تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

من مَكَارِم جَعْفَر بن يحيى الْبَرْمَكِي

وحَدثني أَبُو الْفرج عَليّ بن الْحُسَيْن الْمَعْرُوف بالأصبهاني، إملاء من حفظه، قَالَ: حَدثنِي الْحُسَيْن بن يحيى المرداسي، قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي، قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: لما دخل الرشيد الْبَصْرَة حاجًّا، كنت مَعَه، فَقَالَ لي جَعْفَر بن يحيى: يَا أَبَا مُحَمَّد، قد وصفت لي جَارِيَة مغنية حسناء محسنة، تبَاع، وَذكر أَن مَوْلَاهَا مُمْتَنع من عرضهَا إِلَّا فِي دَاره، وَقد عزمت على أَن أركب مستخفيًا، فأعترضها، أفتساعدني؟ فَقلت: السّمع وَالطَّاعَة.

فَلَمَّا كَانَ فِي نصف النَّهَار حضر النخاس، فَأعْلم بِحُضُورِهِ، فَخرج جَعْفَر بعمامة وطيلسان ونعل عَرَبِيَّة، وَأَمرَنِي فَلبِست مثل ذَلِك، وركبنا حِمَارَيْنِ قد أسرجا بسروج التُّجَّار، وَركب النخاس مَعنا، وطلبنا الطَّرِيق.

فَلم يزل النخاس يسير بَين أَيْدِينَا، حَتَّى أَتَيْنَا بَابا شاهقًا يدل على نعْمَة قديمَة، فقرع النخاس الْبَاب، وَإِذا بشاب حسن الْوَجْه، عَلَيْهِ أثر ضرّ باد، وقميص غليظ خشن، فَفتح لنا الْبَاب، وَقَالَ لنا: انزلوا يَا سادة، فَدَخَلْنَا.

فَأخْرج لنا الرجل قِطْعَة حَصِير خلق، ففرشها لنا، فَجَلَسْنَا عَلَيْهَا.

فَقَالَ لَهُ النخاس: أخرج الْجَارِيَة، فقد حضر المُشْتَرِي.

فَدخل الْبَيْت، وَإِذا الْجَارِيَة قد خرجت فِي الْقَمِيص الغليظ الَّذِي كَانَ على الْفَتى بِعَيْنِه، وَهِي فِيهِ، مَعَ خشونته، كَأَنَّهَا فِي الْحلِيّ وَالْحلَل، لحسن وَجههَا، وَفِي يَدهَا عود.

فَأمرهَا جَعْفَر بِالْغنَاءِ، فَجَلَست، وَضربت ضربا حسنا، واندفعت تغني:

إِن يمس حبلك بعد طول تواصلٍخلقا وَيُصْبِح بَيتكُمْ مَهْجُورًا
للشاعر الحارث المخزومي، اقرأ القصيدة
فَلَقَد أَرَانِي والجديد إِلَى بلَىدهرًا بوصلك رَاضِيا مَسْرُورا
جذلًا بِمَا لي عنْدكُمْ لَا أَبْتَغِيبَدَلا بوصلك خلة وعشيرا
كنت المنى وأعزّ من وطئ الْحَصَىعِنْدِي وَكنت بِذَاكَ مِنْك جَدِيرًا
للشاعر الحارث المخزومي، اقرأ القصيدة

ثمَّ غلبها الْبكاء حَتَّى منعهَا من الْغناء، وَسَمعنَا من الْبَيْت نحيب الْفَتى، وَقَامَت الْجَارِيَة تتعثر فِي أذيالها، حَتَّى دخلت الْبَيْت، وَارْتَفَعت لَهما ضجة بالبكاء والشهيق، حَتَّى ظننا أَنَّهُمَا قد مَاتَا، وهممنا بالانصراف.

فَإِذا بالفتى قد خرج وَعَلِيهِ ذَلِك الْقَمِيص بِعَيْنِه، فَقَالَ: أَيهَا الْقَوْم، أعذروني فِيمَا أَفعلهُ وأقوله.

فَقَالَ لَهُ جَعْفَر: قل.

فَقَالَ: أشهد الله تَعَالَى، وأشهدكم، أَن هَذِه الْجَارِيَة حرَّة لوجه الله تَعَالَى، وأسألكم أَن تزوجوني بهَا.

قَالَ: فتحير جَعْفَر أسفا على الْجَارِيَة، ثمَّ قَالَ لَهَا: أتحبين أَن أزَوجك.

من مَوْلَاك؟ قَالَت: نعم.

فقرر الصَدَاق، وخطب، وَزوجهَا بِهِ، ثمَّ أقبل على الْفَتى، وَقَالَ لَهُ: مَا حملك على هَذَا؟ فَقَالَ: حَدِيثي طَوِيل، إِن نشطت لَهُ حدثتك بِهِ.

فَقَالَ: لَا أقل من أَن نَسْمَعهُ، فَلَعَلَّنَا أَن نبسط عذرك.

فَقَالَ: أَنا فلَان ابْن فلَان، وَكَانَ أبي من وُجُوه أهل هَذَا الْبَلَد، ومياسيره، وَهَذَا عَارِف بذلك، وَأَوْمَأَ إِلَى النخاس.

وأسلمني أبي إِلَى الْكتاب، وَكَانَت لأمي صبية قريب سني من سنّهَا، وَهِي جاريتي هَذِه، وَكَانَت معي فِي الْمكتب، تتعلم مَا أتعلم، وتنصرف معي.

فبلغت، ثمَّ بطلت من الْكتاب، وتعلمت الْغناء، فَكنت لمحبتي لَهَا أتعلمه مَعهَا، وَتعلق قلبِي بهَا، وأحببتها حبًّا شَدِيدا.

وَبَلغت أَنا أَيْضا، فخطبني وُجُوه أهل الْبَصْرَة لبناتهن، فخيرني أبي، فأظهرت لَهُ الزّهْد فِي التَّزْوِيج، ونشأت متوفرًا على الْأَدَب، متقلبًا فِي نعم أبي، غير متعرض لما يتَعَرَّض لَهُ الْأَحْدَاث، لتَعلق قلبِي بالصبية، ورغبة أهل الْبَلَد تزداد فِي، وَعِنْدهم أَن عفتي لصلاح، وَمَا كَانَت إِلَّا لتَعلق قلبِي بالجارية، وَأَن شهوتي لَا تتعداها لأحد.

وَبلغ حذقها فِي الْغناء إِلَى مَا قد سمعتموه، فعزمت أُمِّي على بيعهَا، وَهِي لَا تعلم مَا فِي نَفسِي مِنْهَا، فأحسست بِالْمَوْتِ، واضطررت إِلَى أَن حدثت أُمِّي عَن الصُّورَة، فَحدثت أبي، فَاجْتمع رأيهما على أَن وهبا لي الْجَارِيَة، وجهزاها

كَمَا يُجهز أهل البيوتات بناتهن، وجليت عَليّ، وَعمل لنا عرس حسن، ونعمت مَعهَا دهرًا طَويلا.

ثمَّ مَاتَ أبي، وَخلف لي مَالا كثيرا، فَلم أحسن أَن أرب نعْمَته، وأسأت التَّدْبِير فِيهَا، وأسرعت فِي الْأكل وَالشرب والقيان، وَأَنا مَعَ ذَلِك أجذر فِي الْيَوْم الْوَاحِد بِخَمْسِينَ دِينَارا أَو أَكثر.

فَأوجب ذَلِك أَن تلفت النِّعْمَة، وأفضت الْحَال إِلَى نقض الدَّار وَبيع مَا فِيهَا، حَتَّى صرت إِلَى مَا ترى، وَأَنا على هَذَا مُنْذُ سِنِين.

فَلَمَّا كَانَ فِي هَذَا الْوَقْت، وَبَلغنِي دُخُول الْخَلِيفَة، ووزيره، وَأهل مَمْلَكَته، الْبَصْرَة، قلت لَهَا: يَا ستي، اعلمي أَن شبابك قد بلي، وَأَن عمرك فِي الشَّقَاء يَنْقَضِي، وَبِاللَّهِ، إِن نَفسِي تالفة من فراقك، وَلَكِنِّي أُؤْثِر تلفهَا مَعَ وصولك إِلَى نعْمَة ورفاهية، فدعيني أعرضك، لَعَلَّ أَن يشتريك بعض هَؤُلَاءِ الأكابر، فتحصلي مَعَه فِي رغد عَيْش، فَإِن مت بعْدك فَذَاك الَّذِي أوثر، وَيكون كل وَاحِد منا قد تخلص من الشَّقَاء، وَإِن حكم الله تَعَالَى عَليّ بِالْبَقَاءِ، صبرت على قَضَائِهِ.

فَبَكَتْ من ذَلِك، وقلقت، ثمَّ قَالَت: افْعَل مَا تحب.

فَخرجت إِلَى هَذَا النخاس، فأطلعته على أَمْرِي، وَقد كَانَ يسمع غناءها أَيَّام نعمتي، وَعرف حَالهَا وحالي، وأعلمته أَنِّي لَا أعرضها إِلَّا عِنْدِي، فَإِنَّهَا، وَالله، مَا طرقت رجلهَا خَارج بَاب الدَّار قطّ، وقصدت بذلك أَن يَرَاهَا المُشْتَرِي، وَلَا تدخل بيُوت النَّاس، وَلَا إِلَى السُّوق، وَإِنَّهَا لم يكن لَهَا مَا تلبسه إِلَّا قَمِيصِي هَذَا، وَهُوَ مُشْتَرك بَيْننَا، ألبسهُ أَنا إِذا خرجت لأبتاع الْقُوت، وتتشح هِيَ بإزارها، وَإِذا جِئْت إِلَى الْبَيْت، ألبستها إِيَّاه، وأتشح أَنا بالإزار.

فَلَمَّا حصل من يعترضها، وَخرجت فغنتكم، لَحِقَنِي من القلق والبكاء لفراقها أَمر عَظِيم، فَدخلت إِلَيّ، وَقَالَت: يَا هَذَا، مَا أعجب أَمرك، أَنْت مللتني، وَأَرَدْت بيعي وفراقي، وتبكي هَذَا الْبكاء؟ فَقلت لَهَا: يَا هَذِه، إِن فِرَاق نَفسِي أسهل عَليّ من فراقك، وَإِنَّمَا أردْت أَن تتخلصي من هَذَا الشَّقَاء.

فَقَالَت: وَالله، لَو ملكتُ مِنْك مَا ملكتَ مني، مَا بِعْتُك أبدا، وأموت جوعا وعريًا، فَيكون الْمَوْت هُوَ الَّذِي يفرق بَيْننَا.

فَقلت: أَتُرِيدِينَ أَن تعلمي صدق قولي؟ قَالَت: نعم.

قلت: هَل لَك أَن أخرج السَّاعَة إِلَى المُشْتَرِي فأعتقك بَين يَدَيْهِ وأتزوجك، ثمَّ أَصْبِر مَعَك على مَا نَحن فِيهِ إِلَى أَن يَأْذَن الله تَعَالَى بفرج أَو موت؟ فَقَالَت: إِن كَانَ قَوْلك صَادِقا، فافعل مَا بدا لَك من هَذَا، فَمَا أُرِيد غَيره.

فَخرجت إِلَيْكُم فَكَانَ مني مَا قد علمْتُم، فاعذروني.

فَقَالَ جَعْفَر الْوَزير: أَنْت مَعْذُور، ونهض، ونهضت مَعَه، والنخاس مَعنا.

فَلَمَّا قدم حِمَاره ليركب، دَنَوْت مِنْهُ، وَقلت: يَا سُبْحَانَ الله، مثلك فِي جودك، يرى مثل هَذِه المكرمة، فَلَا ينتهز الفرصة فِيهَا؟ وَالله، لقد تقطع قلبِي عَلَيْهِمَا.

فَقَالَ: وَيحك، وقلبي، وَالله، كَذَلِك، وَلَكِن غيظي من فَوت الْجَارِيَة إيَّايَ يَمْنعنِي من التكرم عَلَيْهِ.

فَقلت: وَأَيْنَ الرَّغْبَة فِي الثَّوَاب؟ فَقَالَ: صدقت وَالله.

ثمَّ الْتفت إِلَى النخاس، فَقَالَ: كم كَانَ الْخَادِم سلم إِلَيْك عِنْد ركوبنا، لتشتري بِهِ الْجَارِيَة؟ فَقَالَ: ثَلَاثَة آلَاف دِينَار.

فَقَالَ: أَيْن هِيَ؟ فَقَالَ: مَعَ غلامي.

فَقَالَ لي وللنخاس: خذاها وادفعاها إِلَى الْفَتى، وقولا لَهُ: يكتسي ويركب ويجيئني، لأحسن إِلَيْهِ وأستخدمه.

فرجعنا إِلَى الْفَتى، فَإِذا هُوَ يبكي، فَقلت لَهُ: قد عجل الله فرجك، اعْلَم أَن الَّذِي خرج من عنْدك هُوَ الْوَزير جَعْفَر بن يحيى بن خَالِد الْبَرْمَكِي، وَقد أَمر لَك بِهَذَا، وَهُوَ يَقُول لَك كَذَا وَكَذَا.

قَالَ: فَصعِقَ، حَتَّى قلت قد تلف، ثمَّ أَفَاق، فَأقبل يَدْعُو لجَعْفَر، ويشكرني.

وَكنت قد ركبت فلحقت بالوزير، وأعلمته، فَحَمدَ الله ﷿ على مَا وهبه لَهُ، وَعَاد إِلَى دَاره وَأَنا مَعَه.

فَلَمَّا كَانَ وَقت الْعشَاء، جِئْنَا إِلَى الرشيد، فَأقبل يسْأَل جَعْفَر خَبره فِي يَوْمه، وَهُوَ يُخبرهُ، إِلَى أَن قصّ عَلَيْهِ حَدِيث الْفَتى وَالْجَارِيَة.

فَقَالَ لَهُ الرشيد: فَمَا عملت مَعَه؟ فَأخْبرهُ.

فاستصوب رَأْيه، وَقَالَ: وقّع لَهُ برزق سلطاني فِي رسم أَرْبَاب النعم، فِي كل شهر كَذَا وَكَذَا، واعمل بِهِ بعد ذَلِك مَا شِئْت.

فَلَمَّا كَانَ من الْغَد، جَاءَنَا الْفَتى رَاكِبًا بِثِيَاب حَسَنَة، وهيأة جميلَة، فَإِذا

بِهِ من أحلى النَّاس كلَاما، وأتمهم أدبًا.

فَحَملته إِلَى جَعْفَر، وأوصلته إِلَى مَجْلِسه، فَأمر بتسهيل وُصُوله إِلَيْهِ، وخلطه بحاشيته، وَوَقع لَهُ عَن الْخَلِيفَة بِمَا رسم لَهُ، وَعَن نَفسه بِشَيْء آخر.

وشاع حَدِيثه فِي الْبَصْرَة، وَفِي أهل الْعَسْكَر، فَلم يبْق فيهم متغزل، وَلَا متظرف، إِلَّا أهْدى لَهُ شَيْئا جَلِيلًا، فَمَا خرجنَا من الْبَصْرَة إِلَّا وَهُوَ رب نعْمَة صَالِحَة.

وَوجدت هَذَا الْخَبَر، على خلاف هَذَا، مَا ذكره أَبُو عَليّ مُحَمَّد بن الْحسن بن جُمْهُور الْعمي الْبَصْرِيّ الْكَاتِب، فِي كتاب (السمار والندامى): أَن الرشيد لما حج وَمَعَهُ إِبْرَاهِيم الْموصِلِي،... فَأخْبرنَا بالْخبر على قريب مَا روينَاهُ وَذَكَرْنَاهُ، وَأَن الْجَارِيَة بدأت وغنت بِصَوْت من صناعَة إِبْرَاهِيم، وَهُوَ:

نمّت عليّ الزفرة الصاعدةوملّني الْعَائِد والعائدة
يَا ربّ كم فرّجت من كربَةعنّي فهذي المرّة الْوَاحِدَة

وَأَن الَّذِي حضر لتقليب الْجَارِيَة، الرشيد وجعفر بن يحيى متنكرين، ومعهما إِبْرَاهِيم الْموصِلِي والنخاس، وَأَنَّهُمْ انصرفوا، وَقَطعُوا الثّمن بِمِائَة ألف دِرْهَم،

ثمَّ عَادوا وَالْمَال مَعَهم، فَأمروا بِإِعَادَة التقليب، فَخرجت الْجَارِيَة، فغنت بِصَوْت، الْغناء فِيهِ لإِبْرَاهِيم، وَهُوَ:

وَمن عَادَة الدُّنْيَا بأنّ صروفهاإِذا سرّ مِنْهَا جَانب سَاءَ جَانب
وَمَا أعرف الأيّام إِلَّا ذميمةوَلَا الدَّهْر إِلَّا وَهُوَ للثأر طَالب

ثمَّ ذكر بَقِيَّة الحَدِيث على قريب من هَذَا، وَفِي الْخَبَر الأول زيادات، لَيست فِي خبر ابْن جُمْهُور.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب الثَّالِث عشر

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.