من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)
كمال الدين ابن الزملكاني
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
محمد بن علي بن عبد الله الواحد، الشيخ الإمام العلامة قاضي القضاة ذو الفنون جمال الإسلام، كمال الدين ابن الزملكاني الأنصاري السماكي الدمشقي، كبير الشافعية في عصره؛ ولد في شوال سنة سبع وستين وستمائة، وسمع من ابن علان والفخر علي وابن الواسطي وابن القواس، وطلب الحديث وقرأه، وكان فصيحاً متشرعاً، وكان بصيراً بالمذهب وأصوله، قوي العربية، قد أتقنها ذكاء ودربها، ذكياً صحيح الذهن صائب الفكر، تفقه على الشيخ تاج الدين، وأفتى وله نيف وعشرون سنة، وكان يضرب بذكائه المثل، وقرأ العربية على الشيخ بدر الدين ابن مالك وقرأ على قاضي القضاة شهاب الدين الحويي وقاضي القضاة بهاء الدين ابن الزكي وعلى شمس الدين الأيكي وصفي الدين الهندي، وحفظ " التنبيه " و " المنتخب " في أصول الفقه، و " المحصل " في أصول الدين، وغير ذلك، وكتب المنسوب.
وكان شكله حسناً ومنظره رائعاً وتجمله في بزته وهيئته غاية، وشيبته منورة بنور الإسلام يكاد الورد يلقط من وجنتيه، وعقيدته صحيحة متمكنة أشعرية، وفضائله عديدة، وفواضله ربوعها مشيدة، وكان كريم النفس عالي الهمة، حشمته وافرة.
صنف أشياء: منها " رسالة في الرد على الشيخ تقي الدين ابن تيمية في مسألة الطلاق " و " رسالة في الرد علي في مسألة الزيارة " ورسالة سماها " رابع أربعة " نظماً ونثراً، وشرح قطعة جيدة من " المنهاج ".
وتخرج به الأصحاب وانتفع به الطلبة، ودرس بالشامية البرانية والظاهرية والرواحية، وولي نظر ديوان الأفرم ونظر الخزانة ووكالة بيت المال، وكتب في ديوان الإنشاء ووقع في الدست، وله الإنشاء الجيد والتواقيع المليحة. نقل إلى قضاء القضاة بحلب ومدارسها فأقام بها أكثر من سنتين واشتغلوا عليه الحلبيين، ثم إن السلطان طلبه من حلب ليوليه قضاء دمشق لما نقل قاضي القضاة جلال الدين القزويني إلى مصر، وفرح الناس بذلك، فمرض في الطريق وأدركه الأجل في بلبيس في سادس عشر شهر رمضان سنة سبع وعشرين وسبعمائة، قيل إنه سم في الطريق، وعند الله تجتمع الخصوم.
وحكى ولده تقي الدين أن والده الشيخ كمال الدين قال له: يا ولدي، أنا والله ميت ولا أتولى لا مصر ولا غيرها، وما بقي بعد حلب ولاية أخرى لأنه في الوقت الفلاني حضر إلى دمشق فلان الصالح فترددت إليه وخدمته وطلبت منه التسليك، فأمرني بالصوم مدة، ثم أمرني بصيام ثلاثة أيام أفطر فيها على الماء واللبان الذكر، وكان آخر ليلة في الثلاث ليلة النصف من شعبان، فقال لي: الليلة تجي إلى الجامع تتفرج أو تخلو بنفسك؟ فقلت: أخلو بنفسي، فقال جيد، ولا تزال تصلي حتى أجي إليك، فخلوت بنفسي أصلي ساعة جيدة، فلما كنت في الصلاة إذا به قد أقبل، فلم أبطل الصلاة، وإذا قد خيل لي قبة عظيمة بين السماء والأرض، وظاهرها معارج ومراقي، والناس يصعدون فيها من الأرض إلى السماء، فصعدت معهم، فكنت أرى على كل مرقاة مكتوباً: نظر الخزانة، وعلى أخرى وأخرى وأخرى: وكالة بيت المال، التوقيع، المدرسة الفلانية، قضا حلب، فلما وصلت إلى هذه المرقاة أشفقت من تلك الحالة، ورجعت إلى حسي، وبت ليلتي، فلما اجتمعت بالشيخ قال: كيف كانت ليلتك؟ جيت إليك وما قصرت لأنك ما اشتغلت بي، والقبة التي رأيتها هي الدنيا، والمراقي هي المراتب والوظايف والأرزاق، وهذا الذي رأيته كله تناله والله يا عبد الرحمن؛ كل شيء قد رأيته نلته، وكان آخر الكل قضا حلب، وقد قرب الأجل.
وكان الشيخ كمال الدين كثير التخيل شديد الاحتراز، يتوهم أشياء بعيدة ويبني عليها، وتعب بذلك وعودي وحسد وعمل عليه، ولطف الله به، ﵀.
ومن نظمه قصيدة يذكر فيها الكعبة المعظمة، ويمدح النبي ﷺ:
أهواك يا ربة الأستار أهواكوإن تباعد عن مغناي مغناك
وأعمل العيس والأشواق ترشدنيعسى يشاهد معناكي معناك
تهوي بها البيد لا تخشى الضلال وقدهدت ببرق الثنايا الغر مضناك
تشوقها نسمات الصبح ساريةتسوقها نحو رؤياك برياك
يا ربة الحرم العالي الأمين لمنوافاه من أين هذا الأمن لولاك
إن شبهوا الخال بالمسك الذكي فهذا الحال من رؤية المحكي والحاكي
أفدي بأسود قلبي نور أسودهمن لي بتقبيله من بعد يمناك
إني قصدتك لا ألوي على بشرترمي النوى بي سراعاً نحو مرماك
وقد حططت رحالي في حماك عسىتنحط أثقال أوزاري بلقياك
كما حططت بباب المصطفى أمليوقلت للنفس بالمأمول بشراك
محمد خير خلق الله كلهموفاتح الخير ما حي كل إشراك
سما بأخمصه فوق السماء فكمأوطا أسافلها من علو أفلاك
ونال مرتبة ما نالها أحدمن أنبياء ذوي فضل وأملاك
يا صاحب الجاه عند الله خالقهما رد جاهك إلا كل أفاك
أنت الوجيه على رغم العدا أبداًأنت الشفيع لفتاك ونساك
يا فرقة الزيغ لا لقيت صالحةولا سقى الله يوماً قلب مرضاك
ولا حظيت بجاه المصطفى أبداًومن أعانك في الدنيا ووالاك
يا أفضل الرسل يا مولى الأنام وياخير الخلائق من إنس وأملاك
ها قد قصدتك أشكو بعض ما صنعتبي الذنوب وهذا ملجأ الشاكي
قد قيدتني ذنوب من بلوغ مدىقصدي إلى الفوز منها فهي أشراكي
فاستغفر الله لي واسأله عصمتهفيما بقي وغنى من غير إمساك
عليك من ربك الله الصلاة كمامنا عليك السلام الطيب الزاكي وعمل على هذه القصيدة كراريس وسماها " عجالة الراكب ".
ومن شعره:
يا سائق الظعن قف بي هذه الكثبعساي أقضي بها ما للهوى يجب
فثم حي حياتي في خيامهمفالموت إن بعدوا والعيش إن قربوا
لي فيهم قمر في القلب منزلهلكن طرفي له بالعبد يرتقب
لدن القوام رشيق القد ذو هيفشطر ثاني
شطر أولتغار من لينه الأغصان والقضب
حلو المقبل معسول مراشفهيجول فيها رضاب طعمه الضرب
لا غرو إن راح نشواناً ففي فمهخمر ودر ثناياه لها حبب
ولائم لامني في البعد عنه وفيقلبي من الشوق نيران لها لهب
فقلت إن صروف الدهر تصرفنيعما أروم فمالي في النوى سبب
ومذ رماني زماني بالبعاد ولميرحم خضوعي
ولما يبق لي نشب ولما توفي إلى رحمة تاريخ رثاه الشيخ جمال الدين ابن نباتة بقصيدة أولها:
بلغا القاصدين أن اللياليقبضت جملة العلا بالكمال
وقفا في مدارس العقل والنق؟ل ونوحاً معي على الأطلال
سائلها عسى يجيب صداهاأين ولي مجيب أهل السؤال
أين ولي بحر العلوم وأبقىبين أجفاننا الدموع لآلي
أين ذاك الذهن الذي قد ورثناعنه ما في الحشا من الاشتعال
أين تلك الأقلام يوم انتصاركعوالي الرماح يوم النزال
ينقل الناس عن حديث هداهاطرق العلم عن متون العوالي
وتفيد الجنى من اللفظ حلواًحين كانت نوعاً من العسال
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع