تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

عزل عَن الرافقة فولي دمشق

قَالَ مُحَمَّد بن عَبدُوس، فِي كتاب أَخْبَار الوزراء وَالْكتاب، أَخْبرنِي جَعْفَر بن أَحْمد، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْعَبَّاس بن الْفُرَات، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن عَليّ بن يُونُس، قَالَ: لما سلمت عمل دمشق إِلَى أبي المغيث الرافقي، سَأَلَني أَن أكتب لَهُ عَلَيْهِ، فَفعلت، فَلَمَّا تآنست أَنا وَهُوَ، حَدثنِي أول خَبره فِي تقلد النَّاحِيَة.

فَقَالَ لي: كنت قصدت عِيسَى بن مُوسَى، ابْن عمي، وَهُوَ يتقلد حمص، فقلدني ربع فامية، فأقمت إِلَى أَن قدم ابْن عَم لَهُ، وَهُوَ أقرب إِلَيْهِ مني، فصرفني، فَانْصَرَفت عَنهُ إِلَى الرافقة، وَمَعِي شَيْء مِمَّا كسبته.

وَكَانَت لابنَة عَم لي، جَارِيَة نفيسة، قد ربتها، وعلمتها الْغناء، وَكنت

أدعوها، فألفتها، وَوَقعت من قلبِي موقعًا عَظِيما، وَاشْتَدَّ حبي لَهَا، فَعمِلت على أَن أبيع منزلي وأبتاعها، وناظرت مولاتها فِي ذَلِك، فَحَلَفت أَنَّهَا لَا تنقص ثمنهَا عَن ثَلَاثَة آلَاف دِينَار.

فَنَظَرت، فَإِذا أَنا أفتقر، وَلَا تفي حَالي بِثمنِهَا، فَقَامَتْ قيامتي، وَاشْتَدَّ وجدي، وانحدرت إِلَى سر من رأى، أطلب تَصرفا، أَو مَا بِهِ شراؤها.

وَكَانَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق الطاهري، وَأَبوهُ، يرجيان لي، فقصدت مُحَمَّدًا، وَمَعِي دَوَاب، وَبَقِيَّة من حَالي، فأقمت عَلَيْهِ مُدَّة لم يسنح لي فِيهَا تصرف، فاشتدت بِي رقة الْحَال، فانحدرت إِلَى بَغْدَاد، أقصد إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الطاهري، فوردت فِي زورق.

وفكرت فِي أَمْرِي، وعَلى من أنزل، فَلم أَثِق بِغَيْر مُحَمَّد بن الْفضل الجرجرائي، لمودة كَانَت بيني وَبَينه، فقصدته، وَنزلت عَلَيْهِ، وَوَقع ذَلِك مِنْهُ أجل موقع، وفاتشني عَن أَمْرِي، وسألني عَن حَالي، فَذكرت لَهُ قصتي مَعَ الْجَارِيَة.

فَقَالَ: وَالله، لَا تَبْرَح من مجلسك حَتَّى تقبض ثمنهَا، وَأمر خادمه، فأحضر كيسًا فِيهِ ثَلَاثَة آلَاف دِينَار، وسلمت إِلَيّ، وتأبيت عَلَيْهِ، فَحلف أيمانًا مُؤَكدَة أَن أقبلها.

وَقَالَ: إِن اتسعت لقضائه، واحتجت إِلَيْهِ، لم أمتنع من أَخذه مِنْك،

فَأخذت الْكيس وشكرته، وتشاغلنا بالشرب.

فَلَمَّا كَانَ من الْغَد، أَتَى رَسُول إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الطاهري يطلبني، فصرت إِلَيْهِ، فاحتفى بِهِ، وأكرمني، وَقَالَ: مَا ظَنَنْت أَنَّك توافي بَلَدا أحله، فتنزل غير دَاري.

فَقلت: وَالله، مَا وافيت إِلَّا قَاصِدا الْأَمِير، وَلَكِن دوابي تَأَخَّرت، فتوقعت وُرُودهَا، لأصير إِلَى بَاب الْأَمِير عَلَيْهَا.

فَدَعَا بكتب وَردت من مُحَمَّد بن عبد الْملك، وفيهَا كتاب من أَمِير الْمُؤمنِينَ المعتصم، بولايتي دمشق، وَأرَانِي كتابا يُعلمهُ فِيهِ، مَا جنى عَليّ بن إِسْحَاق من قتل رَجَاء بن أبي الضَّحَّاك بِدِمَشْق، وَأَن أَمِير الْمُؤمنِينَ رأى تقليدك، وَطلبت بسر من رأى، فَذكر لَهُ أَنَّك انحدرت إِلَى إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، فَأمر بِتَسْلِيم كتبك إِلَيّ، وَدفع مائَة ألف دِينَار لَك مَعُونَة على خُرُوجك، وأحضر المَال، ووكل بِي من يستحثني على البدار.

فورد عَليّ من السرُور مَا أدهشني، وودعته، وَخرجت إِلَى مُحَمَّد بن الْفضل، فعرفته مَا جرى، وودعته أَيْضا، وأخرجت دنانيره، فرددتها عَلَيْهِ، فَحلف بأيمان غَلِيظَة عَظِيمَة، لَا عَادَتْ إِلَى ملكه أبدا.

وَقَالَ: إِن جَلَست فِي عَمَلك واتسعت، لم أمتنع أَن أقبل مِنْك غير هَذَا.

فشخصت، ومررت بالرافقة وابتعت الْجَارِيَة، وَبَلغت مناي بملكها، واجتزت بحمص، بِابْن عمي، وَأَنا أجل مِنْهُ عملا، وَدخلت عَمَلي، فَصنعَ الله سُبْحَانَهُ، ووسع.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب الثَّالِث عشر

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.