تجاوز إلى المحتوى

من «الفاضل» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)

باب [فى بعض أخبار المعمرين وأشعار العرب المحدثين فى ذم الشيب وفقد الشباب]

نذكره ونشرح فيه بعض أخبار المعمّرين وأشعار العرب المحدثين فى ذمّ الشيب وفقد الشباب، ومدح من مدح شيبه وذمّ من ذمّه، ووصف إسراعه إليه وتغييره إياه على كثرة ذلك وتفاوته، ونفضّل ما نحكيه من ذلك، ولم اخترنا ما اخترناه.

وبالله الحول والقوة.

حدّثنى الرياشىّ عن الأصمعى قال: كان ربيعة بن نزار يحمل أخاه مضر على عنقه ويقول: اللهم بلّغ به، وكان أكبر منه بنحو من خمسين سنة.

وحدّثنى الرياشىّ عن الأصمعىّ عن أبى عمرو بن العلاء قال: قيل لشيخ قد ذهب منه المأكل والمشرب والنكاح: هل تشتهى أن تموت؟ قال: لا، فقيل له:

فما تشتهى؟ قال: أشتهى أن أعيش وأسمع الأعاجيب.

وأنشدنى الرياشىّ لعلىّ بن الغدير الغنوى:

وهلك الفتى ألّا يراح إلى النّدىوألّا يرى شيئا عجيبا فيعجبا

وحدّثنى الرياشىّ عن أبى عمرو بن العلاء قال: [قيل] لشيخ قد بلغ ثلاثين ومائتى سنة: كيف رأيت عيشك؟ قال: عشت مائة سنة لا أصدّع، وأصابنى فى الثلاثين والمائة ما يصيب الناس.

وحدثنى الرياشىّ قال: سمعت الأصمعى يقول قال أبو عمرو: عاش المستوغر ابن ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم عشرين وثلاثمائة سنة. وزعموا أن سعدا تناسلت فى شيبه. وسمعت ابن العجاج قال: مرّ المستوغر بن ربيعة يقود ابن ابنه بعكاظ، فقيل: من ذا؟ قال: ابن ابنى، قالوا: وما رأينا كاليوم فى الكذب مثلك قط، لو كنت المستوغر ما زاد، قال: فأنا المستوغر. وفى حديث آخر: فلما رأوه يقوده ظنّوا أنه أبوه فقالوا: ارفق به فطالما رفق بك، فقال: إنه ابن ابنى.

ويروى من غير وجه أن معاوية قال لجلسائه: أشتهى أن أرى رجلا قد لقى الناس، وسمع الأعاجيب، ورأى من كان قبلنا يحدّثنا عن زمانه، وأين زماننا مما مرّ عليه.

فقيل له: ذاك رجل بحضرموت، فأتى به، فأقبل عليه فقال له: ما اسمك؟ قال: أمد، قال ابن من؟ قال: ابن أبد، قال: كم أتى عليك من السنّ؟ قال: ثلاثمائة وستون سنة، قال: كذبت، وتشاغل عنه بغيره. ثم أقبل عليه فقال له: ما اسمك؟ قال:

أمد، قال: ابن من؟ قال: ابن أبد، قال: كم أتى عليك من السنين؟ قال:

ثلاثمائة وستون سنة، قال: فحدّثنا عما رأيت من الأزمنة، أين زماننا منها؟ قال:

وكيف تسأل رجلا يكذب؟ قال: أحببت أن أعرف مقدار عقلك، قال: يوم شبيه بيوم، وليلة شبيهة بليلة، ولد مولود، ووالد مفقود، فلولا من يولد لم يبق على ظهرها أحد، ولولا من يموت لم يسعهم بلد، قال: ما كانت صناعتك؟ قال:

كنت تاجرا، قال: فما بلغت فى تجارتك؟ قال: كنت لا أشترى غبنا، ولا أردّ ربحا، قال: سلنى حاجتك، قال: أسألك أن تدخلنى الجنة، قال: ليس ذاك إلىّ، قال: فأسألك أن تردّ إلىّ شبابى، قال: ولا ذاك إلىّ. قال:

فلست أرى بيدك شيئا من أمور الدنيا والآخرة، قال: هو والله ذاك، قال:

فارددنى من حيث جئت، ففعل به ذلك.

ويروى أنه مكتوب فى الحكمة: من بلغ السبعين اشتكى من غير علّة.

وأنشدت عن الزّبير.

أرجّى شبابا بعد تسعين حجّةلهنّى لا فى مطمع لطموع

وقال آخر:

هزئت أسماء منى وقالتأنت يا بن الموصلىّ كبير
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة
ورأت شيبا علانى فصدّتوابن ستّين بشيب جدير

وقال أحد المحسنين، وهو النّمر بن تولب:

كانت قناتى لا تلين لغامزفألانها الإصباح والإمساء
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «كانت قناتي لا تلين لغامز»
ودعوت ربّى بالسلامة جاهداليصحّنى فإذا السلامة داء
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة

وقال بعض الأعراب:

وللكبير رثيات أربعالرّكبتان والنّسا والأخدع
ولا يزال رأسه يصّدّعوكلّ شىء بعد ذاك ييجع

وقال الهيثم بن عدىّ: لقى رجل الهيثم بن الأسود فقال له: كيف تجدك

يا أبا العريان؟ قال: أجدنى صالحا، وأصبحت على ذاك قد ابيضّ منى ما كنت أحبّ أن يسودّ، واسودّ منى ما كنت أحبّ أن يبيضّ، واشتدّ منى ما كنت أحبّ أن يلين، ولان منى ما كنت أحبّ أن يشتدّ، ثم قال:

إنى سأنبيك بآيات الكبرتقارب المشى وضعف فى البصر
وقلة النوم إذا الليل اعتكروقلة الطّعم إذا الزاد حضر
للشاعر المُستَوغِر، اقرأ القصيدة
وتركى الحسناء فى قبل الطّهروكثرة النسيان فيما يدّكر
والناس يبلون كما يبلى الشجرفهذه أعلام آيات الكبر

وقال أعرابى:

لا بارك الله على وجه الكبرفإنه يأمر للمرء بشرّ

وخبث ريح وبياض فى الشّعر

وقال آخر:

إنى وإن أفنى الزمان نحضىوأسرعت أيامه فى نقضى
بمنحفات وأمور تمضىحتّى حنت طولى وضمّت عرضى
وابتزّنى بعضى وأبقى بعضىوقصرت رجلاى دون الأرض
وهمّ أهل ثقتى برفضىينفع حبّى ويضرّ بغضى

وقال آخر:

قد صرت يا عمرو كأنّى نقضتسوّر الشّيب وخفّ النّحض
وصار قدّام قيامى نهضوصار لا يحمل بعضى بعض

يقول: تسوّر الشيب وأنا غافل، أى كما يفعل اللّص، أى تقحم. وقوله: قدّام قيامى نهض. يقول: إذا أردت أن أقوم نؤت أوّلا ثم استقللت، أى صرت كبيرا لا أستقل بنهضتين ولا ثلاث.

وحدّثنى التوّزىّ قال: رأى رجل من العرب بنيه يركبون الخيل باقتدار، فأعجبه ذلك منهم، فحاول مثل ذلك مرّة أو مرتين، فأعجزه الوثوب، فقال: من سرّه بنوه ساءته نفسه. وقال بعضهم:

يموت منّى كلّ يوم شىّوأنا فى ذاك صحيح حىّ
وكم عسى ما قد يدوم الفىّوآخر الداء العياء الكىّ

وحدّثنى الرياشىّ- ولا أحفظ عمن حدّثنيه- قال: دخل أبو الأسود الدّئلىّ على عبيد الله بن زياد فقال يهزأ به: يا أبا الأسود، لو علّقت عليك تميمة! فإنك جميل الوجه، فقال أبو الأسود:

أفنى الشباب الذى أفنيت جدّتهمرّ الجديدين من آت ومنطلق
لم يتركا لى فى طول اختلافهماشيئا يخاف عليه لذعة الحدق
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «أفنى الشباب الذي فارقت بهجته»

وأنشد:

من يشترى شيخين منّى بفتىإنّ الشيوخ فيهم كلّ أذى

قال أبو العباس: كانت العرب تذكر الشيب فى أشعارها إمّا مدحا وإما ذمّا، وشعرهم فى ذمّه أكثر منه فى مدحه. ويروى أنه قيل: ما بال شعركم فى الشيب أحسن أشعاركم فى سائر قولكم؟ قالوا: لأنا نقوله وقلوبنا قرحة.

وقال يونس النحوى: ما بكت العرب على شىء بكاءها على الشباب، وما بلغت به كنه ما يستحقّ. ويروى أن بعضهم رأى يوما شيبة فى رأسه فقال: شرّ بديل وخير مبدول. وقال ابن قيس الرّقيّات:

رأت بى شيبة فى الرأس منى ما أغيّبها
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة
فقالت: أبن قيس ذا؟وبعض الشيب يعجبها

أى تتعجّب منه، ليس أنها معجبة به. وأنشدنى أبو العالية:

يا ربّ بيضاء على مهشّمهأعجبها أكل البعير الينمه

بيضاء: امرأة. ومهشّمة: موضع، أعجبها أى تعجّبت منه، كما قال الجعدىّ يصف ثورا:

فأراه صورة تعجبه

وقال النمر بن تولب:

لعمرى لقد أنكرت نفسى ورابنىخلائق منها لم تكن من شمائلى
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة
مطاوعتى من كنت لست أطيعهوأنى أرى بثّى عن اللهو شاغلى
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة
وبدّل رأسى الشيب بعد سوادهفأصبحت ذا شغل وأقصر باطلى
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة
وأصبحت قد أعرضن عنى وسؤننىوأخلفننى عهد الخليل المماطل
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة
ألا إن شيب الرأس ليس بأفةتضيرك إلا فى النساء الجواهل
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة

وحدّثنى الرياشى قال: تزوّج عبد الله بن عامر بأم كلثوم بنت معاوية، فنظر إلى وجهه فى المرآة مع وجهها فرأى شيبة فى لحيته، فقال لها: أيتها المرأة، الحقى بأهلك،

فلما جاءت إلى أبيها قال لها: لعلك أسأت عشرة زوجك، قالت: لا والله يا أمير المؤمنين، ما أدرى لم طلّقنى؟ فوجّه إليه معاوية فأحضره، فقال: ما أنكرت من أهلك؟

قال: لا شىء والله يا أمير المؤمنين، إلا أنى نظرت إلى وجهى ووجهها فى المرآة، فرأيت شيئا قد ظهر بى، فكرهت أن يفسد شبابها معى، فطلقتها لتتمتّع بالأزواج.

وقال جرير فى كلمة له:

يا قلّ خير الغوانى كيف رعن بهفشربه وشل فيهنّ تصريد
للشاعر الأخطل، من قصيدة «بانت سعاد ففي العينين تسهيد»
أعرضن من شمط فى الرأس مشتعلفهنّ عنى إذا أبصرننى حيد
قد كنّ يعهدن منّى مضحكا حسناومفرقا حسرت عنه العناقيد
للشاعر الأخطل، من قصيدة «بانت سعاد ففي العينين تسهيد»
فهنّ ينشدن منى بعض معرفةوهن بالودّ لا بخل ولا جود
قد كان عهدى حديثا فاستبدّ بهوالعهد متّبع ما فيه منشود
فقلن لا أنت بعل يستقاد لهولا الشباب الذى قد فات مردود
كأنما باتت الصّردان تنتفهحتى تطاير عنه طيره السود
هل الشباب الذى قد فات مردودأم هل دواء يردّ الشيب موجود
للشاعر الأخطل، من قصيدة «بانت سعاد ففي العينين تسهيد»
لن يرجع الشّيب شبّانا ولن يجدواعدل الشباب لهم ما أورق العود
للشاعر الأخطل، من قصيدة «بانت سعاد ففي العينين تسهيد»
إن الشباب لمحمود بشاشتهوالشيب منصرف عنه ومصدود
للشاعر الأخطل، من قصيدة «بانت سعاد ففي العينين تسهيد»

وأنشدنى مسعود بن بشر:

قعد الشيب بى عن اللّذّاتورمانى بجفوة القينات
فإذا رمت ستره بخضابفضحته طلائع الناصلات
ما رأيت إلّا الشباب إلّا سراباغرّنى لمعه بأرض فلاة
فإذا ما دعاك للكأس داعقيل ما للكبير والنّشوات
لست بعد الشباب ألتذّ بالعيدش فدعنى بغصّة العبرات
إنّ فقد الشباب أنزلنى بعدك دار الهموم والحسرات
ورمانى بحادث الدهر شيبقارعتنى أيّامه عن حياتى

وقال الطائى:

أرى ألفات قد كتبن على راسىبأقلام شيب فى صحائف أنقاسى
فأن تسألينى من يخطّ كتابهافكفّ الليالى تستمدّ بأنفاسى
جرت فى قلوب الغانيات لشقوتىقشعريرة من بعد لين وإيناس
وقد كنت أجرى فى حشاهنّ مرّةمجارى معين الماء فى قضب الآس
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أرى ألفات قد كتبن على راسي»

وقال أبو العتاهية فى مثل قوله:

فكفّ اللّيالى تستمدّ بأنفاسى

الشيب كره وكره أن يفارقنىأعجب بشىء على البغضاء مودود
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «الشيب كره وكره أن يفارقني»
يمضى الشباب وقد يأتى له خلفوالشيب يذهب مفقودا بمفقود
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «الشيب كره وكره أن يفارقني»

ومثله قول الآخر وهو علىّ بن محمد العلوىّ:

لعمرك للمشيب علىّ ممّافقدت من الشباب أشدّ فوتا
للشاعر الحماني الكوفي، اقرأ القصيدة
تملّيت الشباب فصار شيباوأبليت المشيب فصار موتا
للشاعر الحماني الكوفي، اقرأ القصيدة

وقال الحسن: الشباب الصحة، والسلطان المال، والعزّ الغنى عن الناس.

وأنشدنى مسعود بن بشر فى مدح الشيب لكثيّر فى عبد الملك بن مروان:

رأيت أبا الوليد غداة جمعبه شيب وما فقد الشبابا
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «رأيت أبا الوليد غداة جمع»
ولكن تحت ذاك الشيب حزمإذا ما ظن أمرض أو أصابا
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «رأيت أبا الوليد غداة جمع»

وقال إبراهيم بن المهدى:

يقولون هل بعد الثلاثين ملعبفقلت وهل قبل الثلاثين ملعب!
للشاعر يزيد بن مفرغ الحميري، اقرأ القصيدة
لقد جلّ قدر الشّيب إن كان كلّمابدت شيبة يعرى من اللهو مركب
للشاعر يزيد بن مفرغ الحميري، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

ألقى عصاه وأرخى من عمامتهوقال ضيف فقلت الشّيب قال أجل
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «ألقى عصاه وأرخى من عمامته»
فقلت أخطأت دار الحىّ قال ألاتمّت لك الأربعون الحول ثم نزل
لله شيب رمى قلبى بلوعتهكأنما اعتمّ منه مفرقى بجبل

وأنشد إسحاق:

كان الشباب كخضاب فنصلواختاره الشيب محلّا فنزل
فأزعج الشيب الشباب فارتحلوالشيب داء قاتل وإن مطل

ولأبى العتاهية:

يا خاضب الشيب بالحنّاء تسترهسل المليك له سترا من النار
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «يا خاضب الشيب بالحناء تستره»
لن يرحل الشيب عن دار ألمّ بهاحتى يرحّل عنها صاحب الدار
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «يا خاضب الشيب بالحناء تستره»

وكان الخضاب يستحبّ. وقد خضب أبو عبد الله الحسين بن علىّ صلوات الله عليهما. ويروى أنّ قائلا قال للرضىّ: أأخضب؟ قال: نعم، بالحنّاء والخطر، ثم قال: أما علمت أن لك فى ذلك أجرا؟ قال: وكيف؟ قال: ألا تعلم أنها تحبّ أن ترى منك مثل الذى تحبّ أن ترى منها؟ لقد خرج نساء من العفّة ما أخرجهن إلّا قلّة هيئة أزواجهن لهن. قال وأنشد:

الشيب زهّد فيك من تصلولقد جفا بك بعده الغزل
ولذاك ما قالت لجارتهاهيهات شيّخ بعدنا الرجل
قولى له يختار بى بدلامن حيث شاء فلى به بدل

وقال آخر:

رأين الغوانى الشيب لاح بعارضىفأعرضن عنّى بالحدود النواضر
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «رأين الغواني الشيب لاح بعارضي»
وكنّ إذا أبصرننى [أ] وسمعن بىسعين فرقّعن الكوى بالمحاجر

وقال محمد بن عبد الملك الزيات يشتكى مصابه ويذكر فجيعته ويبكى على زمانه:

عريت من الشباب وكنت غضّاكما يعرى من الورق القضيب
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «بكيْتُ على الشّبابِ بدمعِ عيني»
ونحت على الشباب بدمع عينىفما نفع البكاء ولا النحيب
فيا أسفا أسفت على شبابنفاه الشيب والرأس الخضيب
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «بكيت على الشباب بدمع عيني»
ألا ليت الشباب يعود يومافأخبره بما فعل المشيب

النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٤٢١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الفاضل»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.