبكاء مَا هوسني.
فَدخلت مَسْجِدا، وَجَلَست فِيهِ أبْكِي، وأفكر فِيمَا أعمل، فحملتني عَيْني، فَتركت الْكيس تَحت رَأْسِي كالمخدة، ونمت.
فَمَا شَعرت إِلَّا بِإِنْسَان قد جذبه من تَحت رَأْسِي فانتبهت فَزعًا، فَإِذا بِإِنْسَان قد أَخذ الْكيس، وَمر يعدو، فَقُمْت لعدو وَرَاءه، فَإِذا رجْلي مشدودة بخيط فِي وتد مَضْرُوب فِي آخر الْمَسْجِد، فَإلَى أَن تخلصت من ذَلِك، غَابَ الرجل عَن عَيْني.
فَبَكَيْت، ولطمت، ونالني أَمر أَشد من الأول، وَقلت: قد فَارَقت من أحب، وبعته، لأستغني بِثمنِهِ عَن الصَّدَقَة، فقد صرت الْآن فَقِيرا، مفارقًا لمن أحب.
فَجئْت إِلَى دجلة، ولففت وَجْهي برداء كَانَ على راسي، وَلم أكن أحسن أسبح، ورميت بنفسي فِي المَاء لأغرق.
فَظن الْحَاضِرُونَ أَن ذَلِك لغلط وَقع عَليّ، فَطرح قوم نُفُوسهم خَلْفي، فأخذوني، وسألوني عَن أَمْرِي، فَأَخْبَرتهمْ، وَبقيت مِنْهُم بَين رَاحِم ومستجهل.
إِلَى أَن خلا بِي شيخ مِنْهُم، فَأخذ يعظني، وَيَقُول: يَا هَذَا، ذهب مَالك، فَكَانَ مَاذَا حَتَّى تتْلف نَفسك، أَو مَا علمت أَن فَاعل هَذَا فِي نَار جَهَنَّم، وَلست أول من افْتقر بعد غنى، فَلَا تفعل وثق بِاللَّه تَعَالَى.
ثمَّ قَالَ لي: أَيْن مَنْزِلك؟
فَقلت: فِي الْموضع الْفُلَانِيّ.
فَقَالَ: قُم معي إِلَيْهِ، وَمَا فارقني حَتَّى حَملَنِي إِلَى منزلي، وَمَا زَالَ يؤنسني، ويعظني، إِلَى أَن بَان لَهُ السّكُون فِي، فشكرته.
وَانْصَرف، فكدت أَن أقتل نَفسِي لوحشة منزلي عَليّ، ثمَّ ذكرت النَّار وَالْآخِرَة، فَخرجت من بَيْتِي هَارِبا، إِلَى بعض أصدقائي القدماء فِي حَال سعادتي، فَأَخْبَرته خبري، فَبكى رقة لي، وَأَعْطَانِي خمسين درهما.
وَقَالَ: اقبل رَأْيِي، واخرج السَّاعَة من بَغْدَاد، وَاجعَل هَذِه نَفَقَة لَك إِلَى حَيْثُ وجدت قَلْبك يساعدك إِلَى قَصده، وَأَنت من أَوْلَاد الْكتاب، وخطك جيد، وأدبك صَالح، فاقصد بعض الْعمَّال، وأطرح نَفسك عَلَيْهِ، فَأَقل مَا فِي الْأَمر أَن تصير محررًا بَين يَدَيْهِ، وتعيش مَعَه، وَلَعَلَّ الله أَن يصنع لَك صنعا.
فَعمِلت على هَذَا، وَجئْت إِلَى الكتبيين، وَقد قوي فِي نَفسِي أَن أقصد وَاسِط، وَكَانَ لي فِيهَا أقَارِب، فأجعلهم ذَرِيعَة لي إِلَى التَّصَرُّف مَعَ بعض عمالها.
فحين جِئْت إِلَى الكتبيين، إِذا بزلال مقدم، وخزانة كَبِيرَة، وقماش كثير ينْقل إِلَى الزلَال، وَإِلَى الخزانة.
فَسَأَلت: من يحملني إِلَى وَاسِط؟ فَقَالَ أحد ملاحي الزلَال: نَحن نحملك بِدِرْهَمَيْنِ إِلَى وَاسِط، وَلَكِن هَذَا
الزلَال لرجل هاشمي من أهل الْبَصْرَة، وَلَا يمكنا من حملك مَعَه على هَذِه الصُّورَة، وَلَكِن تلبس ثِيَاب الملاحين، وتجلس مَعنا كَأَنَّك وَاحِد منا.
فحين رَأَيْت الزلَال، وَسمعت أَنه لرجل هاشمي، من أهل الْبَصْرَة، طمعت أَن يكون مُشْتَرِي جاريتي، فأتفرج بسماعها إِلَى وَاسِط.
فَدفعت الدرهمين إِلَى الملاح، وعدت فاشتريت لي جُبَّة من جباب الملاحين فلبستها، وبعت تِلْكَ الثِّيَاب الَّتِي كَانَت عَليّ، وأضفتها إِلَى مَا معي من النَّفَقَة، واشتريت خبْزًا وإدامًا، وَجَلَست فِي الزلَال.
فَمَا كَانَ إِلَّا سَاعَة حَتَّى رَأَيْت جاريتي بِعَينهَا، وَمَعَهَا جاريتان تخدمانها، فحين رَأَيْتهَا سهل عَليّ مَا كَانَ بِي، وَمَا أَنا عَلَيْهِ.
وَقلت: أسمع غناءها، وأراها، من هَاهُنَا إِلَى الْبَصْرَة، واعتمدت على أَن أجعَل قصدي إِلَى الْبَصْرَة، وطمعت فِي أَن أداخل مَوْلَاهَا، فأصير أحد ندمائه.
وَقلت: وَلَا تخليني هِيَ من الْموَاد، فَإِنِّي واثق بهَا.
وَلم يكن بأسرع من أَن جَاءَ الْفَتى الَّذِي اشْتَرَاهَا رَاكِبًا، وَمَعَهُ عدَّة ركبان، فنزلوا فِي الزلَال وانحدروا.
فَلَمَّا صَارُوا بكلواذى، أخرج الطَّعَام، فَأكل هُوَ وَالْجَارِيَة، وَأكل الْبَاقُونَ على سطح الزلَال، وأطعموا الملاحين.
ثمَّ أقبل على الْجَارِيَة، فَقَالَ لَهَا: إِلَى كم هَذِه المدافعة عَن الْغناء، وَهَذَا الْحزن والبكاء، مَا أَنْت أول من فَارق مَوْلَاهُ، فَعلمت مَا عِنْدهَا من أَمْرِي.
ثمَّ ضربت ستارة فِي جَانب الزلَال، واستدعى الَّذين فِي سطحه، وَجلسَ مَعَهم خَارج الستارة، فَسَأَلت عَنْهُم، فَإِذا هم إخْوَته، وأخرجوا الصواني، ففرقوها عَلَيْهِم، وأحضروا النَّبِيذ.
وَمَا زَالُوا يترفقون بالجارية، إِلَى أَن استدعت الْعود، فأصلحته، وجست
أوتاره، ثمَّ اندفعت تغني، من الثقيل الأول بِإِطْلَاق الْوتر فِي مجْرى الْوُسْطَى
بَان الخليط بِمن عرفت فأدلجواعمدا لقتلك ثمَّ لم يتحرّجوا
وغدت كأنّ على ترائب نحرهاجمر الغضا فِي ساجة يتأجّج
قَالَ: ثمَّ غلبها الْبكاء، وَقطعت الْغناء، وتنغص على الْفتية سرورهم.
وَوَقعت أَنا مغشيًا عَليّ، فَظن الْقَوْم أَنِّي قد صرعت، فَأذن بَعضهم فِي أُذُنِي، وصب عَليّ المَاء، فَأَفَقْت بعد سَاعَة.
وَمَا زَالُوا يداورونها، ويرفقون بهَا، ويسألونها الْغناء، إِلَى أَن أصلحت الْعود، واندفعت تغني فِي الثقيل التاني:
فوقفت أنسب بالذين تحملّواوكأنّ قلبِي بالشفار يقطّع
فَدخلت دَارهم أسائل عَنْهُموَالدَّار خَالِيَة الْمنَازل بلقع
ثمَّ شهقت فَكَادَتْ تتْلف، وارتفع لَهَا بكاء عَظِيم، وصعقت أَنا، فتبرم بِي الملاحون، وَقَالُوا: كَيفَ حملنَا هَذَا الْمَجْنُون مَعنا.
فَقَالَ بَعضهم: إِذا بَلغْتُمْ بعض الْقرى فأخرجوه وأريحونا مِنْهُ.
فَجَاءَنِي أَمر عَظِيم، أعظم من كل شَيْء دفعت إِلَيْهِ، وَوضعت فِي نَفسِي التصبر، وَالْحِيلَة فِي أَن أعلمها بمكاني من الزلَال، لتمنع من إخراجي.
وبلغنا إِلَى قرب الْمَدَائِن، فَقَالَ صَاحب الزلَال: اصعدوا بِنَا إِلَى الشط، فطرحوا إِلَى الشط، وَخرج الْجَمَاعَة، وَقد كَانَ الْمسَاء قد قرب، وَصعد أَكثر الملاحين يَتَغَوَّطُونَ، فَخَلا الزلَال، وَكَانَ الْجَوَارِي فِيمَن صعد إِلَى مستراح ضرب لَهُنَّ.
فمضيت سَارِقا نَفسِي حَتَّى صرت خلف الستارة، فغيرت طَريقَة الْعود عَمَّا كَانَت عَلَيْهِ، إِلَى طَريقَة أُخْرَى، وَرجعت إِلَى موضعي من الزلَال.
وَفرغ الْقَوْم من حاجاتهم فِي الشط، ودافعوا وَالْقَمَر منبسط.
فَقَالُوا لَهَا: بِاللَّه يَا ستي غنينا شَيْئا، وَلَا تنغصي علينا عيشنا.
فَأخذت الْعود فجسته، فشهقت شهقة كَادَت تتْلف، وَقَالَت: وَالله، قد أصلح هَذَا الْعود مولَايَ، على طَريقَة من الضَّرْب كَانَ بهَا معجبًا، وَكَانَ يضْربهَا معي، وَوَاللَّه إِنَّه مَعنا فِي الزلَال.
فَقَالَ لَهَا صَاحبهَا: وَالله، لَو كَانَ مَعنا مَا امتنعنا من عشرته، فَلَعَلَّهُ أَن يخف بعض مَا بك، فننتفع بغنائك.
فَقَالَت: مَا أَدْرِي مَا تَقولُونَ، هُوَ، وَالله، مَعنا.
فَقَالَ الرجل للملاحين: وَيحكم، حملتم مَعنا إنْسَانا غَرِيبا؟ فَقَالُوا: لَا.
فَأَشْفَقت أَن يَنْقَطِع السُّؤَال، فَصحت: نعم، هوذا أَنا.
فَقَالَت: كَلَام مولَايَ، وَالله، وَجَاء بِي الغلمان إِلَى الرجل.
فَلَمَّا رَآنِي عرفني، وَقَالَ: وَيحك، مَا هَذَا الَّذِي أَصَابَك؟ وَمَا أداك إِلَى هَذِه الْحَال؟ فصدقته عَن أَمْرِي، وبكيت، وَعلا نحيب الْجَارِيَة من خلف الستارة، وبكا هُوَ وَإِخْوَته بكاء شَدِيدا، رقة لنا.
ثمَّ قَالَ: يَا هَذَا، وَالله، مَا وطِئت هَذِه الْجَارِيَة، وَلَا سَمِعت مِنْهَا غناء قبل هَذَا الْيَوْم، وَأَنا رجل موسع عَليّ وَالْحَمْد لله، وقدمت إِلَى بَغْدَاد لسَمَاع الْغناء، وَطلب أرزاقي من الْخَلِيفَة، وَقد بلغت من الْأَمريْنِ مَا أردْت.
فَلَمَّا عولت على الرُّجُوع إِلَى وطني، أَحْبَبْت أَن أستصحب معي مغنية من بَغْدَاد، فاشتريت هَذِه الْجَارِيَة، لأضمها إِلَى عدَّة مغنيات عِنْدِي بِالْبَصْرَةِ.
وَإِذ كنتما على هَذِه الْحَالة، فَأَنا، وَالله، أغتنم المكرمة وَالثَّوَاب فيكما، وَأشْهد الله تَعَالَى على أَنِّي إِذا صرت إِلَى الْبَصْرَة أعْتقهَا وأزوجك إِيَّاهَا، وَأجْرِي عَلَيْكُمَا مَا يكفيكما، على شريطة إِن أجبتني إِلَيْهَا.
قلت: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: أَن تحضرها عِنْدِي مَتى أردنَا الْغناء، تغني بحضورك وتنصرف بانصرافك إِلَى دَار أفرغها لَكمَا، وقماش أعطيكما إِيَّاه.
قلت: يَا سَيِّدي، وَكَيف أمنع من هُوَ الْمُعْطِي، وأبخل على من يرد حَياتِي عَليّ، بِهَذَا الْمِقْدَار، وَأخذت أقبل يَده، فَمَنَعَنِي.
ثمَّ أَدخل رَأسه إِلَى الْجَارِيَة، وَقَالَ: يرضيك هَذَا؟ فَأخذت تَدْعُو لَهُ، وتشكره.
فاستدعى غُلَاما لَهُ، وَقَالَ لَهُ: خُذ بيد هَذَا الرجل، وَغير ثِيَابه، وبخره،
وَقدم لَهُ مَا يَأْكُلهُ، وَجِئْنَا بِهِ، فأخذني الْغُلَام، وَفعل بِي ذَلِك، وعدت، فَتركت بَين يَدي صينية.
فاندفعت الْجَارِيَة تغني بنشاط، واستدعت النَّبِيذ، وشربت، وشربنا، وَأخذت أقترح عَلَيْهَا الْأَصْوَات الْجِيَاد، فتضاعف سرُور الرجل بهَا.
وَمَا زلنا على ذَلِك أَيَّامًا، حَتَّى وصلنا نهر معقل، وَنحن سكارى، فَشد الزلَال فِي الشط.
وأخذتني بولة المَاء فِي اللَّيْل، فَصَعدت على ضفة نهر معقل لأبول، فَحَمَلَنِي السكر على النّوم.
وَدفع الزلَال وَأَنا لَا أعلم، وَأَصْبحُوا فَلم يجدوني، ودخلوا الْبَصْرَة، وَلم أنتبه أَنا إِلَّا بحمي الشَّمْس، فَجئْت إِلَى الشط، فَلم أر لَهُم عينا وَلَا أثرا.
وَكنت قد أجللت الرجل أَن أسأله بِمن يعرف؟ وَأَيْنَ دَاره من الْبَصْرَة؟ واحتشمت غلمانه أَن أسألهم، فَبَقيت على شاطئ نهر معقل، كأول يَوْم بدأت بِي المحنة، وَكَأن مَا كنت فِيهِ مَنَام.
فاجتازت بِي سمارية، فَقَعَدت فِيهَا، وَدخلت إِلَى الْبَصْرَة، وَمَا كنت دَخَلتهَا قطّ، فَنزلت خَانا، وَبقيت متحيرًا، لَا أَدْرِي مَا أعمل، وَلم يتَوَجَّه لي معاش.
إِلَى أَن اجتاز بِي إِنْسَان أعرفهُ، فتبعته لأكشف لَهُ حَالي، ثمَّ أنفت من ذَلِك، وَدخل الرجل إِلَى منزله، فعرفته، وَجئْت إِلَى بقال كَانَ على بَاب الخان الَّذِي نزلته، فأعطيته دانقًا، وَأخذت مِنْهُ ورقة، وَجَلَست أكتب رقْعَة إِلَى الرجل.
فَاسْتحْسن الْبَقَّال خطي، وَرَأى رثاثة زيي، فَسَأَلَنِي عَن أَمْرِي، فَأَخْبَرته أَنِّي رجل ممتحن فَقير، قد تعذر عَليّ التَّصَرُّف، وَمَا بَقِي معي شَيْء، وَلم أشرح لَهُ أَكثر من هَذَا.
فَقَالَ لي: تعْمل معي كل يَوْم بِنصْف دِرْهَم، وطعامك وكسوتك عَليّ، وتضبط حِسَاب دكاني؟ فَقلت: نعم.
فَقَالَ: اصْعَدْ.
فخرقت الرقعة، وصعدت، فَجَلَست مَعَه، أدبر أمره، وضبطت دخله وخرجه، وَكَانَ غلمانه يسرقونه، فأديت لَهُ الْأَمَانَة.
فَلَمَّا كَانَ بعد شهر، رأى الرجل دخله زَائِدا، وخرجه نَاقِصا، فحمدني.
وَبقيت مَعَه كَذَلِك شهرا آخر، ثمَّ جعل رِزْقِي فِي كل يَوْم درهما.
وَلم يزل حَالي مَعَه يقوى، إِلَى أَن حَال الْحول، وَقد بَان لَهُ الصّلاح فِي أمره، فدعاني إِلَى أَن أَتزوّج بابنته، ويشاركني، فَفعلت.
وَدخلت بِزَوْجَتِي، ولزمت الدّكان، وحالي يقوى، إِلَّا أنني فِي خلال ذَلِك، منكسر النَّفس، ميت النشاط، ظَاهر الْحزن.
وَكَانَ الْبَقَّال رُبمَا شرب، فيجرني إِلَى مساعدته، فأمتنع، وَأظْهر لَهُ أَن ذَلِك بِسَبَب حزني على موتى لي.
واستمرت بِي الْحَال على هَذَا سنتَيْن وَأكْثر.
فَلَمَّا كَانَ فِي بعض الْأَيَّام، رَأَيْت النَّاس يجتازون بفاكهة، وَلحم، ونبيذ، اجتيازًا مُتَّصِلا، فَسَأَلت عَن ذَلِك؟
فَقيل لي: الْيَوْم الشعانين، يخرج فِيهِ أهل الظّرْف واللعب، بِالطَّعَامِ وَالشرَاب، والقيان إِلَى الأبلة، فيرون النَّصَارَى، وَيَشْرَبُونَ، ويفرحون.
فدعتني نَفسِي إِلَى التفرج، وَقلت: لعَلي أصل إِلَى أَصْحَابِي، أَو أَقف لَهُم على خبر، فَإِن هَذَا من مظانهم.
فَقلت لحمي: أُرِيد أَن أنظر إِلَى هَذَا المنظر.
فَقَالَ: شَأْنك وَمَا تُرِيدُ، فَأصْلح لي طَعَاما، وَشَرَابًا، وَسلم إِلَيّ غُلَاما وسفينةً.
فَخرجت وَركبت السَّفِينَة، وبدأت بِالْأَكْلِ، ثمَّ قدمت آنِية الشَّرَاب، وَجَلَست أشْرب حَتَّى وصلت البلة، وأبصرت النَّاس وَقد ابتدءوا يَنْصَرِفُونَ.
فَإِذا بالزلال بِعَيْنِه، فِي أوساط النَّاس، سائرًا فِي نهر الأبلة، فتأملته، فَإِذا أَصْحَابِي على سطحه، وَمَعَهُمْ عدَّة مغنيات.
فحين رَأَيْتهمْ لم أتمالك فَرحا، فطرحت إِلَيْهِم، فحين رأوني عرفوني، فكبروا، وأخذوني إِلَيْهِم، وسلموا عَليّ.
وَقَالُوا: وَيحك، أَنْت حَيّ؟ وعانقوني، وفرحوا بِي، وسألوني عَن قصتي، فَأَخْبَرتهمْ بهَا، من أَولهَا إِلَى آخرهَا، على أتم شرح.
فَقَالُوا: إِنَّا لما فقدناك فِي الْحَال، وَقع لنا أَنَّك بالسكر وَقعت فِي المَاء فغرقت، وَلم نشك فِي ذَلِك، فخرقت الْجَارِيَة ثِيَابهَا، وَكسرت الْعود، وجزت شعرهَا، وبكت، ولطمت، فَمَا منعناها من شَيْء من هَذَا.
ووردنا الْبَصْرَة، فَقُلْنَا لَهَا: مَا تحبين أَن نعمل مَعَك؟ فقد كُنَّا وعدنا مَوْلَاك وَعدا، تَمْنَعنَا الْمُرُوءَة من استخدامك بعده فِي حَال أَو سَماع.
فَقَالَت: يَا مولَايَ لَا تمنعني من الْقُوت الْيَسِير، وَلبس الثِّيَاب السوَاد، وَأَن أصنع قبرًا فِي بَيت من الدَّار، وأجلس عِنْده، وَأَتُوب من الْغناء، فمكناها من ذَلِك، فَهِيَ جالسة عِنْده إِلَى الْآن.
وأخذوني مَعَهم، فحين دخلت، ورأيتها بِتِلْكَ الصُّورَة، ورأتني، شهقت شهقةً عَظِيمَة، فَمَا شَككت فِي تلفهَا، وأعتنقتها، فَمَا افترقنا سَاعَة طَوِيلَة.
ثمَّ قَالَ لي مَوْلَاهَا: خُذْهَا.
فَقلت: بل تعتقها وَتَزَوَّجنِي بهَا، كَمَا وَعَدتنِي.
فَفعل ذَلِك، وَدفع لنا ثيابًا كَثِيرَة، وفرشًا، وقماشًا، وَحمل إِلَيّ خمس مائَة دِينَار.
وَقَالَ: هَذَا قدر مَا أردْت أَن أجريه عَلَيْكُم فِي كل شهر من أول شهر دخولي إِلَى الْبَصْرَة، وَقد اجْتمع فِي طول هَذِه الْمدَّة، والجراية فِي كل شهر غير هَذَا، وَشَيْء آخر لكسوتك، وَكِسْوَة الْجَارِيَة، وَالشّرط فِي المنادمة وَسَمَاع الْجَارِيَة من وَرَاء الستارة بَاقٍ، وَقد وهبت لَك الدَّار الْفُلَانِيَّة، وَهَذِه مفاتيحها.
فَأخذت المفاتيح، وأتيت إِلَى الدَّار، فَوَجَدتهَا مفروشة بأنواع الْفرش، وَإِذا بذلك الْفرش والقماش الَّذِي أَعْطيته فِيهَا، وَالْجَارِيَة.
فسررت بذلك سُرُورًا عَظِيما، وَجئْت إِلَى الْبَقَّال، فَحَدَّثته حَدِيثي، وَطلقت ابْنَته، ووفيتها صَدَاقهَا.
وأقمت مَعَ الْجَارِيَة سِنِين، وصرت رب ضَيْعَة ونعمة، وَصَارَ حَالي إِلَى
قريب مِمَّا كنت عَلَيْهِ أَولا.
وَأَنا أعيش كَذَلِك مَعَ جاريتي، إِلَى الْآن.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع