من «الفاضل» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)
باب الشكر للصنائع
يروى من غير وجه سمعنا أن علىّ بن أبى طالب رضوان الله عليه قال:
لا يزهّدنّك فى المعروف من لا يشكرك عليه، فقد شكرك عليه من لم يستمتع منك بشىء، وقد يدرك من شكر الشاكر أكثر مما أضاع منه الكافر. وكان من دعائه:
الحمد لله أحمده معترفا بالتقصير فى شكره، وأستغفره طامعا فى عفوه، وأتوكّل عليه فاقة إلى كفايته. وكان يقول: لا تكونّن كمن يعجز عن شكر ما أوتى، ويطلب
المزيد، يأمر الناس بما لا يأتى، يحبّ الصالحين ولا يعمل بأعمالهم، ويكره المسيئين وهو منهم، يكره الموت لكثرة ذنوبه، ولا يدعها فى حياته. وجاء فى الحديث أنّ رسول الله ﷺ قال: «إن الله ﷿ ليحمد العبد إذا قال الحمد لله»، فلذلك قال محمود الورّاق فى هذا المعنى:
إذا كان شكرى نعمة الله نعمةعلىّ له فى مثلها يجب الشكر
فكيف بلوغ الشكر إلّا بفضلهوإن طالت الأيّام واتّصل العمر
إذا مسّ بالسرّاء عمّ سرورهاوإن مسّ بالضراء أعقبها الأجر
وما منهما إلّا له فيه نعمةتضيق بها الأوهام والبرّ والبحر
فهذا معنى لطيف، يعنى أن الله ﷿ لا يحمد إلّا بتوفيق يجب أن يحمد على توفيقه، ثم وجب فى الحمد الثانى ما وجب فى الحمد الأوّل، ثم إلى ما لا نهاية له.
ويروى فى الخبر أن داود ﵇ قال: إلهى كيف لى أن أشكرك وأنا لا أصل إلى شكرك إلّا بنعمتك! فأوحى الله ﷿ إليه: أن يا داود، ألست تعلم أن الّذى بك من النعم هو منّى! قال: بلى يا ربّ، قال: فأنى أرضى بذلك منك شكرا.
فلو كان يستغنى عن الشكر ماجدلعزّة مجد أو علوّ مكان
لما أمر الله العباد بشكرهفقال اشكروا لى أيها الثقلان
وكان يقال: كثرة الامتنان من النعم تهدم الصنيعة وتكدّر المعروف. وكان يقال:
من كفر النعمة كتمانها من المنعم عليه، ومن تكديرها إظهارها من المنعم. فعلى المنعم أن لا يمتنّ، وعلى المنعم عليه أن لا يكفر، وأنشد:
زاد معروفك عندى عظماأنّه عندك مستور حقير
تتناساه كأن لم تأتهوهو عند الله مشكور كبير
وقال آخر:
لأشكرنّك معروفا هممت بهإنّ اهتمامك بالمعروف معروف
ولا ألومك إن لم يمضه قدرفالشىء بالقدر المجلوب مصروف
وكان معاوية يقول: من همّ بالمعروف ثم عجز عنه فقد وجب شكره، ويروى عن سليمان التّيمى أنه قال: إن الله أنعم على العباد بقدر قدرته، وكلّفهم من الشكر بقدر طاقتهم. وشكر أعرابىّ رجلا أولاه جميلا فقال له: لا ابتلاك الله ببلاء يعجز عنه صبرك، وأنعم عليك نعمة يعجز عنها شكرك. وكان عمر بن عبد العزيز يقول: قيّدوا النعم بالشكر، والعلم بالكتابة. وقالت هند بنة المهلّب: اغتنموا شكر النعمة قبل زوالها. وقال محمود الورّاق:
أعارك ماله لتقوم فيهبطاعته وتقضى فضل حقّه
فلم تشكره نعمته ولكنقويت على معاصيه برزقه
تجاهره بها عودا وبدءاوتستخفى بها من شرّ خلقه
وقال بعض الظرفاء:
وزهّدنى فى كلّ خير فعلتهإلى الناس ما جرّبت من قلّة الشكر
إذا أنت لم تنظر لنفسك حظّهاأحاطت بك الأشياء من حيث لا تدرى
وكان الناس يحبّون أن يحمدوا على ما أولوا، وأن يظهروا الشكر لهم على ما قدّموا، وأن يكون ذلك فى غير وجوههم. ويروى أن أعرابيّا دخل على هشام بن عبد الملك فأثنى عليه، فقال: إنا لا نحب أن نمدح فى وجوهنا، قال: لست أمدحك، ولكنى أحمد الله فيك، وأنشد:
شكرى كفعلك فانظر فى عواقبهتعرف بفضلك ما عندى من الشّكر
وقال آخر:
فلو كان للشكر شخص يبينإذا ما تأمّله الناظر
لمثّلته لك حتى تراهفتعلم أنّى امرؤ شاكر
وقال آخر:
كنت أثنى على معاوية الأوسىّ قبل العطاء خير الثناء
فأرانى بعد البلاء تناهيت وخير الثناء بعد البلاء
ويروى أن رسول الله ﷺ قال: «قال لى جبرائيل ﵇: من أسديت إليه معروفا فكافأ فذاك، ومن عجز عن ذلك فأثنى فقد كافأ». وأنشد:
ثمن الصنيعة شكر صاحبهاوالشكر شىء ما له ثمن
وقال آخر:
ولا يشترى الحمد أمنيّةولا يشترى الحمد بالمقصر
ولكنّه يشترى غاليافمن يعط أثمانه يشتر
ومن يعتطفه على مئزرفنعم الرداء على مئزر
ويروى أن عبد الله بن العباس- وكان من الأجواد- أمر لسائل سأله بعشرة آلاف درهم، فصبّت فى حجره فتخرّق ثوبه، فبكى، فقال له: أعلى قميصك تبكى؟
فقال: لا والله ولكن على ما يأكل التراب منك، فقال: شكرك أحسن من صنيعتنا، يا غلام أعطه مثلها. ويروى عن بعض الحكماء أنه قال: من شكر استحقّ الإحسان، ومن أحسن استحقّ الشكر. ولقد أحسن أبو نواس حيث يقول فى كلمة له:
أنت امرؤ طوّقتنى منناأوهت قوى شكرى فقد ضعفا
لا تسدينّ إلىّ عارفةحتّى أقوم بشكر ما سلفا
وقال آخر:
سأشكر عمرا ما تراخت منيّتىأيادى لم تمنن وإن هى جلّت
فتى غير محجوب الغنى عن صديقهولا مظهر الشكوى إذا النعل زلّت
رأى خلّتى من حيث يخفى مكانهافكانت قذى عينيه حتى تجلّت
إذا استقبلت منه المودّة أقبلتوإن غمزت منه القناة اكفهرّت
وقال آخر:
شكرتك إنّ الشكر منّى سجيّةوما كلّ من أوليته نعمة يقضى
ونبّهت من ذكرى وما كان خاملاولكنّ بعض الذكر أنبه من بعض
وقال آخر:
جلّت أياديك عن الذكرفحار فى معقولها شكرى
ما تنقضى منك يد ثيّبحتى تثنّى بيد بكر
فالشكر فى عرفك مستهلككقطرة فى لجّة البحر
لم يعف معروفك عندى ولايعفو إلى المبعث والحشر
وشكر أعرابى رجلا فقال: ذاك من شجر لا يخلف ثمره، ومن ماء لا يخاف كدره. وشكر آخر رجلا فقال: الحمد لله على توفيقه إيّاك فى إعطائى، وعلى توفيقه إيّاى فى مسألة مثلك، أعاشك الله صالحا. وقال بعض الحكماء: الشكر بالغ ما بلغ أدقّ من الصنيعة كائنة ما كانت، لأن الشكر فرع من فروع الصنيعة، ولها وعنها كان، ولولا الصنيعة لم يكن شكر.
قد أردنا أن نصل كتابنا بما شرطناه على أنفسنا من ذكر ما ينتفع به من يأخذه عنّا، وينشره من ينسبه إلينا، وقد أتينا منه بعض ما أردنا وقصدنا، وكرهنا الإطالة، وخفنا على قارئه السآمة، وأشفقنا أن يبلغ به حدّ المجاوزة، فإن الإكثار سرف، كما أن التقصير عجز. ويروى عن بعض الحكماء أنه قال: من أطال الحديث عرّض أصحابه للسآمة وسوء الاستماع.
ونحن خاتمو كتابنا هذا بباب يشتمل على فنون من الآداب، ويتضمّن بعض ما نستحسنه من الأخبار والأشعار التى يشاكل بعضها بعضا، ونضيف إلى ذلك من العظات الموجزة، والأمثال السائرة، والأشعار الموزونة. وبالله الحول والقوّة.
النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٤٢١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع