تجاوز إلى المحتوى

من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)

مجنون ليلى

فيه ٣٧ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

قيس بن الملوح بن مزاحم بن قيس، هو مجنون بني عامر؛ قال صاحب " الأغاني ": لم يكن مجنوناً، ولكن كانت به لوثة مثل أبي حية النميري وكان سبب عشقه لليلى أنه أقبل ذات يوم على ناقة له، وعليه حلتان من حلل الملوك، وكان من أجمل الفتيان، فمر بامرأة من قومه يقال لها كريمة وعندها جماعة من النسوان تحدثهن فيهن ليلى، فأعجبهن جماله فدعونه إلى النزول، فنزل وأمر عبداً كان معه فعقر لهن ناقته، وتحدثن بقية يومه معه، فبينما هم كذلك إذ طلع فتى من الحي يسمى منازل، فلما رأينه أقبلن عليه وتركن المجنون، فغضب وقام من عندهن وهو يقول:

أأعقر من أجل الكريمة ناقتيووصلي مقرون بوصل منازل
إذا جاء قعقعن الحلي ولم أكنإذا جئت أرضى صوت تلك الخلاخل
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أأعقر من جرا كريمة ناقتي»
متى ما انتضلنا بالسهام نضلتهوإن يرم رشقاً عندها فهو ناضلي
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أأعقر من جرا كريمة ناقتي»

ولما أصبح لبس حليته وركب ناقة أخرى ومضى متعرضاً لهن، فرأى ليلى قاعدة بفناء بيتها، وكان قد علق قلبه بحبها، وعندها جويريات يتحدثن معها، فوقف المجنون وسلم عليهن فدعونه إلى النزول وقلن له: هل لك في محادثة من لا يشغله عنك منازل ولا غيره؟ فقال: إيه لعمري، ونزل وعقر ناقته، فأرادت ليلى أن تعلم: هل لها عنده مثل ما له عندها، فجعلت تعرض عن حديثه ساعة بعد ساعة وتحدث غيره، وكان قد شغفته " بحبها واستملحته " واستملحها، فبينما هي تحدثه إذ أقبل فتى من الحي، فدعته ليلى وساررته سراً ثم قالت له: انصرف، ونظرت إلى وجه المجنون وقد تغير وامتقع لونه فقالت:

كلانا مظهر للناس بغضاًوكل عند صاحبه مكين
للشاعر البحتري، من قصيدة «كلانا مظهر للناس بغضا»
تبلغنا العيون بما أردناوفي القلبين

ثم هوى دفين فلما سمع البيتين شهق وأغمي عليه فنضحوا الماء على وجهه، فأفاق بعد ساعة وقد تمكن حب كل منهما من قلب الآخر، وانصرفا وقد أصاب المجنون لوثة ولم يزل في جنبات الحي منفرداً عارياً ولا يتكلم، إلا أن يذكروا له ليلى فيثوب إليه عقله.

فلما تولى الصدقات عليهم نوفل بن مساحق رأى المجنون يلعب بالتراب عرياناً، فسأل عنه فأخبروه بخبره وحكوا له ما هو فيه، فأراد أن يكلمه فقيل له: ما يكلمك إلا إن ذكرت له ليلى وحديثها، فأقبل عليه وذكرها له فثاب إليه عقله وأقبل يحدثه بحديثه وينشده شعره فيها، فرق له نوفل وقال له: أتحب أن أزوجكها؟ قال: نعم، وكيف لي بذلك؟ فدعا له بثياب فألبسه إياها، وراح معه كأصح ما يكون يحدثه وينشده، فبلغ ذلك رهط ليلى فتلقوه بالسلاح وقالوا: لا والله يا ابن مساحق، لا يدخل المجنون منازلنا وقد أهدر السلطان دمه، فأقبل بهم وأدبر فأبوا، فقال للمجنون: إن انصرافك أهون من سفك الدماء، فانصرف وهو يقول:

أيا ويح من أمس يخلس عقلهفأصبح مذهوباً به كل مذهب
خلياً من الخلان إلا معذراًيضاحكني من كان يهوى تجنبي
إذا ذكرت ليلى عقلت وراجعتروائع عقلي من هوى متشعب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أيا ويح من أمسى يخلس عقله»
وقالوا صحيح ما به طيف جنةولا الهم إلا بافتراء التكذب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أيا ويح من أمسى يخلس عقله»
تجنب ليلى أن يلج بك الهوىوهيهات كان الحب قبل التجنب
ألا إنما غادرت يا أم مالكصدى أينما تذهب به الريح يذهب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أيا ويح من أمسى يخلس عقله»

ثم إن المجنون وأهله وعشيرته اجتمعوا إلى أبي ليلى ووعظوه وناشدوه الرحم وقالوا: إن هذا الرجل هالك، وقد حكمناك في المهر، فأبى وحلف بالطلاق أن لا يزوجها به أبداً وقال: يا قوم أفضح نفسي وعشيرتي!! فانصرفوا عنه، وزوجها رجل من قومه وبنى بها في تلك الليلة، فيئس المجنون وزال عقله جملة، فقالوا لأبيه: احجج به وادع الله له فلعل الله أن يخلصه، فحج به، فلما كان بمنى سمع صارخاً بالليل يصيح " يا ليلى " فصرخ صرخة كادت نفسه تزهق معها ووقع مغشياً عليه، ولم يزل كذلك حتى أصبح فأفاق وهو حائل اللون وجعل يقول:

عرضت على قلبي العزاء فقال ليمن الآن فايأس لا أعزك من صبر
إذا بان من تهوى وأصبح نائباًفلا شيء أجدى من حلولك في القبر
وداع دعا إذ نحن بالخيف من منىفهيج أحزان الفؤاد وما يدري
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى»
دعا باسم ليلى غيرها فكأنماأطار بليلى طائراً كان في صدري
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى»
دعا باسم ليلى ضلل الله سعيهوليلى بأرض عنه نازحة قفر

قال العتبي: مر المجنون يوماً بزوج ليلى وهو جالس يصطلي في يوم بارد، فوقف عليه المجنون ثم أنشأ يقول:

بربك هل ضممت إليك ليلىقبيل الصبح أو قبلت فاها؟
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «بربك هل ضممت إليك ليلى»
وهل رفت عليك قرون ليلىرفيف الأقحوانة في نداها؟
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «بربك هل ضممت إليك ليلى»

فقال: اللهم إذ حلفتني فنعم، فقبض المجنون بتلك يديه قبضتين من الجمر فسمع نشيش لحمه وسقط لحم كفيه مع الجمر ووقع مغشياً عليه وقام زوج ليلى متعجباً منه مغموماً عليه.

ومن شعر المجنون:

أيا جبلي نعمان بالله خلياسبيل الصبا يخلص إلي نسيمها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أيا جبلي نعمان بالله خليا»
أجد بردها أو تشف مني حرارةعلى كبد لم يبق إلا صميمها
للشاعر أسماء المرية، من قصيدة «أيا جبلي نعمان بالله خليا»
فإن الصبا ريح إذا ما تنسمتعلى نفس مهموم تجلت همومها ومنه، وبه سمي المجنون:
يقول أناس عل مجنون عامريروم سلواً قلت إني لما بيا
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
وقد لامني في حب ليلى أقاربيأخي وابن عمي وابن خالي وخاليا
يقولون ليلى أهل بيت عداوةبنفسي ليلى من عدو وماليا
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
خليلي لا والله لا أملك البكاإذا علم من أرض ليلى بدا ليا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «تذكرت ليلى والسنين الخواليا»
قضاها لغيري وابتلاني بحبهافهلا بشيء غير ليلى قضى ليا فسلب عقله.

ومن شعره:

جرى السيل فاستبكاني السيل إذ جرىوفاضت له من مقلتي غروب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «لا أيها البيت الذي لا أزوره»
وما ذاك إلا حين أيقنت أنهيمر بواد أنت منه قريب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «لا أيها البيت الذي لا أزوره»
يكون أجاجاً دونكم فإذا انتهىإليكم تلقى نشركم فيطيب
أظل غريب الدار في أرض عامرألا كل مهجور هناك غريب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «لا أيها البيت الذي لا أزوره»
وإن الكثيب الفرد من أيمن الحمىإلي وإن لم آته لحبيب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «لا أيها البيت الذي لا أزوره»
ولا خير في الدنيا إذ أنت لم تزرحبيباً ولم يطرب إليك حبيب
للشاعر المُرّار الفَقعَسي، اقرأ القصيدة

وقال أيضاً:

وأدنيتني حتى إذا ما ملكتنيبقول يحل العصم سهل الأباطح
تناءيت عني حين لا لي حيلةوغادرت ما أوريت بين الجوانح وقال أيضاً:
أمزمعة للبين ليلى ولم تمتكأنك عما قد أظلك غافل
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أمزمعة للبين ليلى ولم تمت»
ستعلم إن شطت بهم غربة النوىوزالوا بليلى أن لبك زائل وقال أيضاً:
كأن القلب ليلة قيل يغدىبليلى العامرية أو يراح
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «كأن القلب ليلة قيل يغدى»

قطاه عزها شرك فباتت... تجاذبه وقد علق الجناح ولم يزل المجنون يهيم في كل واد ويتبع الظباء ويكتب ما يقوله على الرمل، ولا يأنس بالناس، حتى أصبح ميتاً في واد كثير الحجارة، وما دل عليه إلا رجل من بني مرة، فحضر أهله وغسلوه وكفنوه، واجتمع حي بني عامر يبكونه أحر بكاء، ولم ير أكثر باكياً وباكية من ذلك اليوم، وذلك في حدود الثمانين من الهجرة، رحمه الله تعالى وعفا عنه، آمين.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «فوات الوفيات»