تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

من مَكَارِم المقتدر

حَدثنِي أَبُو الْعَلَاء صاعد بن ثَابت بن إِبْرَاهِيم بن عَليّ بن خداهي النَّصْرَانِي الْكَاتِب، الَّذِي كَانَ خَليفَة الوزراء، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْحُسَيْن بن مَيْمُون الْأَفْطَس، الَّذِي كَانَ وَزِير المتقي، وَلما

دخل أَبُو عبد الله البريدي بَغْدَاد، مُتَقَلِّدًا الوزارة الثَّانِيَة للمتقي، قبض عَلَيْهِ وأحدره لِلْبَصْرَةِ.

فَلَمَّا وردهَا البريدي مُنْهَزِمًا، أطلقهُ، وَأحسن إِلَيْهِ، وَأَمرَنِي بإنزاله بِالْقربِ مني، وإيناسه بملازمتي، وأفتقاده بالدعوات، فَفعلت، فَكُنَّا متلازمين لَا نكاد نفترق.

وَوَجَدته أحلى النَّاس حَدِيثا، وَأَحْسَنهمْ أدبًا، وأعمهم فضلا، وَلم أر قطّ أَشد تغزلًا، وَلَا تهالكًا فِي الْعِشْق مِنْهُ.

فَحَدثني يَوْمًا، قَالَ: عشقت مغنية فِي القيان عشقًا شَدِيدا، فراسلت مولاتها فِي بيعهَا، فاستامت فِيهَا ثَلَاثَة آلَاف دِينَار.

وَكنت أعرف من نَفسِي الْملَل، فَخَشِيت أَن أشتريها فأملها، فدافعت بذلك، وَمَضَت أَيَّام، وَكَانَت هِيَ تَأتي إِلَى عِنْدِي، وَكَانَ يمْضِي لي مَعهَا أطيب عَيْش.

فَانْصَرَفت من عِنْدِي يَوْمًا، وَكَانَ المقتدر بِاللَّه أَمر أَن تشترى لَهُ مغنيات، وَأَنا لَا أعلم، وَكَانَت الْجَارِيَة حَسَنَة الْوَجْه جَيِّدَة الْغناء، فَحملت إِلَى المقتدر فِي جملَة جوَار، فَأمر بشرائهن كُلهنَّ، فاشتريت فِي جملتهن.

وأنفذت من غَد أستدعيها من سيدتها، فَأخْبرت بالْخبر، فَقَامَتْ عَليّ الْقِيَامَة، وَدخل إِلَى قلبِي من الْأَلَم، والاحتراق، والقلق، أَمر مَا دخل مثله قطّ فِي قلبِي، فضلا عَن عشق.

وَزَاد الْأَمر عَليّ، حَتَّى انْتهى بِي إِلَى حد الوسواس، فامتنعت عَن النّظر فِي أَمر دَاري، وتشاغلت بالبكاء، وَلم يكن لي سَبِيل إِلَى العزاء.

وَكنت أكتب، حِينَئِذٍ، لأم المتقي لله، وَهُوَ حدث، فتأخرت عَنْهُم أَيَّامًا، وأخللت بأمرهما، وَأَنا متوفر تِلْكَ الْأَيَّام على الطّواف فِي الصَّحَارِي، لَا آكل، وَلَا أشْرب، وَلَا أتشاغل بِأَكْثَرَ من الْبكاء والهيمان.

فَأنْكر المتقي وَأمه تأخري، فاستدعاني المتقي، وخاطبني فِي شَيْء من أمره، فوجدني لَا أَعقل وَلَا أحصل مَا يَقُوله، وَلَا أفهمهُ.

فَسَأَلَنِي عَن سَبَب اختلالي، فصدقته، وبكيت بَين يَدَيْهِ، وَسَأَلته أَن يسْأَل أَبَاهُ بيع الْجَارِيَة عَليّ، أَو هبتها لي.

فَقَالَ: مَا أجسر على هَذَا.

قَالَ: وَزَاد عَليّ الْأَمر، وَبَطلَت.

وَبلغ أم المتقي الْخَبَر، فراسلتها أسألها مِثْلَمَا سَأَلت أبنها، فرثت لي، وحملت نَفسهَا على أَن خاطبت السيدة أم المقتدر فِي أَمْرِي.

فَقَالَت لَهَا أم المقتدر: مَا الْعجب من الرجل، فَإِن الَّذِي فِي قلبه من الْعِشْق قد أعماه عَن الرَّأْي بل الْعجب مِنْك، كَيفَ وَقع لَك أَنه يجوز أَن يَقُول أحد للخليفة: انْزِلْ عَن جاريتك لرجل يعشقها.

فراسلتني أم المتقي بِمَا جرى، فَزَاد مَا بِي من القلق.

وَكنت لَا ألْقى أحدا من الرؤساء فِي الدولة، كالوزير، وحاشية الْخَلِيفَة، إِلَّا وأقصدهم، وأبكي بَين أَيْديهم، وأحدثهم حَدِيثي، وأسألهم مَسْأَلَة الْخَلِيفَة فِي تَسْلِيم الْجَارِيَة إِلَيّ، إِمَّا بِبيع، أَو هبة.

فَمنهمْ من يُنكر عَليّ ويوبخني، وَمِنْهُم من يرثي لي ويعذرني، وَمِنْهُم من يُشِير عَليّ بالإمساك، وَمِنْهُم من يَقُول: إِذا علم الْخَلِيفَة هَذَا، وَأَنَّك تتعرض لحرمه، كَانَ فِي هَذَا إِتْلَاف نَفسك، وَأَنا ملازم أَبْوَابهم، وَتركت خدمَة صَاحِبي.

إِلَى أَن طَال عَليّ الْأَمر وعَلى المتقي وَأمه، لعدم ملازمتي الْبَاب وَوضعت

من محلي، وَبَطل أَمر دَاري وضيعتي، وَأُمُور صَاحِبي.

إِلَى أَن طَال هَذَا على المتقي وَأمه، فطلبا كَاتبا يصرفاني بِهِ.

وَبَلغنِي الْخَبَر، وَقد كنت أَيِست من الْجَارِيَة، فعذلت نَفسِي، وَقلت: لَيْسَ بعد هَذَا الصّرْف إِلَّا الْفقر والنكبة، وَذَهَاب الْخَيْر وَالنَّفس، وَلَو كنت اشْتريت هَذِه الْجَارِيَة، لَكُنْت الْآن قد مللتها، فَلم أفقر نَفسِي، وَلم أقطع تصرفي؟ وَأَقْبَلت أعظ نَفسِي، وأسليها لَيْلَتي كلهَا، إِلَى أَن طاوعتني على الصَّبْر.

وباكرت دَار المتقي، وبدأت فِي النّظر فِي أُمُوره، وَرَأَوا مني خلاف مَا تقدم، فسروا بذلك، وَقَالُوا: أَنْت أحب إِلَيْنَا من الْغَرِيب نستأنفه، فضمنت لَهُم الْمُلَازمَة وتمشية الْأُمُور.

فأقمت على ذَلِك مُدَّة، ثمَّ اشْتقت إِلَى الشّرْب، وَقد كنت فقدته وهجرته مُنْذُ فقدت الْجَارِيَة إِلَى ذَلِك الْيَوْم.

فَقلت للغلام: قُم، امْضِ، وَأصْلح لنا مَجْلِسا للشُّرْب، وادع أَصْحَابنَا أَعنِي أصدقائي الَّذين يعاشرونني، للرواح إِلَيّ، وَلَا تدع غناء، فَلَمَّا انْقَضى شغلي عدت إِلَى دَاري، وَاجْتمعَ أصدقائي، فصوبوا رَأْيِي، وَجَلَسْنَا نشرب، ونتحدث، وَنَلْعَب بالشطرنج.

فَقَالُوا: لَو دَعَوْت لنا مغنيًا.

فَقلت: أَخَاف أَن أذكر بِهِ أَمْرِي مَعَ الْجَارِيَة.

فجلسوا عِنْدِي إِلَى أَن صليت الْعشَاء الْآخِرَة، وَانْصَرفُوا، وَجَلَست وحدي أشْرب الْقدح بعد الْقدح إِلَى أَن مَضَت قِطْعَة من اللَّيْل، وَإِذا أَنا ببابي يدق دقًا عنيفًا.

فَقَالَ بوابي: من هَذَا؟ قَالُوا: خدم من دَار الْخَلِيفَة أَمِير الْمُؤمنِينَ.

فَقُمْت، وَلم أَشك أَن حَدِيثي قد اتَّصل بِهِ فَأنكرهُ، وَقَالَ: مثل هَذَا لَا يصلح أَن يكون كَاتبا لحُرْمَة، وَلَا مُدبرا أَمر غُلَام حدث، وَقد أَمر بِالْقَبْضِ عَليّ.

فَقُمْت أَمْشِي لأخرج من بَاب آخر كَانَ لي، وأستتر، فَإِذا الخدم قد دخلُوا، وَمَعَهُمْ بغلة عَلَيْهَا عمارية، وشموع، وَإِذا قد أنزلوا من العمارية جاريتين، إِحْدَاهمَا عشيقتي، فبهت.

فَقَالَ لي أحد الخدم، وَهُوَ كالرئيس عَلَيْهِم: مَوْلَانَا أَمِير الْمُؤمنِينَ يُقْرِئك السَّلَام، وَيَقُول: عرفت خبرك مَعَ الْجَارِيَة فِي هَذِه السَّاعَة، فرحمتك، وَقد وهبتها لَك مَعَ جَمِيع مَالهَا، وَتركهَا الْخَادِم وَمضى.

وَدخلت مَعهَا عدَّة أحمال عَلَيْهَا الأثقال من صنوف الثِّيَاب، والفرش، والآلات، والقماش، وعدة جوَار، وَتركُوا ذَلِك عِنْدِي، وَانْصَرفُوا.

فَأخذت بيد معشوقتي، وأدخلتها الْمجْلس، فَلَمَّا رَأَتْ الشَّرَاب والمجلس معبأ، قَالَت: سلوت عني، وشربت بعدِي.

فَحَلَفت لَهَا أَنِّي مَا شربت نبيذًا مُنْذُ فارقتها إِلَّا فِي هَذَا الْيَوْم، وحدثتها حَدِيثي بِطُولِهِ.

وَقلت لَهَا: مَا السَّبَب فِي مجيئك؟ وَمَا جرى؟ فَقَالَ: اعْلَم أَن الْخَلِيفَة لم يرني، مُنْذُ اعترضني وَأمر بشرائي، إِلَّا اللَّيْلَة، وَكَانَ قد اتَّصل مزح السيدة معي، فَإِنَّهَا كَانَت استدعتني مُنْذُ مُدَّة، وَسَأَلتنِي عَن خبري مَعَك، فَأَخْبَرتهَا.

ثمَّ قَالَت: هَل تحبينه؟

فَقلت: نعم، حبا شَدِيدا.

فتعجبت من ذَلِك، وَقَالَت: ثقلنا عَلَيْك وعَلى محبوبك، وَلَكِن يكون الْخَيْر إِن شَاءَ الله تَعَالَى، ووعدتني الْجَمِيل التَّام، والوعد الْحسن.

فَلَمَّا كَانَ هَذِه اللَّيْلَة، قعد الْخَلِيفَة يشرب مَعَ الْجَوَارِي والسيدة حَاضِرَة، فاستدعيت، وغنيت.

فَقَالَ لي الْخَلِيفَة: إِن كنت تحسنين الصَّوْت الْفُلَانِيّ، فغنيه، وَكَانَ صَوْتك عَليّ، فغنيته، وتمثلت لي صُورَتك، وَذكرت شربي مَعَك، فَلم أملك دموعي، حَتَّى جرت.

فَقَالَ المقتدر: مَا هَذَا؟ فتحيرت، وَجَزِعت، وَنظرت إِلَى السيدة، فَضَحكت، وَضحك الْجَوَارِي.

فَقَالَ المقتدر: مَا الْقِصَّة؟ فدافعته السيدة.

فَقَالَ: بحياتي أصدقيني.

فَقَالَت: على أَن لَا تؤذي الْجَارِيَة، وَلَا غَيرهَا.

فَقَالَ: نعم، وحياتك.

فَحَدَّثته الحَدِيث، فَلَمَّا اسْتَوْفَاهُ، قَالَ لي: يَا جَارِيَة، الْأَمر هَكَذَا؟ إِنَّمَا بَكَيْت من عشق ابْن مَيْمُون؟ فَسكت.

فَقَالَ: إِن صدقتني وَهبتك لَهُ.

فَقلت: نعم.

فَأقبل على أمه، فَقَالَ: مَا هُوَ بِكَثِير إِن وهبتها لخادم لنا.

فَقَالَت: قد، وَالله، أردْت أَن أَسأَلك هَذَا، وَلَكِن إِن تفضلت بِهِ ابْتِدَاء مِنْك، كَانَ أحسن.

فَقَالَ لبَعض الخدم: خُذ هَذِه الْجَارِيَة، وَجَمِيع مَا كَانَ سلم إِلَيْهَا فِي حُجْرَتهَا من جوَار، وقماش، واحمله إِلَى دَار ابْن مَيْمُون، كَاتب ابْني إِبْرَاهِيم،

وَأقرهُ سلامي، وعرفه أَنِّي قد وهبت ذَلِك كُله لَهُ.

فَلَمَّا قُمْت، تصايحوا: قد جَاءَ فرجك، وَبَلغت مناك، فَقُمْت إِلَى حُجْرَتي، وجمعت مَا ترى، وَحَمَلته إِلَيْك.

قَالَ: فَشَكَرت الله ﷿ على ذَلِك، وَجَلَست مَعهَا، وَمَا شيل مَا فِي مجلسي، حَتَّى اجْتَمَعنَا، وَجَلَست مَعهَا فِيهِ، وغنت.

وبكرت من غَد نشيطًا، مَسْرُورا، أشكر السيدة، وَأم المتقي، وأدعو لَهما، وأقامت الْجَارِيَة عِنْدِي، إِلَى أَن مَاتَت.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب الثَّالِث عشر

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.