من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
الأشتر وجيداء
أَخْبرنِي أَبُو الْفرج عَليّ بن الْحُسَيْن الْمَعْرُوف بالأصبهاني، قَالَ: حَدثنِي جَعْفَر بن قدامَة، قَالَ: حَدثنِي أَبُو العيناء، قَالَ: كنت أجالس مُحَمَّد بن صَالح بن عبد الله بن مُوسَى بن عبد الله بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب سَلام الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ، وَكَانَ قد حمل إِلَى المتَوَكل أَسِيرًا، فحبسه مُدَّة، ثمَّ أطلقهُ المتَوَكل، وَكَانَ أَعْرَابِيًا فصيحًا، فَحَدثني يَوْمًا قَالَ: حَدثنِي نمير بن مخلف الْهِلَالِي، وَكَانَ حسن الْوَجْه جدا، قَالَ: كَانَ منا فَتى يُقَال لَهُ بشر بن عبد الله، وَيعرف بالأشتر، وَكَانَ يهوى جَارِيَة من قومه، يُقَال لَهَا: جيداء، وَكَانَت ذَات زوج.
وشاع خَبره فِي حبها، فَمنع مِنْهَا، وضيق عَلَيْهِ، حَتَّى لم يقدر أَن يلم بهَا.
فَجَاءَنِي ذَات يَوْم، وَقَالَ: يَا أخي، قد بلغ مني الوجد، وضاق عَليّ سَبِيل الصَّبْر، فَهَل تساعدني على زيارتها؟ قلت: نعم فركبت، وسرنا، حَتَّى نزلنَا قَرِيبا من حيها، فكمن فِي مَوضِع.
فَقَالَ لي: اذْهَبْ إِلَى الْقَوْم فَكُن ضيفًا لَهُم، وَلَا تذكر شَيْئا من أمرنَا،
حَتَّى ترى راعية لجيداء صفتهَا كَذَا وَكَذَا، فأعلمها خبري، وواعدها بوعد.
فمضيت وَفعلت مَا أَمرنِي بِهِ، وَلَقِيت الراعية فخاطبتها، فمضت إِلَى جيداء، وعادت إِلَيّ، فَقَالَت: قل لَهُ: موعدك اللَّيْلَة عِنْد الشجيرات.
فَلَمَّا كَانَ الْوَقْت الَّذِي وعدتنا فِيهِ، إِذا بجيداء قد أَقبلت، فَوَثَبَ الأشتر إِلَيْهَا، فَقبل بَين عينيها.
فَقُمْت موليا عَنْهُمَا، فَقَالَا: نقسم عَلَيْك إِلَّا مَا رجعت، فوَاللَّه، مَا بَيْننَا مَا نستره عَنْك، فَرَجَعت، وَجَلَسْنَا نتحدث.
فَقَالَ لَهَا: يَا جيداء، أما فِيك حِيلَة لنتعلل اللَّيْلَة؟ فَقَالَت: لَا وَالله، إِلَّا أَن نعود إِلَى مَا تعرف من الْبلَاء والشدة.
فَقَالَ: مَا من ذَلِك بُد، وَلَو وَقعت السَّمَاء على الأَرْض.
فَقَالَت: هَل فِي صَاحبك هَذَا من خير؟ فَقلت: إِي وَالله.
فخلعت ثِيَابهَا، ودفعتها إِلَيّ، وَقَالَت: البسها، وَأَعْطِنِي ثِيَابك، فَفعلت.
فَقَالَت: اذْهَبْ إِلَى بَيْتِي، فَإِن زَوجي سيأتيك بعد الْعَتَمَة، وَيطْلب مِنْك الْقدح ليحلب فِيهِ الْإِبِل، فَلَا تَدْفَعهُ إِلَيْهِ من يدك، فَهَذَا فعلي بِهِ، ودعه بَين يَدَيْهِ، فَإِنَّهُ سيذهب ويحلب، ثمَّ يَأْتِيك بِهِ ملآن لَبَنًا، وَيَقُول: هاك غبوقك، فَلَا تَأْخُذهُ مِنْهُ، حَتَّى تطيل نكدك عَلَيْهِ، ثمَّ خُذْهُ، أَو دَعه حَتَّى يَضَعهُ هُوَ، ثمَّ لست ترَاهُ حَتَّى تصبح.
قَالَ: فَذَهَبت، وَفعلت مَا أَمرتنِي بِهِ، وَجَاءَنِي بالقدح، فَلم آخذه مِنْهُ،
وأطلت عَلَيْهِ النكد، ثمَّ أهويت لآخذه، وأهوى ليضعه، فاختلفت أَيْدِينَا، فانكفأ الْقدح.
فَقَالَ: إِن هَذَا لطماح مفرط، وَضرب بِيَدِهِ إِلَى سَوْطه، ثمَّ تناولني بِهِ، وَضرب ظَهْري، فَجَاءَت أمه، وَأُخْته، فانتزعوني من يَده، بعد أَن زَالَ عَقْلِي، وهممت أَن أجأه بالسكين.
فَلَمَّا خَرجُوا من عِنْدِي، لم ألبث إِلَّا يَسِيرا، حَتَّى دخلت أم جيداء، تؤنبني، وتكلمني، فلزمت الصمت والبكاء.
فَقَالَت: يَا بنية، اتقِي الله، وأطيعي بعلك، وَأما الأشتر فَلَا سَبِيل لَك إِلَيْهِ، وَهَا أَنا أبْعث إِلَيْك بأختك لتؤنسك، وَمَضَت.
ثمَّ بعثت إِلَيّ بالجارية، فَجعلت تكلمني، وَتَدْعُو على من ضَرَبَنِي، وَأَنا سَاكِت، ثمَّ اضطجعت إِلَى جَانِبي.
فشددت يَدي على فمها، وَقلت: يَا جَارِيَة، إِن أختك مَعَ الأشتر، وَقد قطع ظَهْري بِسَبَبِهَا، وَأَنت أولى بسترها مني، وَإِن تَكَلَّمت بِكَلِمَة فضحتها، وَأَنا لست أُبَالِي.
فاهتزت مثل الْقَضِيب فَزعًا، فطمنتها، وطيبت قَلبهَا، فَضَحكت، وَبَات معي مِنْهَا أظرف النَّاس، وَلم نزل نتحدث حَتَّى برق الصُّبْح، فَخرجت، وَجئْت إِلَى صَاحِبي.
فَقَالَت جيداء: مَا الْخَبَر؟ فَقلت: سَلِي أختك عَن الْخَبَر، فلعمري إِنَّهَا عَالِمَة بِهِ، وَدفعت إِلَيْهَا ثِيَابهَا،
وأريتها ظَهْري، فَجَزِعت، وبكت، وَمَضَت مسرعة، وَجعل الأشتر يبكي، وَأَنا أحدثه بقصتي، وارتحلنا.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع