من «الفاضل» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)
باب من الشعر
أنشدنى المازنى لعبد الله بن الدّمينة الخثعمىّ:
ولما لحقنا بالحمول ودونهاخميص الحشا توهى القميص عواتقه
قليل قذى العينين نعلم أنّههو الموت إن لم تلق عنا بوائقه
عرضنا فسلّمنا فسلّم كارهاعلينا وتبريح من الغيظ خانقه
فسايرته مقدار ميل وليتنىبكرهى له ما دام حيّا أرافقه
فلما رأت أن لا وصال وأنّهمدى الصّرم مضروب علينا سرادقه
رمتنى بطرف لو كميّا رمت بهلبلّ نجيعا نحره وبنائقه
ولمع»
بعينيها كأن وميضهوميض الحيا تهدى لنجد شقائقه
وقال توبة بن الحميّر فى كلمة له:
لكلّ لقاء نلتقيه بشاشةوإن كان حولا كلّ يوم أزورها
وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعتفقد رابنى منها الغداة سفورها
وقد رابنى منها صدود رأيتهوإعراضها عن حاجتى وبسورها
ألا إنّ ليلى قد أجدّ بكورهاوزمّت غداة السبت للبين عيرها
فما أمّ سوداء المحاجر مطفلبأحسن منها مقلتين تديرها
وكنت إذا ما جئت قلت لها اسلمىفهل ترفى قولى «اسلمى» ما يضيرها!
قوله: وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت، كان النساء إذا أنكحن أبرزن وجوههنّ ليعلمن أن لا سبيل إليهنّ، وكذلك قال:
وقد رابنى منها الغداة سفورها
وقال فى هذه القصيدة:
وأشرف بالقور اليفاع لعلّنىأرى نار ليلى أو يرانى بصيرها
حمامة بطن الواديين ترنّمىسقاك من الغرّ العذاب مطيرها
أبينى لنا لا زال ريشك ناعماولا زلت فى خضراء دان بريرها
[وقال آخر]:
تعرّضن مرمى الصيد ثم رميننىمن النّبل لا بالطّائشات الخوالف
ضعائف يقتلن الرّجال بلا دمفيا عجبا للقاتلات الضعائف!
وللعين ملهّى فى التّلاد ولم يقدهوى النفس شىء كاقتياد الطّرائف
وقال آخر:
أروح ولم أحدث ليلى زيارةلبئس إذا راعى المودّة والوصل
تراب لأهلى لا ولا نعمة لهملشدّ إذا ما قد تعبّدنى أهلى
وقال الشّمردل اليربوعىّ:
وما أنصفت ذلفاء أمّا دنوّهافهجر وأما نأيها فيشوق
تباعد ممّن واصلت وكأنّهالآخر ممّن لا تودّ صديق
يقول: لتنفى الريبة عن نفسها.
وقال آخر:
وأعرض حتى يحسب الناس أنّمابى الهجر، لا ها الله! ما بى لك الهجر
ولكن أروض النفس أنظر هل لهاإذا فقدت يوما أحبّتها صبر
وقال آخر:
فإن كان هذا منك حقّا فإنّنىأداوى الذى بينى وبينك بالهجر
ومنصرف عنك انصراف ابن حرّةطوى ودّه والطىّ أبقى من النّشر
وقال أعرابىّ فصيح:
أيا ربوة الرّبعين حيّيت ربوةعلى النّأى منّا واستهلّ بك الرعد
قضيت الغوانى غير أن مودّةلذلفاء ما قضّيت آخرها بعد
فإن تدعى نجدا أدعه ومن بهوإن تسكنى نجدا فيا حبّذا نجد
فرى نائبات الدّهر بينى وبينهاوصرف الليالى مثلما فرى البرد
إذا قيل يوم الوعد أدنى لقائنافلا تعذلينى أن أقول متى الوعد؟
ولكثيّر:
وأنت التى حبّبت شغبا إلى بداإلىّ وأوطانى بلاد سواهما
حللت بهذا مرّة ثم مرّةبهذا فطاب الواديان كلاهما
وأنشدنى الرّياشى لذى الرمّة:
إذا ما امرؤ حاولن أن يقتتلنهبلا إحنة بين الصدور ولا ذحل
تبسّمن عن نور الأقاحىّ فى الثرىوفتّرن عن أبصار مكحولة نجل
وشفّفن عن أجياد غزلان رملةهجان فكان القتل أو شبه القتل
وإنّا لنرضى حين نشكو بخلوةإليهنّ حاجات النفوس بلا بذل
وما الفقر أزرى عندهنّ بوصلناولكن جرت أخلاقهنّ على البخل
وأنشدنى الرياشىّ لذى الرّمة:
لعمرى لوجه الأرض إذا أنتم بهأشدّ اغتباطا بالأنيس وأخصب
من الأرض إذ فارقتموها وبدّلتبكم غير من أهوى وللماء أعذب
وفى الركب جثمانى ونفسى رهينةبزينب لم أذهب بها حيث أذهب
وأنشدنى مسعود بن بشر لمعروف بن زريق:
ولست بناسيها عشيّة فتّلتأناملها وارفضّ منها المدامع
وأترابها اللّاتى يقلن اقتتلنهفما لنواه بعد ذا اليوم جامع
فقلت اقتلا قتلا رفيقا وأجملافعال امرئ يوما به الموت واقع
فقالت وبيت الله لا تقتلانهولكن سلاه لى متى هو راجع
وقال الصّمة بن عبد الله القشيرىّ:
ألا من لقلب قد أصيبت مقاتلهبه غلّة عادية ما تزايله
ومعتصب بالبين لم تستطع لهكلاما ولم تصرم لبين حبائله
وقال آخر:
لو انّ لك الدنيا وما عدلت بهاسواها وليلى بائن عنك بينها
لكنت إلى ليلى فقيرا ولو جرتعليك تناعيم الحياة ولينها
وقال آخر:
لعلّك يوما أن ترى أمّ واهبويجمعنا من نخلتين طريقى
وتنضمّ أعناق المطىّ وبيننالغى من حديث دون كل رفيق
وقال كثيّر:
رأيت وعينى قرّبتنى لما ترىإليها وبعض العاشقين قتول
عيونا جلاها الكحل أمّا ضميرهافعفّ، وأما طرفها فجهول
فسلك العباس بن الأحنف هذا المعنى فى شعره:
أتأذنون لصبّ فى زيارتكمفعندكم شهوات السمع والبصر
لا يضمر السوء إن طال الجلوس بهعفّ اللسان ولكن فاسق النظر
وقال كثير:
رمتنى على قرب بثينة بعد ماتولّى شبابى وارجحنّ شبابها
بعينين لو أبدتهما ثم كلّمتسحاب الثريّا لاستهل سحابها
وأنشدنى التّوزىّ عن الأصمعىّ:
من ذا رسول ناصح فمبلّغعنّى عليّة غير قيل الكاذب
أنى غرضت إلى تناصف وجههاغرض المحبّ إلى الحبيب الغائب
قال الأصمعى: سألت عيسى بن عمر عن التناصف فقال: هو أن تكون العينان مثل الأنف فى الحسن. قال ويقال: غرضت إلى لقائك وجعت وعطشت، وإنى إليك لأصور، وإنى إليك لملتاح، وإنى لأجاد إلى لقائك. وقال:
وإنى لأمضى الهمّ عنها تجمّلاوقلبى إلى أسماء عطشان جائع
وقال الأقرع بن معاذ:
سلام على من لا يملّ حديثهوإن عاشرته النفس عصرا إلى عصر
وما الشمس يوم الدّجن وافت فأشرقتوما البدر وافى تمّه ليلة البدر
بأحسن منها بل تزيد ملاحةبذى السّرح أو وادى المياه خيامها
إذ ابتسمت فى الليل والليل مظلمأضاء دجى الليل البهيم ابتسامها
النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٤٢١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع