تجاوز إلى المحتوى

من «الفاضل» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)

باب من الشعر (٢)

أنشدنى أبو عثمان المازنىّ:

وإنا لمشّاءون بين رحالناإلى الضّيف منّا لاحف ومنيم
فذو الحلم منا جاهل من ورائهوذو الجهل منا عن أذاه حليم

وقال آخر يصف ضيفا:

عوى فى سواد اللّيل بعد اعتسافهلينبح كلب أو ليفزع نوّم
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «ومستنبح تستكشط الريح ثوبه»
فجاوبه مستسمع الصوت للقرىله مع إتيان المهيبين مطعم
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «ومستنبح تستكشط الريح ثوبه»
يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلايكلّمه من حبّه وهو أعجم
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «ومستنبح تستكشط الريح ثوبه»

وقال أعرابى:

وعاو عوى شبه الجنون وما بهجنون ولكن كيد أمر يحاوله
فأوقدت نارى فاستضاء بضوئهاوأخرجت كلبى وهو فى السجن داخله
فلما رآها كبّر الله وحدهوبشّر قلبا كان جمّا بلابله
فلما أتاها قلت أهلا ومرحباتقدّم ولم أقعد إليه أسائله
فقمت إلى البرك الهجان أعودهابضربة حقّ لازم أنا فاعله
فجالت قليلا واتّقتنى بخيرهاسناما، وأدناها من الشحم كاهله
فأطعمته من لحمها وسنامهاشواء، وخير الخير ما كان عاجله
طعامين لا أسطيع بخلا عليهماجنى النحل والمغصوب تغلى مراجله

وقال آخر يصف ضيفا:

ومستنبح قال الصّدى مثل قولهحضأت له نارا لها حطب جزل
وقمت إليه مسرعا فغنمتهمخافة قومى أن يفوزوا به قبل
فأوسعنى حمدا وأوسعته قرىوأرخص بحمد كان كاسبه الأكل

وقال أبو كدراء العجلىّ:

يا أم كدراء مهلا لا تلومينىإنى كريم وإن اللوم يؤذينى
فإن بخلت فإن البخل مشتركوإن أجد أعط عفوا غير ممنون
ليست بباكية إبلى إذا فقدتصوتى ولا وارثى فى الحىّ يبكينى
بنى البناة لنا مجدا ومكرمةلا كالبناء من الآجرّ والطين

وقال عتبة بن بجير:

سأقدح من قدرى نصيبا لجارتىوإن كان ما فيها كفافا على أهلى
إذا أنت لم تشرك صديقك فى الّذىيكون قليلا لم تشاركه فى الفضل

وعلى ذلك قول الآخر:

ليس جود الأقوام عن فضل مالإنما الجود للمقلّ المواسى

وكذلك قول العتبىّ:

ليس العطاء من الكثير سماحةحتى تجود وما لديك قليل
للشاعر العتبي، اقرأ القصيدة

ومثل قول عتبة فى شعره ووصفه سعة قدره وإيثاره جاره على أهله قول بعض الأعراب:

وقدر إذا ما أنفض الناس أو فضتبأزفارها تومى إليها الأرامل

الزّفر: الحمل، يقول: إذا قل مال الناس لم يبخل بما كان يقيمه للأضياف المحتاجين إليه. وأوفضت أى وسّعت، ويقال أسرعت.

وحدّثنى المازنى عن أبى زيد قال: وصفت امرأة من سعد امرأة فقالت:

إنها لليّاء العنق، ممذاق السّقاء، منهاء القدر.

ليّاء العنق: كثيرة الالتفات إلى الأضياف. ممذاق السقاء، يقول: إذا قلّ لبنها مذقته بالماء ليتّسع على أضيافها، كما قال الشاعر:

نمدّهم بالماء لا لهوانهمولكن إذا ما قلّ شىء يوسّع

ومنهاء القدر، أى تعجّل إنزالها إلى أضيافها، ونظن أن قولها: منهاء القدر، من نهىء اللحم إذا كان نيئا.

وقال خالد بن عبد الله الطابى، ويقال لحاتم الطائى:

وعاذلة قامت علىّ تلومنىكأنى إذا أعطيت مالى أضميها
أعاذل إن الجود ليس بمهلكىولا يخلد النفس الشحيحة لؤمها
وتذكر أخلاق الفتى وعظامهمغيّبة فى اللّحد بال رميمها
ومن يبتدع خيما سوى خيم نفسهيدعه ويغلبه على النفس خيمها

وأنشد أبو زيد فى قصيدة لحاتم أوّلها:

ألا أرقت عينى فبتّ أديرها...............
وإنا نهين المال من غير ضنّةولا يشتكينا فى السّنين ضريرها
إذا ما بخيل الناس هرّت كلابهوشقّ على الضيف الغريب عقورها
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «ألا أرقت عيني فبت أديره»
فإنى جبان الكلب بيتى موطّأجواد إذا ما النفس شحّ ضميرها
للشاعر حاتم الطائي، اقرأ القصيدة
وإنّ كلابى قد أقرّت وعوّدتقليل على من يعتريها هريرها
وأبرز قدرى بالفناء قليلهايرى غير ممنون به وكثيرها
وليس على نارى حجاب يكنّهالمقتبس ليلا ولكن أثيرها
فلا وأبيك ما يظلّ ابن جارتىيطوف حوالى قدرنا ما يطورها
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «ألا أرقت عيني فبت أديره»
وما تشتكينى جارتى غير أنّنىإذا غاب عنها بعلها لا أزورها
سيبلغها خيرى ويرجع بعلهاإليها ولم تسدل علىّ ستورها

وقال حاتم أيضا:

وإنى لأستحيى حياء يشفّنىإذا القوم أمسوا مرملى الزاد جوّعا
وإنى لأستحيى أكيلى أن يرىمكان يدى من جانب الزاد أقرعا
أكفّ يدى من أن تنال أكفّهمإذا نحن أهوينا لمطعمنا معا
أبيت خميص البطن مضطمر الحشىحياء أخاف اللوم أن أتضلّعا
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «وإني لأستحيي صحابي أن يرو»
فإنك إن أعطيت بطنك سؤلهوفرجك نالا منتهى الذمّ أجمعا

وحكى أبو عبيدة وغيره- والخبر مشهور، فى ألفاظه اختلاف: أن حاتما الطائىّ لما أقام فى عنزة بأن قد فدى أسيرا لهم بنفسه، غاب الرجال مرة وبقى هو والنساء، نيط لبعير لهم. فقلن له: قم فافصد هذه الناقة، وأخذ الشفرة

فنحرها، فلطمته امرأة منهن وسبته، فقال: «لو غير ذات سوار لطمنى» أى لو لطمنى رجل! فقلن: أمرناك بأن تفصد فنحرتها! فقال: «هكذا فصدى [أنه] ».

وحدّثنى المازنى قال: سمعت العرب تقول: «لو غير ذات سوار لطمنى».

ويقول النحويون: «لطمتنى». فأخذت «غير» قول النحويين وتركت قول العرب.

وقال مالك بن أسماء:

قالت طريفة ما تبقى دراهمناوما بنا سرف فيها ولا خرق
للشاعر مالك بن أسماء الفزاري، اقرأ القصيدة
إنا إذا كثرت يوما دراهمناظلّت إلى سبل المعروف تستبق
للشاعر مالك بن أسماء الفزاري، اقرأ القصيدة
لا يألف الدرهم المنقوش صرّتناإلا لماما قليلا ثم ينطلق
للشاعر مالك بن أسماء الفزاري، اقرأ القصيدة
حتى يصير إلى نذل يخلّدهيكاد من صرّه إيّاه يمّزق
للشاعر مالك بن أسماء الفزاري، اقرأ القصيدة

وقال أعرابى: ما أبالى أصررت على حجر أم صررت على دنانير إذا كنت لا أنفقها.

وحدّثنى ابن عائشة عن بعض أشياخه قال: قال الأحنف بن قيس: بئس الرفيقان الدراهم والدنانير فإنهما لا ينفعانك حتى يفارقاك. وأنشدنى ابن عائشة:

عوّدت نفسى إذا ما الضيف نبّهنىعقر العشار على يسرى وإعسارى
وأترك الشىء أهواه ويعجبنىأخشى عواقب ما فيه من العار

وقال بعض المتقدّمين:

تغطّ بأثواب السّخاء فإننىأرى كلّ عيب فالسخاء غطاؤه
للشاعر صالح بن عبد القدوس، اقرأ القصيدة
وقارب إذا قاربت حرّا فإنمايزين ويزرى بالفتى قرناؤه
وأقلل إذا ما قلت قولا فإنهإذا قلّ قول المرء قلّ خطاؤه
إذا قلّ ماء الوجه قلّ حياؤهولا خير فى وجه إذا قلّ ماؤه
للشاعر برهان الدين القيراطي، اقرأ القصيدة
إذا قلّ مال المرء قلّ صديقهوضاقت عليه أرضه وسماؤه
إذا قلّ مال المرء لم يرض عقلهبنوه ولم يغضب له أقرباؤه
وأصبح لا يدرى وإن كان حازماأقدّامه خير له أم وراؤه
للشاعر يحيى بن أكثم، اقرأ القصيدة
إذا المرء لم يختر صديقا لنفسهفناد به فى الناس هذا جزاؤه

وقد أفضينا من هذا الباب إلى بعض ما قصدنا له مما يجانس الباب المتقدّم، ونبتدئ بباب من معانى الشعر المستحسنة، وبالله الحول والقوة.

النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٤٢١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الفاضل»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.