من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)
شرف الدين البوصيري
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
محمد بن سعيد بن حماد بن " محسن بن " عبد الله بن صهناج بن ملال الصهناجي؛ كان أحد أبويه من أبو صير والآخر من دلاص، فركبت له نسبة منهما وقيل الدلاصيري، لكنه اشتهر بالبوصيري.
كان يعاني صناعة الكتابة والتصرف، وباشر الشرقية ببلبيس، وله تلك القصيدة المشهورة التي نظمها في مباشري الشرقية التي أولها:
فقدت طوائف المستخدمينافلم أر فيهم رجلاً أمينا
فقد عاشرتهم ولبثت فيهممع التجريب من عمري سنينا
فكتاب الشمال هم جميعاًفلا صحبت شمالهم اليمينا
فكم سرقوا الغلال وما عرفنابهم فكأنما سرقوا العيونا
ولولا ذاك ما لبسوا حريراًولا شربوا خمور الأندرينا
ولا ربوا من المردان مرداًكأغصان يقمن وينحنينا
وقد طلعت لبعضهم ذقونولكن بعد ما نتفوا ذقونا
وأقلام الجماعة جائلاتكأسياف بأيدي لاعبينا
وقد ساوقتهم حرفاً بحرفوكل اسم يخطوا منه سينا
أمولاي الوزير غفلت عمايتم من اللئام الكاتبينا
تنسك معشر منهم وعدوامن الزهاد والمتورعينا
وقيل لهم دعاء مستجابوقد ملأوا من السحت بالطونا
تفقهت القضاة فخان كلأمانته وسموه الأمينا
وما أخشى على أموال مصرسوى من معشر يتأولونا
يقول المسلمون لنا حقوقبها ولنحن أولى الآخذينا
وقال القبط نحن ملوك مصروإن سواهم هم غاصبونا
وحللت اليهود بحفظ سبتلهم مال الطوائف أجمعينا
وما ابن قطيبة إلا شريكلهم في كل ما يتخطفونا
أغار على قرى فاقوس منهبجور يمنع النوم الجفونا
وصير عينها حملاً ولكنلمنزلة وغلتها خزينا
وأصبح شغله تحصيل تبروكانت راؤه من قبل نونا
وقدمه الذين لهم وصولفتمم نقصه صلة الذينا
وفي دار الوكالة أي نهبفليتك لو نهبت الناهبينا
فقام بها يهودي خبيثيسوم المسلمين أذى وهونا
إذا ألقى بها موسى عصاهتلقفت القوافل والسفينا
وشاهدهم إذا اتهموا يؤديعن الكل الشهادة واليمينا
وهي طويلة إلى الغاية، وقد اختصرت من أبياتها كثيراً، وله فيهم غير ذلك وشعره في غاية الحسن واللطافة عذب الألفاظ منسجم التركيب
وقال فيمن اسمه عمر وعلى عينه فص:
سموه غمرا فصحفنا اسمه عمرافبين الدهر منا موضع الغلط
فأصبحت عينه غيناً بنقطتهاوطال ما ارتفع التصحيف بالنقط
وقال فيه من قصيدة أولها:
أهوى والمشيب قد حال دونهوالتصابي بعد المشيب رعونه
أبت النفس أن تطيع وقالتإن جني لا يدخل القنينه
كيف أعصي الهوى وطينة قلبيبالهوى قبل آدم معجونه
سلبته الرقاد بيضة خدرذات حسن كالدرة المكنونه
سمتها قبلة تسر بها النفس فقالت كذا أكون حزينه
قلت لابد أن تسيري إلى الدار فقالت عسى أنا مجنونه
قلت سيري فإنني لك خيرمن أب راحم وأم حنونه
أنا نعم القرين إن كنت تبغين حلالاً وأنت نعم القرينه
قالت اضرب عن وصل مثلي صفحاًواضرب الخل أو تصير طحينه
لا أرى أن تمسني يد شيخكيف أرضى به لطستي مسينه
قلت إني كثير مال فقالتهبك أنت المبارز القارونه
" منها ":
سيدي لا تخف علي خروجاًفي عروضي ففطنتي موزونه
كل بحر إن شئت فيه اختبرنيلا تكذب فإنني يقطينه وقال من قصيدة أولها:
يا أيها المولى الوزير الذيأيامه طائعة أمره
ومن له منزلة في العلاتكل عن أوصافها الفكره
إليك نشكو حالنا إنناحاشاك من قوم أولي عسره
في قلة نحن ولكن لناعائلة في غاية الكثره
أحدث المولى الحديث الذيجرى لهم بالخيط والإبره
صاموا مع الناس ولكنهمكانوا لمن أبصرهم عبره
إن شربوا فالبئر زير لهمما برحت والشربة الجره
لهم من الخبيز مصلوقةفي كل يوم تشبه النشره
أقول مهما اجتمعوا حولهاتنزهوا في الماء والخضره
وأقبل العيد وما عندهمقمح ولا خبز ولا فطره
فارحمهم إن عاينوا كعكةفي كف طفل أو رأوا تمره
تشخص أبصارهم نحوهابشهقة تتبعها زفره
كم قائل يا أبتا منهمقطعت عنا الخير في كره
ما صرت تأتينا بفلس ولابدرهم ورق ولا نقره
وأنت في خدمة قوم فهلتخدمهم يا أبتي سخره
ويوم زارت أمهم أختهاوالأخت في الغيرة كالضره
وأقبلت تشكو لها حالهاوصبرها مني على العشره
قالت لها كيف تكون النساكذا مع الأزواج يا عره
قومي اطلبي حقك منه بلاتخلف منك ولا فتره
وإن تأبى فخذي ذقنهوانتفيها شعرة شعره
قالت لها ما هكذا عادتيفإن زوجي عنده ضجره
أخاف إن كلمته كلمةطلقني؛ قالت لها: بعره
وهونت قدري في نفسهافجاءت الزوجة محتره
فقاتلتني فتهددتهافاستقبلت رأسي بآجره
وحق من حالته هذهأن ينظر المولى له نظره
وقال وقد كتب بها إلى بعض الأصحاب:
قل لعلي الذي صداقتهعلى حقوق الإخوان مؤتمنه
أخوك قد عودت طبيعتهبشربة في الربيع كل سنه
والآن قد عفنت عليه وقدهدت قواه وجففت بدنه
وعاودت يومها زيارتهوما اعتراها من قبل ذاك سنه
وعاد عند القيام يحملهابراحتيه كأنها زمنه
جئت بها للطبيب مشتكياًودمعتي كالعوارض الهتنه
فقال عد لي إذا احتميت وكلفي كل يوم دجاجة دهنه
كيف وصولي إلى الدجاجة والبيضة عندي كأنها بدنه
جزاك ربي إذا انسهلت بماشربت عن كل خرية حسنه
قال الشيخ فتح الدين ابن سيد الناس: كانت له حمارة استعارها منه ناظر الشرقية فأعجبته فأخذها وجهز له ثمنها مائتي درهم، فكتب على لسانها إلى الناظر: المملوكة حمارة البوصيري " تنشد ":
يا أيها السيد الذي شهدتألفاظه لي بأنه فاضل
ما كان ظني يبيعني أحدقط ولكن سيدي جاهل
لو جرسوه علي من سفهلقلت غيظاً عليه يستاهل
أقصى مرادي لو كنت في بلديأرعى بها في جوانب الساحل
وبعد هذا فما يحل لكمأخذي لأني من سيدي حامل فردها الناظر إليه ولم يأخذ الدراهم منه.
وقال في من على عينه بياض.
انظر تجد لله فيعينيه سراً أي سر
طمس اليمين بكوكبوسيطمس اليسرى بفجر
وقال في الشيخ زين الدين ابن الرعاد:
لقد عاب شعري في البرية شاعرومن عاب أشعاري فلا بد أن يهجى
وشعري بحر لا يوافيه ضفدعولا يقطع الرعاد يوماً له لجا وللبوصيري في مديح النبي ﷺ قصائد طنانة، منها قصيدة مهموزة أولها:
كيف ترقى رقيك الأنبياءوقصيدة على وزن بانت سعاد وأولها:
إلى متى أنت باللذات مشغولوأنت على كل ما قدمت مسؤول وقصيدته المشهورة بالبردة التي أولها:
أمن تذكر جيران بذي سلممزجت دمعاً جرى من مقلة بدم
قال البوصيري: كنت قد نظمت قصائد في مدح رسول الله ﷺ، منها ما كان اقترحه علي الصاحب زين الدين يعقوب بن الزبير، ثم اتفق أن أصابني فالج أبطل نصفي، ففكرت في عمل قصيدتي هذه البردة فعملتها، واستشفعت به إلى الله تعالى في أن يعافيني، وكررت إنشادها وبكيت ودعوت وتوسلت، ونمت فرأيت النبي ﷺ، فمسح على وجهي بيده المباركة، وألقى علي بردة فانتبهت، ووجدت في نهضة فقمت وخرجت من بيتي، ولم أكن أعلمت بذلك أحد، فلقيني بعض الفقراء فقال لي: أريد أن تعطيني القصيدة التي مدحت بها رسول الله ﷺ، فقلت: أيها؟ فقال: التي أنشأتها في مرضك، وذكر أولها وقال: والله لقد سمعتها البارحة وهي تنشد بين يدي رسول الله ﷺ، فرأيت رسول الله ﷺ يتمايل وأعجبته وألقى على من أنشدها بردة، فأعطيته إياها، وذكر الفقير ذلك وشاع المنام إلى أن اتصل بالصاحب بهاء الدين ابن حنا، فبعث إلي وأخذها وحلف أن لا يسمعها إلا قائماً حافياً مكشوف الرأس، وكان يحب سماعها هو وأهل بيته. ثم إنه بعد ذلك أدرك سعد الدين الفارقي الموقع رمد أشرف منه على العمى فرأى في المنام قائلاً يقول له: اذهب إلى الصاحب وخذ البردة واجعلها على عينيك فتعافى بإذن الله ﷿، فأتى إلى الصاحب وذكر منامه فقال: ما أعرف عندي من أثر النبي ﷺ بردة، ثم فكر ساعة وقال: لعل المراد قصيدة البردة التي للبوصيري، يا ياقوت افتح الصندوق الذي فيه الآثار وأخرج القصيدة للبوصيري، وأت بها، فأتى بها، فأخذها سعد الدين ووضعها على عينيه فعوفي، ومن ثم سميت البردة، والله أعلم.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع