تجاوز إلى المحتوى

من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)

قيس ابن ذريح

فيه ٢٠ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

قيس بن ذريح - بالذال المعجمة - الكناني صاحب لبنى؛ قال صاحب " الأغاني ": كان رضيعاً للحسن بن علي ﵉، مر بخيام بني كعب والحي خلوف فوقف على خيمة لبنى بنت الحباب، فاستسقى ماء فسقته، وكانت امرأة مديدة القامة شهلاء حلوة المنظر والكلام، فلما رآها وقعت في نفسه فشرب الماء، فقالت: انزل فتبرد عندنا، قال: نعم، ونزل، فجاء أبوها فنحر له وأكرمه، وانصرف قيس وفي قلبه النار من لبنى، فجعل ينطق بالشعر فيها حتى شاع وروي، ثم أتاها يوم آخر وقد اشتد وجده بها، فظهرت له فشكا إليها ما يجده من حبها وشكت إليه مثل ذلك، وانصرف إلى أبيه يسأله زواجها فأبى عليه وقال: بنات عمك أحق بك، وكان ذريح كثير المال، فانصرف قيس وقد ساءه ما خاطبه به، فاستعان بأمه على أبيه فلم يجد عندها ما يحب، فأتى الحسن بن علي ﵄ وشكا إليه ما به، فقال: أنا أكفيك، ومشى معه إلى أبي لبنى، فلما رآه أعظمه، فقال له: قد جئتك خاطباً ابنتك لقيس بن ذريح، فقال: يا ابن بنت رسول الله ما كنا لنعصي لك أمراً، وما بنا عن الفتى رغبة، ولكن نحب أن يخطبها أبوه ذريح، فإنا نخاف إن لم يسمح أبوه أن يكون علينا عار وسبة، فأتى الحسن ﵁ ذريحاً وقومه فأعظموه، فقال لذريح: أقسمت عليك إلا خطبت لبنى لقيس، فقال: السمع والطاعة، ثم قام في وجوه القوم وخطبها لابنه وزوجه إياها وزفت إليه، فأقام معها مدة لا ينكر أحد منهم من صاحبه شيئاً. وكان أبر الناس بأبيه، فألهاه عكوفه على لبنى عن ذلك، ووجدت أمه في نفسها فقالت لأبيه: لقد خشيت أن يموت قيس ولم يترك ولداً، وقد حرم الولد من هذه المرأة، وأنت ذو مال فيصير مالك إلى غير ولدك، فزوجه بغيرها لعل الله يرزقه ولداً، وألحت عليه، فأمهل قيس حتى اجتمع قومه وقال له: يا قيس إنك اعتللت هذه العلة فخفت عليك ولا لي ولد سواك، وهذه المرأة ليست بولود فتزوج غيرها من بنات عمك لعل الله يهب لك ولداً تقر به أعيننا، فقال قيس: لا أتزوج غيرها أبداً، فقال أبوه: إن في مالي سعة فتسرى بالجواري، قال: ولا أسوؤها بشيء، فقال: أقسمت عليك إلا طلقتها، قال: الموت عندي والله أسهل من ذلك، ولكن أخيرك خصال، قال: ما هي؟ قال: تزوج أنت لعل الله يرزقك ولداً غيري، قال: ما في فضل لذلك، قال: فدعني أرحل عنك بأهلي واصنع ما أنت صانع لو مت في علتي هذه، قال: ولا هذه، قال: فأدع لبنى عندك وأرتحل عنك فلعلي أسلوها فإنها تطيب نفسي أنها في حبالي، قال: ولا هذه، ولا أرضى إلا أن تطلقها، ثم حلف أنه لا يكنه بيت ولا سقف إلا أن تطلق لبنى، وكان يخرج فيقف في الشمس فيجيء قيس ويقف إلى جانبه ويظلل عليه بردائه ويصلى هو بحر الشمس حتى يفيء الفيء، فينصرف عنه فيدخل إلى لبنى فيعانقها ويبكي وتبكي معه وتقول له: يا قيس إياك أن تطيع أباك فتهلك وتهلكني، فيقول: ما كنت لأطيع فيك أحداً أبداً. فيقال إنه مكث كذلك سنة، وقيل بل أربعين يوماً، ثم طلقها، فلما بانت بطلاقها وفرغ من الكلام لم يلبث أن استطير عقله ولحقه مثل الجنون، وأسف وجعل يبكي وينشج، وبلغها الخبر فأرسلت إلى أبيها، فأقبل بهودج على ناقة وإبل تحمل أثاثها، فلما رأى قيس ذلك أقبل على جاريتها وقال: ويلك! ما دهاني فيكم؟ قالت: لا تسألني وسل لبنى، فذهب إلى لبنى ليسلم عليها فمنعه قومها، وأقبلت عليه امرأة من قومه وقالت له: مالك تسأل كأنك جهل أو تتجاهل؟ هذه لبنى ترحل الليلة أو غداً؛ فسقط مغشياً عليه لا يعقل، ثم أفاق وهو يقول:

وإني لمفن دمع عيني بالبكاحذار الذي قد كان أو هو كائن
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «وإني لمفن دمع عيني بالبكا»
وقالوا غداً أو بعد ذلك بليلةفراق حبيب لم يبن وهو بائن
وما كنت أخشى أن تكون منيتيبكفك إلا أن ما حان حائن
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «وإني لمفن دمع عيني بالبكا»

ورحلت لبنى واشتد مرضه، فسأل أبوه فتيات الحي أن يعدنه ويتحدثن عنده ويعللنه، فأتينه وجلسن عنده، وجاءه طبيب يداويه فقال قيس:

عدن قيساً من حب لبنى، ولبنىداء قيس، والحب داء شديد
فإذا عادني العوائد يوماًقالت العين: لا أرى ما أريد
ليت لبنى تعودني ثم أقضيإنها لا تعود فيمن يعود
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «عيد قيس من حب لبنى ولبنى»
ويح قيس ماذا تضمن منهاداء خبل والقلب منه عميد

فقال الطبيب: مذ كم وجدت العلة بهذه المرأة؟ فقال:

تعلق روحي روحها قبل خلقناومن بعد ما كنا نطافاً وفي المهد
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «تعلق روحي روحها قبل خلقنا»
فزاد كما زدنا فأصبح نامياًوليس إذا متنا بمنفصم العهد
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «تعلق روحي روحها قبل خلقنا»
ولكنه باق على كل حادثوزائرنا في ظلمة القبر واللحد ومن شعره:
وفي عروة العذري أن مت أسوةوعمرو بن عجلان الذي قتلت هند
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «وفى عروة العذري إن مت أسوة»
وبي مثل ما قد نابه، غير أننيإلى أجل لم يأتني وقته بعد
هل الحب إلا عبرة ثم زفرةوحر على الأحشاء ليس برد
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «وفي عُروة َ العذريِّ إِنْ مُتُّ أسوة»

وفيض دموع تستهل إذا بدا... لنا علم من أرضكم لم يكن يبدو وشكا أبو لبنى قيساً إلى معاوية، وأعلمه بتعرضه لها بعد الطلاق، فكتب إلى مروان بن الحكم بهدر دمه، وأمر أباها أن يزوجها بخالد بن حلزة من بني غطفان، فلما علم قيس جزع جزعاً شديداً، وقال:

فإن يحجبوها أو يحل وصلهامقالة واش أو وعيد أمير
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «فإن يحجبوها أو يحل دون وصلها»
فلن يمنعوا عيني من دائم البكاولن يذهبوا ما قد أجن ضميري
للشاعر عبد الله بن مصعب، اقرأ القصيدة
وكنا جميعاً قبل أن يظهر النوىبأنعم حالي غبطة وسرور
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «فإن يحجبوها أو يحل دون وصلها»
فما برح الواشون حتى بدت لنابطون النوى مقلوبة لظهور
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «فإن يحجبوها أو يحل دون وصلها»
لقد كنت حسب النفس لو دام وصلناولكنما الدنيا متاع غرور ولم يزل تارة يتوصل إلى زيارتها بالحيلة عليها، وتارة تزوره

وهو نازل على قوم، إلى أن ماتت لبنى، فتزايد ولعه وجزعه وخرج في جماعة قومه حتى وقف على قبرها، وقال:

ماتت لبينى فموتها موتيهل تنفعن حسرة على الفوت
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «ماتت لبينى فموتها موتي»
فسوف أبكي بكاء مكتئبقضى حياة وجداً على ميت

ثم أكب على القبر يبكي حتى أغمي عليه، فرفعه أهله إلى منزله وهو لا يعقل؛ ولم يزل عليلاً لا يفيق ولا يجيب متكلماً حتى مات ودفن إلى جانبها، وكانت وفاتهما في حدود السبعين للهجرة، رحمهما الله.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «فوات الوفيات»