من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)
العفيف التلمساني
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
سليمان بن علي بن عبد الله بن علي، الشيخ الأديب البارع عفيف الدين التلمساني؛ كان كوفي الأصل، وكان يدعى العرفان ويتكلم على اصطلاح القوم. قال قطب الدين اليونيني: رأيت جماعة ينسبونه إلى رقة الدين والميل إلى مذهب النصيرية. وكان حسن العشرة كريم الأخلاق، له حرمة ووجاهة، وخدم في عدة جهات.
وقال الجزري في تاريخه: إنه عمل ببلاد الروم أربعين خلوة، يخرج من واحدة ويدخل في أخرى، وله في كل عام تصنيف، وشرح الأسماء الحسني وشرح منازل السائرين وشرح مواقف النفري.
وحكى بعضهم قال: طلعت يوم قبض فقلت له: كيف حالك؟ قال: بخير، من عرف الله كيف يخافه؟ والله منذ عرفته ما خفته، وأنا فرحان بلقائه.
قال الشيخ صلاح الدين الصفدي: وحكى لي الشيخ ابن طي الحافي قال: كان عفيف الدين يباشر استيفاء الخزانة بدمشق، فحضر الأسعد بن السديد الماعز إلى دمشق صحبة السلطان الملك المنصور، قال له يوماً؛ يا عفيف الدين، أريد منك أن تعمل لي أوراقاً بمصروف الخزانة وحاصلها، قال: نعم، وطلبها منه مرة أخرى ومرة وهو يقول: نعم، فقال له في الآخر: أراك كلما اطلب منك الأوراق تقول لي نعم، وأغلظ له في القول، فغضب الشيخ عفيف الدين وقال له: والك لمن تقول هذا الكلام؟ يا كلب يا ابن الكلب يا خنزير، وهذا من عجز المسلمين وإلا لو بصقوا عليك بصقة لأغرقوك، ثم شق ثيابه وقام يهم بالدخول على السلطان، فقام الناس إليه وقالوا: هذا ما هو كاتب وهذا الشيخ عفيف الدين التلمساني، وهو معروف بالجلالة والإكرام بين الناس، ومتى دخل إلى السلطان آذاك، فسألهم دره وقال له: يا مولانا ما بقيت أطلب منك لا أوراقاً ولا غيرها.
وقال الشيخ أثير الدين: المذكور أديب ماهر جيد النظم، تارة يكون شيخ صوفية وتارة كاتب وتارة مجرد، قدم علينا بالقاهرة، ونزل بخانقاه سعيد السعداء عند صاحبه شيخها الشيخ شمس الدين الأيكي، وكان متنجلاً في أقواله وأفعاله طريقة ابن العربي؛ انتهى قول أثير الدين.
وتوفي الشيخ عفيف الدين بدمشق في شهور سنة تسعين وستمائة، ودفن بمقابر الصوفية؛ ومن نظمه:
وقفنا على المغنى قديماً فما أغنىولا دلت الألفاظ منه على معنى
وكم فيه أمسينا وبتنا بربعهحيارى وأصبحنا حيارى كما بتنا
ثملنا وملنا والدموع مدامناولولا التصابي ما ثملنا ولا ملنا
فلم نر للغيد الحسان بهم سناوهم من بدور التم في حسنها أسنى
نسائل بانات الحمى عن قدودهمولا سيما في لينها البانة الغنا
ونلثم ترب الأرض أن قد مشت بهاسليمى ولبنى لا سليمى ولا لبنى
فوا أسفا فيه على يوسف الحمىويعقوبه تبيض أعينه حزنا
وليس الشجي مثل الخلي لأجل ذابه نحن نحنا والحمام به غنى
ينادي مناديهم ويصغي إلى الصدىفيسألنا عنهم بمثل الذي قلنا وله أيضاً:
ندى في الأقحوانة أم شرابوطل في الشقيقة أم رضاب
فتلك وهذه ثغر وكأسلذا ظلم وفي هذي شراب
وخضر خمائل كجسوم غيدٍقد انتشقت فراق بها الخضاب
يريك بها الشقيق سواد هدبٍوحمرة وجنةٍ فيها التهاب
وورق حمائم في كل فنٍإذا نطقت لها لحن صواب
لها بالطل أزرار حسانوأطواق ومن ورقٍ ثياب
كأن النهر سيف مشرفيله في كف صيقله اضطراب
تجرده يمين الشمس طوراًوطوراً بالظلال له قراب
يعاب السيف إذا في جانبيهفلول وهو منها لا يعاب
فإن قلت الحباب انساب ذعراًورمت الرقش صدقك الحساب
وللأغصان هينمة تحاكيحبائب رق بينهما العتاب
وله من أبيات:
وفي الحي هيفاء المعاطف لو بدتمع البان كان الورق فيها تغنت
عجبت لها في حسنها إذ تفردتلأية معنىً بعد ذاك تثنت وله أيضاً:
أفدي التي ابتسمت وهناً بكاظمةفكان منها هدى الساري بنعمان
وواجهتها ظباء الرمل فاكتسبتمنها محاسن أجياد وأجفان
يسري النسيم بعطفيها فيصحبهلطفاً يميل غصون الرند والبان
مرت على جانب الوادي وليس بهماء ففاض بدمعي الجانب الثاني
موهت عنها بسلمى واستعرت لهامن وصفها فاهتدى الشاني إلى شاني
تجني علي وما أحلى أليم هوىًفي حبها حين ألجاني إلى الجاني وقال أيضاً:
إن كان قتلي في الهوى يتعينيا قاتلي فبسيف طرفك أهون
حسبي وحسبك أن تكون مدامعيغسلي وفي ثوب السقام أكفن
عجباً لخدك وردةً في بانةٍوالورد فوق البان ما لا يمكن
أدنته لي سنة الكرى فلثمتهحتى تبدل بالشقيق السوسن
ووردت كوثر ثغره فحسبتنيفي جنةٍ من وجنتيه أسكن
ما راعني إلا بلال الخال فوق الخد في صبح الجبين يؤذن
فنشرت من خوف الصباح ذؤابةهي كالدجى وظللت فيها أكمن
يا نظرة كم رمت أسرق أختهامن مقلةٍ هي للنعاس معيدن وقال أيضاً:
رياض بكاها المزن فهي بواسموناحت لغير الحزن فيها الحمائم
وأودعت الأنواء فيهن سرهافنمت عليهن الرياح النواسم
يبيت الندى في أفقها وهو ناثرويضحي على أجيادها وهو ناظم
كأن الأقاحي والشقيق تقابلاخدود جلاهن الصبا ومباسم
كأن بها للنرجس الغض أعيناًتنبه منها البعض والبعض نائم
كأن ظلال القضب فوق غديرهاإذا اضطربت تحت الرياح أراقم
كأن غناء الورق ألحان معبدٍإذا رقصت تلك القدود النواعم
كأن نثار الشمس تحت غصونهادنانير في وقتٍ ووقت دراهم
كأن ثماراً في غصون توسوستلعارض خفاق النسيم تمائم
كأن القطوف الدانيات مواهبففي كل غصن ماسن في الدوح حاتم
وقال أيضاً:
أشتاق من ساكني ذاك الحمى سكناعليه خفق فؤادي قط ما سكنا
ولي غرام وصبر في محبتههذا أقام بأحشائي وذا ظعنا
أطلعتم يا أهيل المنحى قمراًبدا على الكون منه بهجة وسنا
سبى عيون محبيه الكرى فلذاأجفانه لم تزل مملوءةً وسنا
إن قلت غصن تجلى وجهه قمراًأو قلت بدر تثنى قده غصنا
نادى ضنى خصره من يشتري سقماًمني ليفنى به في الحب قلت أنا
فيا غني جمالٍ بات مفتقراًلحسنه البدر مالي عن هواك غنى
وقال أيضاً:
أسكرت بان الحمى يا نسمة السحرفهل أتيت عن الأحباب بالخبر
نعم مررت بذاك الحي فالتبستذيول بردك ريا نشره العطر
يا نوق روحي بروحي للحمى وقفيبه فديتك بين الضال والسمر
ففي بيوت الحمى سمراء قد حجبتبالسمر عنا وبالهندية البتر
شمس ومطلعها ذاتي ومغربهابين السوادين من قلبي ومن بصري
تبدي معالم مغناها محاسنهافيكتسي الروض بالغدران والزهر وقال:
لا تلم صبوتي فمن حب يصبوإنما يرحم المحب المحب
كيف لا يوقد النسيم غراميوله في ديار ليلى مهب
ما اعتذاري إذا خبت لي ناروحبيبي أنواره ليس تخبو
وشعره جيد إلى الغاية، رحمه الله تعالى وعفا عنه وعنا وعن جميع المسلمين.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع