من «الفاضل» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)
باب فى فضل الشعر
بسم الله الرّحمن الرّحيم حدّثنى أبو الفضل العباس بن الفرج الرّياشى قال: روى لنا أشياخنا أنّ رسول الله ﷺ كان يستحسن الشعر ويستنشده من أهله، ويثيب عليه قائله. ثم يروى أن شاعرا أنشده مدحا فى الله ومدحا فيه، فأثابه على مدحه لله ولم يثبه على مدحه له.
وكان يتمثّل بقول طرفة: «ويأتيك من لم تزوّد بالأخبار» لأن الشعر لم يجر قط على لسانه. وقال يوما لأبى بكر رحمة الله عليه: كيف قال العباس بن مرداس:
«أتجعل نهبى ونهب العبيد بين الأقرع وعينية» ؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله (صلّى الله عليه): «بين عيينة والأقرع». قال: أليس هما سواء! وكان يستحسن:
ألا كلّ شى ما خلا الله باطلوكلّ نعيم لا محالة زائل
وكان يقول: «إن من الشعر لحكمة، وإنّ من البيان لسحرا. وكان حسان بن ثابت شاعره. ويروى أنّه أنشده فى كلمة له يقول فيها:
لو لم تكن فيه آيات مبيّنةكانت بداهته تنبيك بالخبر
فأعجب بذلك، ﷺ، وأثاب حسانا ودعا له.
ويروى أنه قيل لحسّان بعد موت رسول الله ﵇: ما بالك لا ترثى رسول الله ﵇؟ قال: لأنى أستقلّ كلّ شىء يجيئنى فيه.
وروى أبو عبيدة قال: كان ابن عبّاس يقول: إذا أشكل عليكم الشىء من القرآن فارجعوا فيه إلى الشعر فإنه ديوان العرب. وكان يسأل عن القرآن فينشد الشعر.
وسئل عن الزّنيم، فقال: هو الدّعىّ الملصق، ألم تسمع إلى قول الشاعر:
زنيم تداعاه الرجال زيادةكما زيد فى عرض الأديم الأكارع
وسئل عن قوله ﷿: وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ
. قال: وما جمع، ألم تسمع إلى قول الراجز:
إنّ لنا قلائصا حقائقامستوسقات لو يجدن سائقا
وكان يفسر قوله: فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ
. قال: بالأرض، ألم تسمع إلى قول أميّة بن أبى الصّلت الثّقفىّ:
فذاك جزاء ما عملوا قديماوكلّ بعد ذلكم يدوم
وفيها لحم ساهرة وبحروما فاهوا به لهم مقيم
وتحدّث عمر بن شبّة قال: بينما ابن عباس فى المسجد الحرام وعنده ناس من الخوارج وابن الأزرق يسائلونه إذ أقبل عمر بن عبد الله بن أبى ربيعة فقال:
أنشدنا، فأنشده:
أمن آل نعم أنت غاد فمبكرغداة غد أم رائح فمهجّر
حتى جاء على آخرها. فأقبل عليه ابن الأزرق فقال: تالله يابن عباس، إنا نضرب إليك أكباد الإبل عن أقاصى البلاد لنسألك عن الحلال والحرام فتتثاقل علينا، ويأتيك مترف من مترفى قريش فينشدك:
رأت رجلا أيما إذا الشمس عارضتفيخزى وأمّا بالعشىّ فيخسر
فقال ابن عبّاس: ليس هكذا. قال: فكيف قال؟: فأنشده:
رأت رجلا أمّا إذا الشمس عارضتفيضحى وأمّا بالعشىّ فيخصر
فقال: ما أراك إلّا وقد حفظت هذا البيت، قال: نعم! وإن شئت أن أنشدك القصيدة كلّها كما [أنشدك] أنشدتك، قال: نعم، فانّى أشاء، فأنشده القصيدة حتى جاء على آخرها، ثم أقبل على عمر فقال: أنشد، فأنشده:
تشطّ غدا دار جيراننا
فقال ابن عباس:
وللّدار بعد غد أبعد
فقال: كذا قلت! قال: كذا يكون- إن شاء الله- فاضطرب ابن أبى ربيعة وخجل، فقال له ابن عباس: إنما عنيت أنّك أنت قلته، قال: يا عمّ، فكيف علمت؟
فقال: لا يكون بعد هذا إلّا ذا.
ويروى أنّ أعرابيّا سأله عن قول الشاعر:
لذى الحلم قبل اليوم ما تقرع العصاوما علّم الإنسان إلّا ليعلما
من الّذى قاله؟ ومن عنى به؟ قال: عمرو بن حممة الدوسىّ، قضى على العرب ثلاثمائة سنة وهو ابن سبعين، فألزموه السادس من ولد ولده حيث كبر، فجعل بينه وبينهم أمارة إذا اختلط أن يقرع له العصا ليرتدع. فذلك قول المتلمّس:
لذى الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا
ويروى أنّ رسول الله صلّى الله عليه سمع كعب بن مالك بن أبى كعب الأنصارىّ ينشد:
ألا هل أتى غسّان عنّا ودوننامن الأرض خرق غوله متتعتع
مجالدنا عن جذمنا كلّ فخمةمدرّبة فيها القوانس تلمع
فقال صلى الله عليه: لا تقل عن «جذمنا» وقل «عن ديننا». فكان كعب يقرأ كذلك ويفتخر بذلك، ويقول: ما أعان رسول الله صلى الله عليه أحدا فى شعره غيرى.
وحدثنى الرياشىّ فى إسناد قال: لما دخل رسول الله صلّى الله عليه المدينة اجتمعت عليه الأنصار، وجعلوا يخبرونه عن أمورهم، قال: وأنشده حسّان:
وقد أروح أمام الحىّ منتطقابصارم مثل لون الملح قطّاع
يدفع عنى ذباب السيف سابغةموارة مثل مور النّهى بالقاع
فى فتية كسيوف الهند أوجههملا ينكلون إذا ما ثوّب الداعى
قال: ورسول الله صلّى الله عليه يتبسّم، فظنّ أن تبسّمه لما يسمع من وصفه مع ما هو عليه من جبنه. وذكر الزبير أن قومه كانوا يدفعون أن يكون جبانا، ولكنه أقعده عن الحرب أنّ أكحله قد قطع، فذهب منه العمل فى الحرب، وأنشد الزبير قول حسّان:
أضرّ بجسمى مرّ الدّهوروخان قراع يدى الأكحل
وقد كنت أشهد وقع الحروبويحمرّ فى كفّى المنصل
ورثنا من المجد أكرومةيورّثها الآخر الأوّل
وحدّثت عن الأصمعى قال: الدليل على أن حسّانا لم يكن جبانا من الأصل أنه كان يهاجى خلقا فلم يعيّره أحد منهم.
وكان أبو بكر الصديق رحمة الله عليه- فيما يروى- شاعرا، وعمر شاعرا، وعلىّ أشعر الثلاثة. وينشد لعلىّ ﵇:
فلو كنّا إذا متنا تركنالكان الموت راحة كلّ حىّ
ولكنّا إذا متنا بعثنافنسأل بعد ذا عن كل شىّ
وكانت عائشة رحمها الله تفسر قول رسول الله صلّى الله عليه: لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه (من الورى) خير له من أن يمتلىء شعرا. قالت: يعنى الهجاء منه.
وسمع أبو بكر يوما قول لبيد:
أخا لى أمّا كل شىء سألتهفيعطى وأمّا كلّ ذنب فيغفر
فقال: ذاك رسول الله صلى الله عليه.
وحدّثنى الريّاشىّ قال: أنشد منشد أبا بكر قول زهير فى هرم بن سنان:
أن نعم معترك الجياع إذاخبّ السفير وسابئ الخمر
ولنعم حشو الدّرع أنت إذادعيت نزال ولجّ فى الذّعر
ومرهّق النّيران يحمد فى اللأواء غير ملعّن القدر
وجعل أبو بكر ﵀ يقول عند كلّ بيت: ذاك رسول الله، حتى أنشده:
والسّتردون الفاحشات ومايلقاك دون الخير من ستر
أى يكون لك سترا دون الفاحشات من دون الخيرات. فقال: هكذا كان والله رسول الله صلى الله عليه. ثم قال: أشعر شعرائكم زهير.
النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٤٢١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع