تجاوز إلى المحتوى

من «البرصان والعرجان والعميان والحولان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

أبو أسيد عمرو بن هدّاب المازني

مدحه بذلك أبو الشّعثاء العنزي، قال

أصاحبنا: ما رأينا أحدا قطّ أبلّ ريقا، ولا أتمّ نفسا، ولا أربط جأشا، من أبي أسيد عمرو هدّاب، كانوا عنده والناس يعزّونه على ذهاب بصره إذ مثل أبو عتّاب الجرّار بين يدية، وهو مثل المحجوم وأبو عتّاب هو إبراهيم بن جامع بن مصاد مولى بلعدويّة- فقال: يا أبا أسيد، لا تحزن على ذهابهما، فإنّك لو قد رأيت ثوابهما في ميزانك لقد تمنّيت أن يكون الله قد قطع يديك ورجليك، ودقّ ظهرك، وأدمى ظلفك ! قال: فلم يبق من القوم أحد إلّا استغرب ضحكا، أو صاح بأبي عتّاب وأراد إسكاته إلّا أبا أسيد نفسه، فإنّه لم يتغيّر لذلك، ولم يظهر منه قبول ولا إنكار، وأقبل على القوم فقال: يرعى له حسن نيّته، ويلغى سوء لفظه.

قالوا: ثم ما لبثنا إلا يسيرا حتّى دخل أبو الشعثاء العنزي وعليه

بتّ وكور ضخم، وخفّ جافى، فقال: أنشدك أبا أسيد بعض ما حبّرته فيك من أراجيزي. قال: هات. فأنشده أرجوزة أعرابيّة فصيحة، فبينا نحن نستحسن معانيها ونستجيد حوكها إذ قال:

أبرص فيّاض اليدين أكلفوالبرص أندى باللهى وأعرف

مجلوّذ في الزّحفات يزحف

قال: فصحنا حتّى قطعنا عليه إنشاده فقال عمرو: ارفقوا بشاعرنا وزائرنا؛ فإنّ أكثر الشعراء الذين توضّحت جلودهم قد افتخروا بذلك. وقد قال الشاعر:

أيشتمني زيد بأن كنت أبرصافكلّ كريم لا أبالك أبرص

أراد: كل أبرص كريم فقال: كاكريم أبرص. وهذا من المقلوب.

وزعم كثير من الناس أنّ ذاك البياض إنّما أصابه بسبب يمين حلف بها عند أستار الكعبة.

وسمعت غير واحد من جيرانه وأصحابه يزعمون أنّهم ما زالوا يعلمون به وضحا، إلّا أن الوضح يزيد ولا يقف.

وقد ذكرنا شأن عمرو بن هدّاب والذي حضرنا من مناقبه في كتاب العميان، فلذلك لم نذكره في هذا الباب.

حدّثني عليّ بن رياح بن شبيب الجوهريّ، عن أبيه رياح، وكان خاصّا بالبرامكة، يدخل عليهم متى أحبّ، وكان يصل إلى مواضع لا يكاد يصل إليها الخاصّ عندهم- قال: دعاني يوما جعفر بن يحيى وهو كئيب حزين، خاشع الطّرف، شديد الانكسار، فرفع لي عن بطنه، فإذا على بطنه، مقدار الدّرهم برص فقال: يا أبا علي، هذا ثمر العقوق! قال: وكان الذي بينه وبين أبيه قد ساء.

قالوا: وهذا شيء أخذه جعفر بن يحيى عن أطبّاء الهند. وأطبّاء الهند تزعم أن العقوق يورث البرص. وهذه القضيّة مجانبة لسبيل الطبّ.

وآفات الدنيا كثيرة، وأمراضها الشّداد معروفة المقادير عند الأطبّاء.

وقد بيّنوا المستغلق العضال الموئس، من غير ذلك، فقالوا في مثل الجذام والبرص العتيق والسرطان. قال جالينوس السرطان لا يبرأ، فإن برأ فإنّه لم يكن سرطانا. والماء الأصفر، والقروح التي تكون في الكلية والمثانة،

من الباب أيضا، الذي يعسر المخلص منه.

والعرب تخاف إعداء الجرب والصّفر والعدسة والجدريّ.

وهو وإن استعظموا هذه الأشياء ولم يقدّموا البرص عليها في الشّدة فإنّ القرآن أصدق منهم، ولولا أنّ البرص العتيق أشدّ امتناعا وأبعد برءا لما ذكر الله البرص دون هذه الأدواء.

والفرس أشدّ نفارا من البرص. والدليل على ذلك: ما خبّرتك به من شدّته وامتناع التخلّص منه، قوله: وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ

وإلى إبراء الأكمه - وهو الأعمى المطموس- ولم يذكر غير ذلك من جميع الأدواء والمعاضل والعلل الموئسة.

وقال في وجه آخر من معارضة البرص بخلافه وضدّه، قال: أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ

. وقال الله لموسى: أَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ

هذا

إلى ما حدّث عبد الله بن عمرو، عن يعقوب القمّيّ، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس قال: جاءت قريش إلى اليهود فقالوا: ما جاءكم به موسى؟ قالوا: عصاه ويده بيضاء للنّاظرين، ثم أتوا النّصارى فقالوا: ما جاءكم به عيسى؟ قالوا: كان يبرىء الأكمه والأبرص ويحيي الموتى. فأتوا النبيّ ﷺ فقالوا: ادع لنا ربّك يجعل لنا الصّفا ذهبا.

فهذا أيضا ممّا يعظم شأن البرص، إذ كان مذكورا في الحالات كلّها، وإذ اجتمع على تشديد أمره القرآن والآثار.

وأما قولهم للنبي ﷺ: «اجعل لنا الصّفا ذهبا» فإنّ الله لا يعطي الناس الأعلام على قدر شهواتهم وامتحانهم وتمنّيهم، ولا على سبيل

التفكّه. فإذا لم يعطهم ذلك على سبيل التفكّه فإعطاؤه إياهم على سبيل التعنّت أبعد. ولا يجب ذلك إلّا لمن يسمع بآية ولم ير علامة.

فأما المغموس فيها ومن قد غمرته البرهانات فليس من الحكمة تمكين السّفهاء من مسألة ذلك. وإنّما ينزّل الله الأعلام على قدر المصلحة لا على أقدار الشّوة، وعلى إلزام الحجة لا على الطلب والمسألة.

ومتى كان الطالب لذلك معاندا وجاسيا لم يكن إلّا بين أمرين: إن حلي بها لعنته وأجابه إلى مسألته قال: هذا سحر. وإن منعها قال: لو كان صادقا لاتى بها. وآيات الله وبرهانه أجلّ خطرا من أن توضع في هذا المكان، إلا أن يريد الله ببعض ذلك تعذيبهم واستئصال شأفتهم، وأن ينكّل بهم سواهم.

قالوا: والبرص أصله من البلغم، وإذا رأيت الرجل القضيف اليابس أبرص الجلد فاعلم أن المرّة هى التي اعتصرت بدنه حتّى قذفت بالبلغم ومجّته في ظاهر جسده، فلمّا لم يقو ذلك المكان على إنفاذه وهضمه تحيّر هناك فأفسد ما هناك.

وربّما كان من حرق النار، وربّما كان من الكيّ: إما من كيّ البلاء

وإما من التّعالج.

وليس يعتري السّودان من كيّ البلاء كالذي يعتري الشّقران والحمران. وكذلك الوسم. فإذا خاف النّخّاس أن يكون ذلك البياض برصا قرص ذلك المكان، فإن احمرّ فهناك دم، وإن لم يحمرّ عزم على أنّ به عيبا وفحشة.

ويعتري غراميل الخيل وخصاها وجحافلها، ويكون بالعظاء والحيّات والوزغ برص، بكلّ ذلك جاء الشعر، وكلّ ذلك قالت العرب.

وفي الحديث المرفوع أنّ الوزغة لما نفخت على نار إبراهيم صمّت وبرصت، فمن ذلك قيل سامّ أبرص. فهذا الحديث شهد لأولئك الشّعراء بالصّدق.

ولولا الأخبار والأشعار والآثار لكان كلّ بياض يكون في أصل التركيب في نفس الخلقة لا يسمّى برصا، ولا يسمّى البرص إلّا العارض الحادث.

وقال صاحب المنطق: لا يقال الباطن جلد الكف أقرع، ولا للطّفل آدر، لأنّ ذلك لم يكن يذهب.

والذي نرجع إليه اتّباع الآثار وما جاء في الأشعار.

وحشفة المختون ربّما برصت من حرّ الموسى، وليس ذلك مما يزداد ويتفشّى.

ويعتري مواضع المحاجم، ويصيب أشياء من النّبات، كنحو البطّيخ وغير ذلك. وقد رأيت من نزفه الدم من جراح فبرص. وربّما جرى من ذلك على عرق، وهو عندهم مما يعتري الأولاد، ويعدى إلى الصّحيح.

واللّطع ضرب من البرص، وهو يصيب بواطن شفاه الخصيان من الحبشان وربّما كان الحبشىّ منهم ضخما أهدل أدلم ألطع، فيكون هولا من الأهوال.

وشعر الرأس واللحية يبيضّ عن الهول الشديد، ويبيضّ شعر الحدث إذا كانت المرّة تقذف بالبلغم إلى ما هناك، ويبيضّ على الأعراق المتقدمة. ويبيض الشعر من جبهة المرأة إذا طال نتفه. والغالية تشيب الشعر، وغسل الرأس بالسّدر يرقّه.

وقد ينتف أصحاب الخيل جبهة الفرس البهيم مرارا بمقدار القرحة، فيبيضّ شعر ذلك المكان ويصير ذا قرحة، وذلك إذا كرهوا أن يكون بهيما. واسم هذه القرحة المعمولة فيها الغريب.

وتصيب الدابة الدّبرة فيبيض شعر ذلك المكان، وذلك هو التوقيع، والجلد نفسه هو الموقّع. وقال محرز ابن المكعبر الضبى:

فما منكم أفناء بكر بن وائللعادتنا إلّا ذلول موقّع

وذلك البياض يكون في معنى البرص، لأنّ الجلد لا ينبت الشعر الأبيض حتّى يبيضّ.

وجلد الحافر كلّه وجلد الظّلف كلّه إذا كان أسود كان أسود الشعر، وإذا كان أبيض كان أبيض الشعر. والخيول تتحوّل في ألوانها فيصير الأشهب الأبيض أرقط مدنّرا ويسقى الفرس الحليب المحض فإذا طال ذلك عليه صار لونه أسفع وقال الشاعر:

ودوايتها حتّى شتت حبشيّةكأنّ عليها سندسا وسدوسا

والناقة إذا كانت حمراء ثم صارت عشراء صارت خلساء بعد أن كانت حمراء. ولذلك قال الشاعر:

حمراء لا حبشيّة الإتمام

وقد تحمرّ أوبار الإبل جدّا على بعض المراعي. وقال الفزاريّ في صفة إبله:

كأنّما علّت بحنّاء ودممن حرص القعيان والهرم الخضم

وتبيض أوبار الإبل ورءوسها ووجوهها من أكل الحمض. قال عمر ابن لجأ:

شابت ولمّا تدن من ذكائها

وقال الآخر:

أكلن حمضا فالوجوه شيبشربن حتّى نزح القليب

والمرأة الجميلة الرقيقة اللون إذا كان العشيّ ضرب لونها إلى الصّفرة. وبالغداة يضرب لونها إلى البياض.

قال الأعشى:

بيضاء ضحوتها وصفراء العشيّة كالعراره
للشاعر الأعشى، من قصيدة «يا جارتي ما كنت جاره»

وقال الآخر:

قد علمت بيضاء صفراء الأصل

وأحسن ما تكون المرأة وأرقّ ما تكون لونا، وأعتق وجها، وأدقّ محاسن في نفاسها، وغبّ ليلة عرسها.

وأطيب ما تكون خلوة إذا رقصت في مناحة، أو تعبت من طول سير. وأنشد ابن الأعرابيّ لرجل قال لامرأته:

أعجبتني غبّ البناء ونافساوغبّ الكلال، كلّ ذلك معجب

وقال بشّار:

كأنّ الذي يأتيك من راحتيهماهديّ غداة العرس أو نفساء

والهديّ: العروس. وقال المتلمّس أو غيره:

وطريفة بن العبد كان هديّهمضربوا صميم قذاله بمهنّد

وأنا أعلم أنّ عامّة من يقرأ كتابي هذا وسائر كتبي، لا يعرف معاني هذه الأشعار، ولا تفسير هذا الغريب، ولكنّى إن تكلّفت ذلك ضعّف مقدار كلّ كتاب منه. وإذا طال جدّا ثقل، فقد صرت كأنّي إنّما أكتبها للعلماء.

والله المعين.

وجلد الشّيخ يسودّ ويبيضّ. ويقول المتطبّبون وناس من المتفلسفين:

الصّقلبي من لم تنضجه الأرحام فهو فطير. وأرحام الزّنجيات جاوزت الإنضاج وأحرقت الأولاد.

واحتجّ بعضهم بقول عبيد الله بن زياد بن ظبيان، لعبد الملك بن مروان: أنا والله أشبه بأبي من التّمرة بالتّمرة، والجمرة بالجمرة، والذّباب بالذباب، والغراب بالغراب، ولكن إن شئت أخبرتك بالذي لا يشبه أباه.

قال: ومن ذلك؟ قال: الذي لم تنضجه الأرحام ولم يولد لتمام، ولم يشبه الأخوال ولا الأعمام.

وعبيد الله بن زياد لم يرد معنى هذا المتطّبب إنّما ذهب إلى أن عبد الملك كان ولد لسبعة أشهر.

وكذلك عامر الشّعبيّ، وكذلك جرير بن الخطفى، وكذلك

قال الفرزدق.

وأنت ابن صغرى لم تتمّ شهورها

ولم يرد اللّون، إنّما أراد تمام البدن في الطّول والعرض، لأنّ لون من ولد لسبعة أشهر ليس بالفاسد وقد زعموا أنّ البقير من الناس والخيل يخرج متغيّر الجلد، وأنّ ذلك يكون ملازما.

وحكوا ذلك عن لون خارجة بن سنان، وعن جلد الفرس الذي قال فيه ابن أقيصر ما قال. وعن بعض أولاد نساء بني تغلب، ليلة نفر الجحّاف بن حكيم.

ولست أعرف تأويل قول عبيد الله بن زياد، لأنّ عبد الملك كان موصوفا بحسن اللّون.

ولما قال عبد الله بن قيس الرّقّيات في عبد الملك:

يعتدل التاج فوق مفرقهعلى جبين كأنّه الذهب
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة

قالوا: نشهد أنه قد كان رآه. وإن كان إنّما أراد أنّه لم يكن بتامّ اللحم والعظم، فما سمعنا أحدا عاب عبد الملك بقصر ولا نحافة، وإنّما كان أراد: ولد لسبعة أشهر؛ فإنّ الذين يولدون لسبعة أشهر ليس القصر والنّحافة فيهم بأفشى وأشدّ استفاضة منه في غيرهم.

وقال عبد الملك للشّعبي: مالي أراك ضئيلا؟ قال: «يا أمير المؤمنين، زوحمت في الرحم». يقول: إنّي ولدت توءم أخي. ولم يقل: لأنّي ولدت لسبعة أشهر.

وقال معاوية بن أوس الكليبي وكان أخا سنان بن أبي حارثة لأمّه:

سنانا دعوت وأشياعهوعوفا دعوت أبا قهطم
للشاعر معاوِية بن سنان، اقرأ القصيدة
فقام فتى وشوشيّ الذّراع لم يتلبّث ولم يهمم
للشاعر معاوِية بن سنان، اقرأ القصيدة
تمطّت به أمّه في النّفاس ليس بيتن ولا توءم
للشاعر معاوِية بن سنان، اقرأ القصيدة

فكره أن يكون توءما؛ لأنّ التّوءم يكون ضئيلا.

وقد رأيت أنا غير الذي يقولون. ولعلّ بعض من رأيت وأكثر كانوا أغلظ عظما وأوثج وثاجة ممن ولد لتمام. رأيت الحكم ومروان ابنى بشر بن أبي عمرو بن العلاء، وكان كلّ واحد منهما كالبغل المزنوق.

ورأيت الأخوين اللذين كانا يلقّبان بمنكر ونكير، كان كلّ واحد منهما كالجمل المحجوم.

ورأيت الأخوين المازنّيين، وكان أحدهما إذا حمّ حمّ الآخر، وإذا رمد رمد الآخر، فلما مات أحدهما أوصى الآخر ومات بعده بقليل. وكان كلّ واحد منهما كأنّه الرّمح الرّدينيّ.

ولم أر فيهم نحيفا إلّا عبدان تلميذ يحنّا بن ماسويه.

حدّثني الحسن بن إبراهيم العلوي، أنّ الحسن بن علي بن أبي طالب ولد لسبعة أشهر. فمن كان أبرع عقلا وأتم قواما منه!

وليس بمستنكر أن ترى الواحد منهم بعد الواحد نحيفا.

قالوا: وإنّما صارت ألوان سكّان إقليم بابل السّمرة، وهى أعدل الألوان، لأنّهم لم يولدوا في جبال ولا على سواحل بحار، فخرجت عقولهم الباطنة من الاعتدال والاستواء على حسب ألوانهم وشمائلهم الظاهرة.

قالوا: ويولد المغرب والأقشر ولا يعدّونهما في البرصان، وإن كان بياضهما خارجا من المقدار، ولو أنّ بعض جلد المغرب صار لبعض السّودان والأدمان لعدّوهما لا محالة في البرصان.

قالوا: والزّنجىّ كلّ شيء منه أسود إلّا أسنانه وبياض مقلتيه. وعلى أنّ لون راحته وظفره لون من البياض والسواد.

وسأل بعض المعترضين: كيف اعترى أهل البادية البرص مع كثرة التّعب وقلّة الغذاء والجفاف؟

قالوا: وجدنا ذلك في عدد كثير من أهل الشّرف والنباهة فقد علمنا أنّه في أهل الخمول على أضعاف ذلك، إذ كان الخامل ليس فيه معنى يذكر من أجله بسلامة ولا آفة.

قالوا: فإن قالوا: لمكان اللبن وكل ما يجىء من اللّبن.

قيل له: فإنّ الزّطّ في الآجام يداومون بين السّمك واللّبن، وهم مغتمسون في جميع أصناف الرّطوبات. وأهل البدو في بلاد الجفاء والجفاف، ويداومون بين اللّبن والتمر. وليس في الزّط من البرص ما ينكر، إلّا أن تكون الحرارة هي التي تقذف بالبلغم من أجواف أهل البدو إلى ظاهر جلودهم. وليس هو عندي كذا كما قالوا، ولكنّ العرب تتهاجى بالأشعار التي تشهر كلّ خير وشرّ، وتتعايب بالألفاظ المتعسّفة المستخشنة، التي تستدعي الرّواية والحكاية. والرّواة لا تعنى بلسان الزّط وسكّان الآجام؛ لهوانهم عليهم، ولأنّهم لم يتعايبوا بينهم بالكلام الذي يحفظ الرّواة مثله. ولو جمعتهم أيضا كلّهم لم يكونوا كقبيلة من قبائل بني سعد.

وهذا المقدار من عدد البرصان إنّما وجدتموه في جميع جزيرة العرب منذ كانت العرب إلى يومنا هذا. فهذا المقدار قليل، ولو قصدتم إلى أمّة من الأمم يكون عدد جماعتهم على الشّطر من عدد جماجم العرب لوجدتم عدد برصانهم على الضّعف من عدد برصان العرب. ولولا طعن الحاسد لهم والباغي عليهم لكنت عسى ألّا أتحمّل لك نسخ هذا الكتاب مع ثقله علىّ، وبالله التوفيق.

قالوا: والإنسان يعتريه البرش من شرب اللّبن وأكل التّمر. وقد هجا

بذلك الفرزدق بني سعد لقربهم من التّمر فقال:

ولست بسعديّ على فيه حبرةولست بعبديّ حقيبته التّمر
ولكّنني من دار وهب بن مالكوليس بحمد الله والدي الفزر

والفزر هو سعد نفسه.

وأمّا البرش الذي يعتري الأظفار فإنّ ذلك شيء يعتري الأظفار في حداثة السن. والسّواد يعتري الناس كثيرا في مواضع في جلودهم، يعتري الخصى والمذاكير، وربّما اعترى جلود الآباط وجلد العجمان.

وإذا كبر الشيخ جدا وصلع وطال عمره، عاد لرأسه شعر أسود كالقنازع، وقال الشاعر، وهذا الشعر مبهم:

لنصر بن دهمان الهنيدة عاشهاوعشرون حولا ثم قوّم فانصاتا
وعاد له شرخ الشّباب الذي مضىوراجع حلما بعد ما كان قد فاتا
وعاد سواد الرأس بعد ابيضاضهولكنّه من بعد ذا كلّه ماتا

ولم أورد هذا الشّعر لرداءة طبع صاحبه، ولكن لجهله شأن الشيوخ الهرمين. والشاعر الجاهليّ الذي أضيف هذا الشعر إليه لا يجهل أمر الشّيوخ في ذلك، وإنّما فسد لقوله:

وعاد له شرخ الشباب الذي مضىوراجع حلما بعد ما كان قد فاتا

وهذا باطل البتّة.

ومن البهق الأسود والأبيض. وإنّما ذلك على قدر النقص، فإن كان من المرّة السّوداء كان أسود، وإن كان من البلغم كان أبيض، وإذا ابيضّ جدّا لم يؤمن.

وتزعم الأعراب وناس من جهّال أصحاب الأخبار أنّ ناسا من العرب

ومن قريش خاصّة، أصابهم الماء الأصفر والبرص جميعا، وأنّ بعضهم اكتوى فبرأ منه جميعا. وبعضهم وجأ بطنه بحديدة فبرأ منهما جميعا، وبعضهم اكتوى فمات.

فمن الذين ماتوا: مسافر بن أبي عمرو بن أمية. وأمّا الذي وجأ بطنه فبرأ منهما جميعا: أبو عزّة الجمحي الشاعر. قال ابن الكلبيّ: سمعت أبي وأبا مسكين قالا:

كان عمرو بن عبد الله بن وهيب بن حذافة بن جمح، وهو أبو عزّة الشّاعر، أصابه برص فسقي بطنه، فأخرجته قريش من مكة مخافة العدوى، وهم يخافون عدوى الجذام والبرص والجرب والصّفر والعدسة والجدريّ.

قالا: وكان إذا جنّ عليه اللّيل أوى إلى شعاب في تلك الجبال، فإذا حميت عليه الشمس استذرى بظلال الأشجار، فلمّا طال عليه البلاء

أخذ مدية فوجأ بها جنبه ليموت فيستريح، فسال ذلك الماء، وذهب ما كان به من برص، فأقام أيّاما ثم دخل إلى قريش كما كان يدخل، فقال:

لا همّ ربّ وائل ونهدواليعملات والخيول الجرد
وربّ من يسعى بأرض نجدأصبحت عبدا لك وابن عبد
أبرأت منّي وضحا بجلديمن بعد ما طعنت في معدّي

وقالوا: ممّن كشح بالنار: مسافر بن أبي عمرو بن أميّة بن عبد شمس، كان وفد على النعمان فسقى بطنه هناك، وأصابه وضح، فقيل للنّعمان: ليس له دواء إلّا الكيّ، وخبّروه بشأن أبي عزّة، فكواه فمات.

وهو الذي قال عند الكيّ:

قد يضرط العير والمكواة في النّار

فأرسلها مثلا، فرثاه أبو طالب في كلمة له طويلة:

ليت شعري مسافر بن أبي عمرو، وليت يقولها المحزون
للشاعر أبو طالب، من قصيدة «ليت شعري مسافر بن أبي عمرو»
رجع الوفد سالمين جميعاوخليلي في مرمس مدفون
بورك الميّت الكريم كما بورك نضح الرّمّان والزّيتون

وفيه يقول بعض العبليّين:

ومكشوح لدى النّعمان أمسىهّبالة بيته بيت الخيار
يفوق بنفسه، ويرى بياضابكشحيه كتلماع النّهار

لأنّه مات بموضع يقال له «هبالة».

وممّن اكتوى فبرص: الكوّاء، واسمه عمرو، وهو أبو عبد الله بن الكوّاء، وإخوته النّسّابون الذين يقال لهم بنو الكوّاء. وفي الكّواء

وأخيه يقول الشاعر:

غرابان هذا أبقع اللّون منهماوهذا غداف فاحم اللّون مصمت

وممن اكتوى فبرص: المكشوح المراديّ، واسمه هبيرة بن عبد يغوث، وهو أبو قيس بن المكشوح الفارس الرئيس. والمكشوح الذي يقول:

فما وضحي من داء سوء علمتهولكنّ كيّ النّار في الجلد يوضح

وفي بني الكوّاء يقول الشاعر:

إلى معشر بيض الكشوح مصاقععليهم جلود النّمر خنس المعاطس

وإنّما قال مصاقع لأنّهم خطباء. وابن الكوّاء يذكر في الخطباء والنسّابين، وفي العوران، ولذلك لمّا قال له معاوية: فما تقول في نفسك؟

قال: أعور سمين! كانوا يميلون إلى قول الخوارج. وأمّا قول الشاعر:

عليهم جلود النّمر

فإنّما يعني التّبقيع والتفليس الذي في جلودهم من البياض، وكانوا فطسا.

النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البرصان والعرجان والعميان والحولان»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.