تجاوز إلى المحتوى

من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)

مزبد المدني

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

مزبد بالزاي والباء المشددة المكسورة ودال مهملة أبو إسحاق المدني؛ كان كثير المجون حلو النادرة، له أخبار كثيرة في البخل، فإنه كان مبخلا إلى الغاية؛ قيل إنه صب عليه الماء يوماً، فسألته امرأته عن ذلك فقال: جلدت عميرة، ثم إنه رآها بعد أيام تصب عليها الماء، فسألها عن ذلك فقالت: جاءت عميرة فجلدتني.

وأحضره بعض ولاة المدينة، وقد اتهمه بشرب الخمر، فاستنكهه فلم يجد له رائحة، فقال: قيئوه، فقال: ومن يضمن عشائي أصلحك الله؟

وقيل له هل لك في الخروج إلى قبا والعقيق، وأخذ ناحية قبور الشهداء، فإن يومنا كما ترى طيباً؟ فقال: اليوم الأربعاء ولست أبرح من منزلي، قالوا: وما تكره من يوم الأربعاء، وفيه ولد بيونس ابن متى؟ فقال: بأبي أنتم وأمي فقد التقمه الحوت، قالوا: فهو اليوم الذي نصر الله فيه النبي ﷺ على الأحزاب، قال: أجل ولكن بعد إذ " زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنون ".

وهبت يوماً ريح شديدة فصاح الناس: القيامة، القيامة، فقال مزبد: هذه القيامة على الريق بلا دابة الأرض ولا الدجال ولا يأجوج ومأجوج!!.

ومرض مرة فقال له الطبيب: احتم، قال: يا هذا أنا ما أقدر على شيء إلا على الأماني، أفأحتمي منها؟!

ورآه إنسان وهو بالرها وعليه جبة خز فقال: هب لي هذه الجبة، فقال: ما أملك غيرها، فقال الرجل: فإن الله تعالى يقول: " ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة "، فقال: الله أرحم بعباده من أن ينزل هذه الآية بالرها في كانون، وإنما أنزلت بالحجاز في حزيران وتموز وآب.

ونظر يوماً إلى امرأته وهي تصعد في سلم فقال لها: أنت طالق إن صعدت، وأنت طالق إن نزلت، وأنت طالق إن وقفت، فرمت بنفسها إلى الأرض، فقال لها: فداك أبي وأمي، إن مات مالك احتاج الناس إليك لأحكامهم.

واشترى يوماً جارية فسئل عنها فقال: فيها خلتان من خلال الجنة: البرد والسعة.

وقيل له: ما بال حمارك يتبلد إذا رجع إلى منزله؟ قال: لأنه يعلم سوء المنقلب.

وقيل له: أيولد لابن ثمانين ولد؟ قال: نعم، إذا كان له جار ابن ثلاثين سنة.

وسمع رجلاً يقول: عن ابن عباس أنه قال: من نوى حجة فعاقه عنها عائق كتبت له، فقال مزبد: ما خرج كرى أرخص من ذا العام.

وطلب منه بعض جيرانه ملعقة، فقال: ليت لنا ما نأكله بالأصابع.

وهبت بالمدينة ريح صفراء أنكرها الناس وفزعوا، فجعل مزبد يدق أبواب جيرانه ويقول: لا تعجلوا بالتوبة، فإنما هي وحياتكم زوبعة، والساعة تنكشف.

وكان مرة نائماً في المسجد، فدخل إنسان فصلى وقال: يا رب أنا اصلي وهذا نائم، فقال: يا بارد، سل حاجتك ولا تحرشه علينا.

وصلى يوماً، فلما فرغ دعا، فقالت امرأته: اللهم أشركني في دعائه، فسمعها، فقال: اللهم اصلبني.

وغضب يوماً عليه بعض الولاة، فأمر الحجام بحلق لحيته، فقال له الحجام: انفخ شدقك حتى أتمكن من الحلاقة، فقال: الوالي أمرك بحلق لحيتي أو تعلمني الزمر؟!

وقيل له: كيف حبك لأبي بكر وعمر؟ فقال: ما ترك الطعام في قلبي حباً لأحد.

ودخل يوماً على بعض العلويين، فجعل يعبث به ويؤذيه، فتنفس الصعداء وقال: صلوات الله على عيسى بن مريم فإن أمته معه في راحة لم يخلف عليهم من يؤذيهم.

وباع جارية على أنها تحسن تطبخ، فلم تحسن شيئاً، فطلب إلى القاضي وطولب بأن يحلف على أنها تحسن الطبيخ، فاندفع وحلف أيماناً مغلظة أنه دفع إليها مرة جرادة فعملت منها خمسة ألوان من الطعام وفضل منها شريحة للقديد، سوى الجنب فإنها عملته جوذابة، فضحك من حضر وبئس الخصم من الوصول إلى شيء منه، فخلى سبيله.

وجمع مرة في بيته بين متعاشقين، فتعاتبا ساعة، ثم إن العشيق مد يده إليها فقالت: دع هذا ليس هذا موضعه، فسمعها مزبد فقال: يا زانية، فأين موضعه؟ بين الركن والمقام؟ والله ما بنيت هذه الدار إلا للقحاب والقوادين، ولا اشتري خشبها إلا من دراهم القمار، فأي موضع أحق بالزنا منها؟

ونوادره كثيرة، عفا الله عنا وعنه وسامحنا بمنه وكرمه.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «فوات الوفيات»