من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
ابْن أبي حَامِد صَاحب بَيت المَال يحسن إِلَى رجل من المتفقهة
وَقد كَانَ فِيمَا يُقَارب عصرنا مثل هَذَا، وَهُوَ مَا حَدثنِي بِهِ أَبُو الْحسن عَليّ بن عمر الدَّارَقُطْنِيّ الْحَافِظ، قَالَ: حَدثنِي أَبُو أَحْمد مُحَمَّد بن أَحْمد الْجِرْجَانِيّ الْفَقِيه، قَالَ: كُنَّا ندرس على أبي إِسْحَاق الْمروزِي الشَّافِعِي، وَكَانَ يدرس عَلَيْهِ مَعنا فَتى من أهل خُرَاسَان، لَهُ وَالِد هُنَاكَ، وَكَانَ يُوَجه إِلَيْهِ فِي كل سنة، مَعَ الْحَاج، قدر نَفَقَة السّنة.
فَاشْترى جَارِيَة، فَوَقَعت فِي نَفسه، وألفها، وألفته، وَكَانَت مَعَه سِنِين.
وَكَانَ رسمه أَن يستدين فِي كل سنة، دينا، بِقدر مَا يعجز من نَفَقَته، فَإِذا جَاءَ مَا أنفذه أَبوهُ إِلَيْهِ، قضى دينه، وَأنْفق الْبَاقِي مُدَّة ثمَّ عَاد إِلَى الِاسْتِدَانَة.
فَلَمَّا كَانَ سنة من السنين، جَاءَ الْحَاج، وَلَيْسَ مَعَهم نَفَقَة من أَبِيه.
فَسَأَلَهُمْ عَن سَبَب ذَلِك، فَقَالُوا لَهُ: إِن أَبَاك أعتل عِلّة عَظِيمَة صعبة، واشتغل بِنَفسِهِ، فَلم يتَمَكَّن من إِنْفَاذ شَيْء إِلَيْك.
قَالَ: فقلق الْفَتى قلقًا شَدِيدا، وَجعل غرماؤه يطالبونه كالعادة، فِي قَضَاء الدَّين وَقت الْمَوْسِم، فاضطر، وَأخرج الْجَارِيَة إِلَى النخاسين، فعرضها.
وَكَانَ الْفَتى ينزل بِالْقربِ من منزلي، وَكُنَّا نصطحب إِلَى منزل الْفَقِيه، وَلَا نكاد نتفارق.
فَبَاعَ الْجَارِيَة بِأَلف دِرْهَم وَكسر، وعزم على أَن يفرق مِنْهَا على غُرَمَائه قدر مَالهم، ويتمون بِالْبَاقِي.
وَكَانَ قلقًا، موجعًا، متحيرًا، عِنْد رجوعنا من النخاسين.
فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل إِذا ببابي يدق، فَقُمْت ففتحته، فَإِذا بالفتى.
فَقلت: مَالك؟ فَقَالَ: قد امْتنع عَليّ النّوم، وَقد غلبتني وَحْشَة الْجَارِيَة، والشوق إِلَيْهَا.
وَوَجَدته من القلق على أَمر عَظِيم، حَتَّى أنْكرت عقله، فَقلت: مَا تشَاء؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي، وَقد سهل عَليّ أَن ترجع الْجَارِيَة إِلَى ملكي، وأبكر غَدا فَأقر لغرمائي بمالهم، وأحبس فِي حبس القَاضِي، إِلَى أَن يفرج الله تَعَالَى عني، ويجيئني من خُرَاسَان مَا أَقْْضِي بِهِ ديني فِي الْعَام الْمقبل، وَتَكون الْجَارِيَة فِي ملكي.
فَقلت لَهُ: أَنا أكفيك ذَلِك فِي غَد إِن شَاءَ الله، وأعمل فِي رُجُوع الْجَارِيَة إِلَيْك، إِذا كنت قد وطنت نَفسك على هَذَا.
قَالَ: فبكرنا إِلَى السُّوق، فسألنا عَمَّن اشْترى الْجَارِيَة.
فَقَالُوا: امْرَأَة من دَار أبي بكر بن أبي حَامِد، صَاحب بَيت المَال.
فَجِئْنَا إِلَى مجْلِس الْفَقِيه، فشرحت لأبي إِسْحَاق الْمروزِي بعض حَدِيث الْفَتى، وَسَأَلته أَن يكْتب رقْعَة إِلَى أبي بكر بن أبي حَامِد، يسْأَله فِيهَا فسخ البيع، وَالْإِقَالَة، وَأخذ الثّمن، ورد الْجَارِيَة، فَكتب رقْعَة مُؤَكدَة فِي ذَلِك.
فَقُمْت، وَأخذت بيد الْخُرَاسَانِي صديقي، وَجِئْنَا إِلَى أبي بكر بن أبي حَامِد، فَإِذا هُوَ فِي مجْلِس حافل، فأمهلنا حَتَّى خف، ثمَّ دَنَوْت أَنا والفتى، فعرفني، وسألني عَن أبي إِسْحَاق الْمروزِي، فَقلت: هَذِه رقعته خَاصَّة فِي حَاجَة لَهُ.
فَلَمَّا قَرَأَهَا، قَالَ لي: أَنْت صَاحب الْجَارِيَة؟ قلت: لَا، وَلكنه صديقي هَذَا، وأومأت إِلَى الْخُرَاسَانِي، وقصصت عَلَيْهِ الْقِصَّة، وَسبب بيع الْجَارِيَة.
فَقَالَ: وَالله، مَا أعلم أَنِّي ابتعت جَارِيَة فِي هَذِه الْأَيَّام، وَلَا ابتيعت لي.
فَقلت: إِن امْرَأَة جَاءَت وابتاعتها، وَذكرت أَنَّهَا من دَارك.
قَالَ: يجوز.
ثمَّ قَالَ: يَا فلَان، فَجَاءَهُ خَادِم، فَقَالَ لَهُ: امْضِ إِلَى دور الْحرم، فاسأل عَن جَارِيَة اشْتريت أمس، فَلم يزل يدْخل وَيخرج من دَار إِلَى دَار، حَتَّى وَقع عَلَيْهَا، فَرجع إِلَيْهِ.
فَقَالَ لَهُ: أعثرت عَلَيْهَا؟ فَقَالَ: نعم، فَقَالَ: أحضرها، فأحضرها.
فَقَالَ لَهَا: من مَوْلَاك؟ فأومأت إِلَى الْخُرَاسَانِي.
فَقَالَ لَهَا: أفتحبين أَن أردك عَلَيْهِ؟ فَقَالَت: وَالله، لَيْسَ مثلك يَا مولَايَ من يخْتَار عَلَيْهِ، وَلَكِن لمولاي عَليّ حق التربية.
فَقَالَ: هِيَ كيسة عَاقِلَة، خُذْهَا.
قَالَ: فَأخْرج الْخُرَاسَانِي الْكيس من كمه، وَتَركه بِحَضْرَتِهِ.
فَقَالَ للخادم: امْضِ إِلَى الْحرم، وَقل لَهُنَّ: مَا كنتن وعدتن بِهِ هَذِه الْجَارِيَة من إِحْسَان، فعجلنه السَّاعَة.
قَالَ: فجَاء الْخَادِم بأَشْيَاء لَهَا قدر وَقِيمَة، فَدَفعهَا إِلَيْهَا.
ثمَّ قَالَ للخراساني: خُذ كيسك فَاقْض مِنْهُ دينك، ووسع بباقيه على نَفسك وعَلى جاريتك، والزم الْعلم، فقد أجريت عَلَيْك فِي كل شهر قفيز دَقِيق، ودينارين، تستعين بهَا على أَمرك.
قَالَ: فوَاللَّه مَا انْقَطَعت عَن الْفَتى، حَتَّى مَاتَ أَبُو بكر بن أبي حَامِد.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع