تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

عمر بن أبي ربيعَة والجعد بن مهجع العذري

وحَدثني أَبُو الْفرج الْقرشِي، الْمَعْرُوف بالأصبهاني، قَالَ: نسخت من كتاب مُحَمَّد بن مُوسَى بن حَمَّاد، قَالَ: ذكر الرياشي قَالَ: قَالَ حَمَّاد الراوية: أتيت فِي مَكَّة، إِلَى حَلقَة فِيهَا عمر بن أبي ربيعَة المَخْزُومِي، فتذاكرنا العذريين، وَقَالَ عمر بن أبي ربيعَة: كَانَ لي صديق من بني عذرة يُقَال لَهُ: الْجَعْد بن مهجع، وَكَانَ أحد بني سلامان، وَكَانَ يلقى من الصبابة، مثل الَّذِي أَلْقَاهُ بِالنسَاء، على أَنه كَانَ لَا عاهر الْخلْوَة، وَلَا سريع السلوة.

وَكَانَ يوافي الْمَوْسِم فِي كل سنة، فَإِذا غَابَ عَن وقته، ترجحت عَنهُ الْأَخْبَار، وتوكفت لَهُ الْأَسْفَار، حَتَّى يقدم.

فغمني ذَات سنة إبطاؤه، حَتَّى قدم حَاج عذرة، فَأتيت الْقَوْم أنْشد صَاحِبي، فَإِذا غُلَام قد تنفس الصعداء، وَقَالَ: عَن أبي المسهر تسْأَل؟ قلت: نعم، وإياه أردْت.

فَقَالَ: هَيْهَات، هَيْهَات، أصبح، وَالله، أَبُو المسهر، لَا ميئوس مِنْهُ فيهمل، وَلَا مرجو فيعلل، أصبح، وَالله، كَمَا قَالَ الْقَائِل:

لعمري مَا حبّي لأسماء تاركيأعيش وَلَا أَقْْضِي بِهِ فأموت

فَقلت: مَا الَّذِي بِهِ؟ فَقَالَ: مثل الَّذِي بك، من تهتككما فِي الضلال، وجركما أذيال الخسار، كأنكما لم تسمعا بجنة وَلَا نَار.

فَقلت: وَمن أَنْت مِنْهُ، يَابْنَ أخي؟ قَالَ: أَخُوهُ.

فَقلت لَهُ: يَابْنَ أخي، مَا مَنعك أَن تسلك مسلكه من الْأَدَب، وَأَن تركب مِنْهُ مركبه إِلَّا أَنَّك وإياه كالبجاد وَالْبرد، لَا ترقعه وَلَا يرقعك.

ثمَّ صرفت وَجه نَاقَتي، وَأَنا أَقُول:

أرائحة حجّاج عذرة وجهةولمّا يرح فِي الْقَوْم جعد بن مهجع
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أرائحة حجاج عذرة وجهة»
خليلان نشكو مَا نلاقي من الْهوىمَتى مَا يقل أسمع وَإِن قلت يسمع
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أرائحة حجاج عذرة وجهة»
أَلا لَيْت شعري أيّ شَيْء أَصَابَهُفلي زفرات هجن مَا بَين أضلعي
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أرائحة حجاج عذرة وجهة»
فَلَا يبعدنك الله خلًّا فإنّنيسألقى كَمَا لاقيت فِي الحبّ مصرعي
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أرائحة حجاج عذرة وجهة»

ثمَّ انْطَلَقت حَتَّى وقفت موقفا من عَرَفَات، فَبينا أَنا كَذَلِك، وَإِذا بِإِنْسَان قد تغير لَونه، وَسَاءَتْ هيأته، فأدنى نَاقَته من نَاقَتي، ثمَّ خَالف بَين أعناقهما، وعانقني وَبكى، حَتَّى اشْتَدَّ بكاؤه.

فَقلت: مَا وَرَاءَك؟ فَقَالَ: برح العذل، وَطول المطل، ثمَّ أنشأ يَقُول:

لَئِن كَانَت عديّة ذَات لبّلقد علمت بِأَن الحبّ دَاء
ألم تنظر إِلَى تَغْيِير جسميوأنّي لَا يفارقني الْبكاء
وأنّي لَو تكلّفني سواهَالخفّ الْكَلم وانكشف الغطاء
وأنّ معاشري وَرِجَال قومِيحتوفهم الصبابة والّلقاء
إِذا العذريّ مَاتَ خليّ ذرعٍفَذَاك العَبْد يبكيه الرشاء

فَقلت: يَا أَبَا المسهر، إِنَّهَا سَاعَة تضرب إِلَيْهَا أكباد الْإِبِل من شَرق الأَرْض وغربها، فَلَو دَعَوْت الله تَعَالَى، كنت مؤملًا لَك أَن تظفر بحاجتك.

قَالَ: فتركني، وَأَقْبل على الدُّعَاء، فَلَمَّا تدلت الشَّمْس للغروب، وهم النَّاس أَن يفيضوا، سمعته يتَكَلَّم بِشَيْء، فأصغيت إِلَيْهِ، فَإِذا هُوَ يَقُول:

يَا ربّ كلّ غدْوَة وروحةمن محرمٍ يشكو الضنا ولوحه

أَنْت حسيب الْخطب يَوْم الدوحة فَقلت: وَمَا يَوْم الدوحة؟ فَقَالَ: وَالله لأخبرنك وَلَو لم تَسْأَلنِي، ثمَّ أقبل عَليّ، وَقَالَ: أَنا رجل ذُو مَال من نعم وَشاء، وَذُو المَال لَا يصدره القل، وَلَا يرويهِ الثماد.

وَأَنِّي خشيت عَام أول على مَالِي التّلف، وقطر الْغَيْث أَرض كلب، فانتجعت أخوالًا لي مِنْهُم، فأوسعوا لي عَن صدر الْمجْلس، وسقوني جمة المَاء، وَكنت مَعَهم فِي خير أخوال.

ثمَّ إِنِّي عزمت على مرافقة إبلي بِمَاء لَهُم، فركبت فرسي، وسمطت خَلْفي شرابًا كَانَ أهداه إِلَيّ بَعضهم، ثمَّ مضيت.

حَتَّى إِذا كنت قَرِيبا من الْحَيّ ومرعى الْغنم، رفعت لي دوحة عَظِيمَة، فَنزلت عَن فرسي، وشددته بِبَعْض أَغْصَانهَا، وَجَلَست فِي ظلها.

فَبينا أَنا كَذَلِك إِذْ سَطَعَ غُبَار فِي نَاحيَة الْحَيّ، ثمَّ رفعت لي شخوص ثَلَاثَة، ثمَّ نظرت فَإِذا بِفَارِس يطرد مسحلًا وأتانًا، فتأملته، فَإِذا عَلَيْهِ درع أصفر، وعمامة خَز سَوْدَاء، وَإِذا فروع شعره تضرب خصريه، فَقلت: غُلَام، حَدِيث عهد بعرس، أعجلته لَذَّة الصَّيْد، فَترك ثَوْبه، وَلبس ثوب امْرَأَته.

فَمَا كَانَ إِلَّا يَسِيرا، حَتَّى طعن المسحل، وثنى بطعنة للأتان، فصرعهما، وَأَقْبل رَاجعا نحوي، وَهُوَ يَقُول:

نطعنهم سلكى ومخلوجةكرّك لأمين على نابل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «يا دار ماوِية بالحائلِ»

فَقلت: إِنَّك تعبت، وأتعبت فرسك، فَلَو نزلت.

فَثنى رجله، فَنزل، وَشد فرسه بِغُصْن من أَغْصَان الشَّجَرَة، وَألقى رمحه، وَأَقْبل حَتَّى جلس، فَجعل يحدثني حَدِيثا ذكرت بِهِ قَول أبي ذُؤَيْب:

وإنّ حَدِيثا مِنْك لَو تبذلينهجنى النَّحْل فِي ألبان عوذٍ مطافل
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أساءلت رسم الدار أم لم تسائل»

وَقمت إِلَى فرسي، فأصلحت من أمره، ثمَّ رجعت وَقد حسر الْعِمَامَة عَن رَأسه، وَإِذا غُلَام كَأَن وَجهه الدِّينَار المنقوش.

فَقلت: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ، مَا أعظم قدرتك، وَمَا أحسن صنعتك؟ فَقَالَ لي: مِم ذَلِك؟ فَقلت: لما راعني من جمالك، وَمَا بهرني من نورك.

فَقَالَ: وَمَا الَّذِي يروعك من حبيس التُّرَاب، وأكيل الدَّوَابّ؟ وَمَا يدْرِي أينعم بعد ذَلِك، أم يبتئس.

قلت: لَا يصنع الله بك إِلَّا خيرا.

ثمَّ تحدثنا سَاعَة، فَأقبل عَليّ، فَقَالَ: مَا الَّذِي سمطت فِي سرجك؟ قلت: شرابًا، أهداه إِلَيّ بعض أَهلِي، فَهَل لَك فِيهِ من أرب؟ فَقَالَ: أَنْت وَذَاكَ.

فَأتيت بِهِ، فَشرب مِنْهُ، وَجعل، وَالله، ينكت بِالسَّوْطِ أَحْيَانًا على ثناياه، فيتبين لي أثر السَّوْط فِيهِنَّ.

فَقلت: مهلا، إِنَّنِي أَخَاف أَن تكسرهن.

فَقَالَ: وَلم؟ قلت: لِأَنَّهُنَّ رقاق عَذَاب.

قَالَ: ثمَّ رفع صَوته يُغني:

إِذا قبّل الْإِنْسَان آخر يَشْتَهِيثناياه لم يَأْثَم وَكَانَ لَهُ أجرا
فَإِن زَاد زَاد الله فِي حَسَنَاتهمَثَاقِيل يمحو الله عَنهُ بهَا الوزرا

قَالَ: ثمَّ قَامَ إِلَى فرسه، فَأصْلح من أمره، ثمَّ رَجَعَ، فبرقت لَهُ بارقة تَحت

الدرْع، فَإِذا ثدي كَأَنَّهُ حق عاج.

فَقلت: ناشدتك الله: أمْرَأَة أَنْت؟ فَقَالَت: نعم وَالله، إِلَّا أَنَّهَا تكره الْعَار، وتحب الْغَزل، ثمَّ جَلَست، فَجعلت تشرب معي، وَمَا أفقد من أنسنا شَيْئا، حَتَّى نظرت إِلَى عينيها، كَأَنَّهُمَا عينا مهاة مَذْعُورَة، فوَاللَّه، مَا راعني إِلَّا ميلها تَحت الدوحة سكرى.

فزين الشَّيْطَان لي، وَالله، الْغدر، وَحسنه فِي عَيْني، ثمَّ إِن الله ﷿ عصمني مِنْهُ، فَجَلَست مِنْهَا حجرَة.

ثمَّ انْتَبَهت فزعة مَذْعُورَة، فلاثت عمامتها برأسها، وجالت فِي متن فرسها، وَقَالَت: جَزَاك الله عَن الصُّحْبَة خيرا.

فَقلت: أَلا تزوديني مِنْك زادًا؟ فناولتني يَدهَا، فَقَبلتهَا، فشممت، وَالله، مِنْهَا ريح الشَّبَاب المطلول، فَذكرت قَول الشَّاعِر:

كأنّها إِذْ تقضّى النّوم وانتبهتسيّابة مَا لَهَا عين وَلَا أثر

فَقلت: وَأَيْنَ الْموعد؟ فَقَالَت: إِن لي أخوة شوسًا، وَأَبا غيورًا، وَوَاللَّه، لِأَن أسرك، أحب إِلَيّ من أَن أَضرّك، وانصرفت.

فَجعلت أتبعهَا بَصرِي حَتَّى غَابَتْ، فَهِيَ، وَالله، يَا ابْن أبي ربيعَة، أحلتني هَذَا الْمحل، وأبلغتني هَذَا الْمبلغ.

فَقَالَ: يَا أَبَا المسهر، إِن الْغدر بك مَعَ مَا تذكر لمليح، فَبكى، وَاشْتَدَّ بكاؤه.

فَقلت: لَا تبك، فَمَا قلت لَك مَا قلت إِلَّا مازحًا، وَلَو لم أبلغ حَاجَتك إِلَّا بِمَالي وروحي لسعيت فِي ذَلِك حَتَّى أقدر عَلَيْهِ.

فَقَالَ لي: جزيت خيرا.

فَلَمَّا انْقَضى الْمَوْسِم، شددت على نَاقَتي، وَشد على نَاقَته، ودعوت غلامي فَشد على بعير لَهُ، وحملت عَلَيْهِ قبَّة من أَدَم حَمْرَاء، كَانَت لأبي ربيعَة المَخْزُومِي، وحملت معي ألف دِينَار، ومطرف خَز، وانطلقنا، حَتَّى أَتَيْنَا بِلَاد كلب.

فسألنا عَن أبي الْجَارِيَة، فوجدناه فِي نَادِي قومه، وَإِذا هُوَ سيد الْقَوْم، وَالنَّاس حوله، فوقفت على الْقَوْم، وسلمت، فَرد الشَّيْخ السَّلَام.

ثمَّ قَالَ: من الرجل؟ قلت: عمر بن أبي ربيعَة المَخْزُومِي.

فَقَالَ: الْمَعْرُوف غير الْمُنكر، فَمَا الَّذِي جَاءَ بك؟ قلت: جِئْت خاطبًا.

قَالَ: الكفؤ وَالرَّغْبَة.

قلت: إِنِّي لم آتٍ لنَفْسي من غير زهادة فِيك، وَلَا جَهَالَة بشرفك، وَلَكِنِّي أتيت فِي حَاجَة ابْن أختكم هَذَا العذري.

فَقَالَ: وَالله، إِنَّه لكفي الْحسب، رفيع النّسَب، غير أَن بَنَاتِي لم ينفقن إِلَّا فِي هَذَا الْحَيّ من قُرَيْش، فوجمت لذَلِك.

وَعرف التَّغَيُّر فِي وَجْهي، فَقَالَ: إِنِّي صانع بك مَا لم أصنع بغيرك.

قلت: مثلي من شكر، فَمَا ذَاك؟ قَالَ: أخيرها، وَهِي وَمَا اخْتَارَتْ.

قلت: مَا انصفتني، إِذْ تخْتَار لغيري، وتولي الْخِيَار غَيْرك.

فَأَشَارَ إِلَيّ العذري، أَن دَعه يخيرها، قَالَ: فَأرْسل إِلَيْهَا: أَن من الْأَمر كَذَا وَكَذَا.

فَأرْسلت إِلَيْهِ: مَا كنت أستبد بِرَأْي دون الْقرشِي، وَالْخيَار فِي قَوْله وَحكمه.

فَقَالَ لي: إِنَّهَا قد ولتك أمرهَا، فَاقْض مَا أَنْت قَاض.

فَقلت: اشْهَدُوا أَنِّي قد زوجتها من الْجَعْد بن مهجع، وأصدقتها هَذِه الْألف دِينَار، وَجعلت تكرمتها العَبْد، وَالْبَعِير، والقبة، وكسوت الشَّيْخ هَذَا الْمطرف، وَسَأَلته أَن يَبْنِي الرجل عَلَيْهَا من ليلته.

فَأرْسل إِلَى أمهَا، فَأَبت، وَقَالَت: أتخرج ابْنَتي كَمَا تخرج الْأمة؟ قَالَ الشَّيْخ: فعجلي فِي جهازها.

فَمَا بَرحت، حَتَّى ضربت الْقبَّة فِي وسط الْحَرِيم، وَأهْديت إِلَيْهِ لَيْلًا، وَبت أَنا عِنْد الشَّيْخ.

فَلَمَّا أَصبَحت، أتيت الْقبَّة، فَصحت بصاحبي، فَخرج إِلَيّ، وَقد أثر السرُور فِيهِ.

فَقلت: إيه.

فَقَالَ: أبدت، وَالله، كثيرا مِمَّا كَانَت تخفيه عني يَوْم لقيتها، فسألتها عَن ذَلِك، فأنشأت تَقول:

كتمت الْهوى لمّا رَأَيْتُك جازعًاوَقلت فَتى بعض السرُور يُرِيد
وَأَن تطّرحني أَو تَقول فتيةيضرّ بهَا برح الْهوى فتعود
فورّيت عمّا بِي وَفِي دَاخل الحشامن الوجد برح فاعلمنّ شَدِيد

فَقلت: أقِم على أهلك، بَارك الله لَك فيهم، وَانْطَلَقت، وَأَنا أَقُول:

كفيت الْفَتى العذريّ مَا كَانَ نابهوإنّي لأعباء النوائب حمّال
أما استحسنت منّي المكارم والعلىإِذا طرحت أنّي لمالي بذّال
للشاعر عمر ابن أبي ربيعة، من قصيدة «كَفَيْتُ أَخي العُذْريَّ ما كانَ نَابَهُ»

فَقَالَ العذري:

إِذا مَا أَبُو الْخطاب خلّى مَكَانَهُفأف لدُنْيَا لَيْسَ من أَهلهَا عمر
فَلَا حيّ فتيَان الحجازين بعدهوَلَا سقيت أَرض الحجازين بالمطر

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب الثَّالِث عشر

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.