تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

إِسْحَاق الْموصِلِي يتطفل ويقترح

حَدثنِي أَبُو الْفرج الْمَعْرُوف بالأصبهاني رَحمَه الله تَعَالَى، إملاء من حفظه، وكتبته عَنهُ فِي أصُول سماعاتي مِنْهُ، وَلم يحضرني كتابي، فأنقله مِنْهُ، فأثبته من حفظي، وتوخيت أَلْفَاظه بجهدي، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن مزِيد بن أبي الْأَزْهَر، قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي، قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: غَدَوْت يَوْمًا، وَأَنا ضجر من مُلَازمَة دَار الْخلَافَة، والخدمة فِيهَا، فركبت بكرَة، وعزمت على أَن أَطُوف الصَّحرَاء، وأتفرج بهَا.

فَقلت لغلماني: إِن جَاءَ رَسُول الْخَلِيفَة، فعرفوه أَنِّي بكرت فِي مُهِمّ لي، وأنكم لَا تعرفُون أَيْن تَوَجَّهت.

ومضيت، وطفت مَا بدا لي، ثمَّ عدت وَقد حمي النَّهَار، فوقفت فِي شَارِع المخرم، فِي الظل، عِنْد جنَاح رحب فِي الطَّرِيق، لأستريح.

فَلم ألبث أَن جَاءَ خَادِم يَقُود حمارا فارهًا، عَلَيْهِ جَارِيَة راكبة، تحتهَا منديل دبيقي، وَعَلَيْهَا من اللبَاس الفاخر مَا لَا غَايَة وَرَاءه، وَرَأَيْت لَهَا قوامًا حسنا، وطرفًا فاتنًا، وشمائل ظريفة، فحدست أَنَّهَا مغنية.

فَدخلت الدَّار الَّتِي كنت وَاقِفًا عَلَيْهَا، وعلقها قلبِي فِي الْوَقْت علوقًا شَدِيدا، لم أستطع مَعَه البراح.

فَلم ألبث إِلَّا يَسِيرا، حَتَّى أقبل رجلَانِ شابان جميلان، لَهما هيأة تدل على قدرهما، راكبان، فَاسْتَأْذَنا، فَأذن لَهما، فَحَمَلَنِي حب الْجَارِيَة على أَن نزلت

مَعَهُمَا، وَدخلت بدخولهما، فظنا أَن صَاحب الدَّار دَعَاني، وَظن صَاحب الدَّار أَنِّي مَعَهُمَا.

فَجَلَسْنَا، فَأتي بِالطَّعَامِ فأكلنا، وبالشراب فَوضع، وَخرجت الْجَارِيَة، وَفِي يَدهَا عود، فرأيتها حسناء، وَتمكن مَا فِي قلبِي مِنْهَا، وغنت غناء صَالحا، وشربنا.

وَقمت قومة للبول، فَسَأَلَ صَاحب الْمنزل من الفتيين عني، فَأَخْبَرَاهُ أَنَّهُمَا لَا يعرفاني، فَقَالَ: هَذَا طفيلي، وَلكنه ظريف، فأجملوا عشرته.

وَجئْت، فَجَلَست، وغنت الْجَارِيَة فِي لحن لي:

ذكرتك إِذْ مرّت بِنَا أمّ شادنأَمَام المطايا تستريب وتطمح
من المولعات الرمل أدماء حرّةشُعَاع الضُّحَى فِي متنها يتوضّح

فأدته أَدَاء صَالحا، ثمَّ غنت أصواتًا فِيهَا من صنعتي:

الطلول الدوارسفارقتها الأوانس
أوحشت بعد أَهلهَافَهِيَ قفر بسابس

فَكَانَ أَثَرهَا فِيهِ أصلح من الأول، ثمَّ غنت أصواتًا من الْقَدِيم والمحدث، وغنت فِي أضعافها من صنعتي، فِي شعري:

قل لمن صدّ عاتباونأى عَنْك جانبا
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة
قد بلغت الَّذِي أردْتوَإِن كنت لاعبا
واعترفنا بِمَا أدّعيتوَإِن كنت كَاذِبًا

فَكَانَ أصلح مَا غنته، فاستعدته مِنْهَا لأصححه لَهَا، فَأقبل عَليّ رجل مِنْهُم، فَقَالَ: مَا رَأَيْت طفيليًا أصفق مِنْك وَجها، لم ترض بالتطفيل حَتَّى اقترحت، وَهَذَا تَصْدِيق للمثل: طفيلي ويقترح، فأطرقت، وَلم أجبه، وَجعل صَاحبه يكفه عني، فَلَا يكف.

ثمَّ قَامُوا إِلَى الصَّلَاة، وتأخرت، فَأخذت الْعود وشددت طبقته، وأصلحته إصلاحًا محكمًا، وعدت إِلَى موضعي، فَصليت، وعادوا، وَأخذ الرجل فِي عربدته عَليّ، وَأَنا صَامت.

وَأخذت الْجَارِيَة الْعود، وجسته، فأنكرت حَاله، وَقَالَت: من مس عودي؟ فَقَالُوا: مَا مَسّه أحد.

قَالَت: بلَى، وَالله، قد مَسّه حاذق مُتَقَدم، وَشد طبقته، وَأَصْلحهُ إصْلَاح مُتَمَكن من صَنعته.

فَقلت لَهَا: أَنا أصلحته.

قَالَت: بِاللَّه عَلَيْك، خُذْهُ، فَاضْرب بِهِ.

فَأَخَذته، وَضربت بِهِ مبدأ عجيبًا، فِيهِ نقرات محركة، فَمَا بَقِي فِي الْمجْلس أحد إِلَّا وثب فَجَلَسَ بَين يَدي.

وَقَالُوا: بِاللَّه عَلَيْك يَا سيدنَا، أتغني؟ قلت: نعم، وأعرفكم نَفسِي أَيْضا، أَنا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي، وَإِنِّي، وَالله، لأتيه على الْخَلِيفَة، وَأَنْتُم تشتموني الْيَوْم، لِأَنِّي تملحت مَعكُمْ بِسَبَب

هَذِه الْجَارِيَة، وَوَاللَّه، لَا نطقت بِحرف، وَلَا جَلَست مَعكُمْ، أَو تخْرجُوا هَذَا المعاند.

ونهضت لأخرج، فتعلقوا بِي، فَلم أرجع، فلحقتني الْجَارِيَة، فتعلقت بِي، فلنت، وَقلت: لَا أَجْلِس، حَتَّى تخْرجُوا هَذَا البغيض.

فَقَالَ لَهُ صَاحبه: من هَذَا كنت أَخَاف عَلَيْك، فَأخذ يعْتَذر.

فَقلت: أَجْلِس، وَلَكِنِّي، وَالله، لَا أنطق بِحرف وَهُوَ حَاضر، فَأخذُوا بِيَدِهِ، فأخرجوه.

فَبَدَأت أُغني الْأَصْوَات الَّتِي غنتها الْجَارِيَة من صنعتي، فطرب صَاحب الْبَيْت طَربا شَدِيدا، وَقَالَ: هَل لَك فِي أَمر أعرضه عَلَيْك؟ فَقلت: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: تقيم عِنْدِي شهرا، وَالْجَارِيَة لَك بِمَا لَهَا من كسْوَة.

فَقلت: أفعل.

فأقمت عِنْده ثَلَاثِينَ يَوْمًا، لَا يعرف أحد أَيْن أَنا، والمأمون يطلبني فِي كل مَوضِع، فَلَا يعرف لي خَبرا.

فَلَمَّا كَانَ بعد ذَلِك، سلم إِلَيّ الْجَارِيَة وَالْخَادِم، وَجئْت بهَا إِلَى منزلي، وَكَانَ أهل منزلي فِي أقبح صُورَة لتأخري عَنْهُم.

وَركبت إِلَى الْمَأْمُون من وقتي، فَلَمَّا رَآنِي، قَالَ لي: يَا إِسْحَاق، وَيحك، أَيْن كنت؟ فَأَخْبَرته بخبري.

فَقَالَ: عَليّ بِالرجلِ السَّاعَة، فدللتهم على بَيته، فأحضر، فَسَأَلَهُ الْمَأْمُون عَن الْقِصَّة، فَأخْبرهُ بهَا.

فَقَالَ: أَنْت ذُو مُرُوءَة، وسبيلك أَن تعان عَلَيْهَا، فَأمر لَهُ بِمِائَة ألف دِرْهَم.

وَقَالَ: لَا تعاشر ذَلِك المعربد السّفل.

فَقَالَ: معَاذ الله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ.

وَأمر لي بِخَمْسِينَ ألف دِرْهَم، وَقَالَ لي: أحضر الْجَارِيَة، فأحضرته إِيَّاهَا، فغنته.

فَقَالَ لي: قد جعلت لَهَا نوبَة كل يَوْم ثلاثاء، تغنيني من وَرَاء الستارة، مَعَ الْجَوَارِي، وَأمر لَهَا بِخَمْسِينَ ألف دِرْهَم.

فربحت، وَالله، بِتِلْكَ الرّكْبَة، وأربحت.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب الثَّالِث عشر

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.