من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)
ابن الملحي الواعظ
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
محمود بن القاسم بن أبي البدر المحلي؛ هو الشيخ العالم الفاضل الكامل شمس الدين ابن الملحي الواعظ الواسطي. توفي آخر جمعة في شهر رمضان سنة أربع وأربعين وسبعمائة، رحمه الله تعالى، وقد ناهر السبعين؛ فمن شعره:
رعى الله ربعاً كنتم فيه جيرتيوعيشاً تقضي معكم يا أحبتي
وحيا زماناً كان يجمع بينناونحن جميعاً في سرور ولذة
ولا غيرت أيدي الزمان منازلاًنزلتم رباها يا أهيل مودتي
ولا أقفرت تلك الديار التي بهاتقضت ليالي أنسنا وتولت
إذا ما جرى تذكاركم في مسامعيجرى دمع عيني فوق صفحة وجنتي
فلله ما أحلى قديم حديثكموأطيبه عندي عشاي وغدوتي
أحبة قلبي أين أنسي بقربكملقد هدني من بعدكم طول وحشتي
تعجلتم بالبعد لما عرفتكمفما وقع التعريف إلا لشقوتي
أحن إليكم كلما هبت الصباعلى أثلات الرقمتين ورقت
ويطلبكم قلبي على البعد والنوىوأين سبيلي بعدكم، أين حيلتي
نظرت إلى الأحباب يوم وداعهمفكانت من الأحباب آخر نظرتي
وناديتهم هذا الرحيل، متى اللقاألا خبروني كم على الصبر مدتي؟
وقلت لهم قلبي لديكم وديعةيسافر معكم فاحفظوا لي وديعتي
عسى تسمح الأيام تجمع بينناوترجع أوطاري ولذاتي التي
ويطرب سمعي من لذيذ حديثكموتنظر عيني أنجمي وأهلتي وقال أيضاً:
أنوح إذا الحادي بذكركم غنىوأبكي إذا ما البرق من نحوكم عنا
وكيف شكا قلبي تداويت باسمكمونعم الدوا أنتم على قلبي المضنى
بكم ولهي لا بالعذيب ولا النقاوأنتم مرادي لا سعاد ولا لبنى
لقد عاش من أنتم من العمر حظهومات الذي في غيركم عمره يفنى
يلد لي الليل الطويل بذكركمفما أطيب الليل الطويل إذا جنا
أحبتنا أين المواثيق بيننازمان خلونا الحمى وتعاهدنا
ظنناكم للعمر ذخراً وعدةفيا قرب ما خيبتم بكم الظنا
سمعتم من الأعدء قولهم بناومن أجل ما قالوا تغيرتم عنا
تغيرتم عنا بصحبة غيرناوأظهرتم الهجران، ما هكذا كنا
واقسمتم أن لا تحولوا عن الوفافحلتم عن العهد القديم وما حلنا
أأحبابنا ما كان أهنأ عيشناولكنه ولى كطيف بدا وهنا
مررنا على أوطانكم بعد بعدكمفمذ نحن شاهدنا أماكنكم نحنا
ولما تخيلنا جمالكم بهاوقفنا على تلك الديار وسلمنا
سلام على العيش الذي بكم مضىفما كان أشهاه لدي وما أهنا
ليالي كان الدهر معنا موافقافلما نأيتم ما رأيت له معنى
لئن عاد ذاك العيش يا سادتي بكموعدنا إلى تلك الديار كما كنا
غفرت لأيامي جميع ذنوبهاوقلت لك الإنعام عندي والحسنى
وقال أيضاً:
بدا البرق من حزوي فهاج حنينهوهبت صبا نجد فزاد أنينه
وغنى له الحادي بأيام حاجرففاضت بأمطار الدموع جفونه
وذكره العيش الذي كان وانقضىفكاد جوى يطرا عليه جنونه
غريب بعيد الدار فارق أهلهكئيب وحيد بان عنه قرينه
مريض إذا هب النسيم من الحمىيطيب له خفاقه وسكونه
تحمل أثقال الغرام ومالهمعين على حمل الغرام يعينه
وصان الهوى في قلبه كل جهدهفلما نأى الأحباب بان مصونه
وظن بأن الدهر يجمع شملهبمن يتمناهم فخابت ظنونه
أهيل الحمى بنتم فدمعي مطلقوقلبي قد ضاقت عليه شجونه
أهيل الحمى لا أوحش الربع منكملقد كنتم للربع زيناً يزينه
مررت على الوادي وكان زمانكمبلابله تشدو وتجري عيونه
فأبصرته من بعدكم وهو قد عفاوأقفر منه سهله وحزونه
فناديته أين الذين عهدتهمهنا وغدير العيش صاف معينه؟
فقل لي الوادي نأو وترحلواوهذا فؤادي للتنائي حزينه
فقلت فهل يسخو الزمان بعودهمفقال لعل الدهر يسخو خؤونه
إلى أن يعود الماء في النهر جارياتموت به أطياره وغصونه
وكم مات صب بالتوقع والمنىولم تقض من خصم الزمان ديونه
وقال أيضاً:
هنيئاً لمن أمسى وأنت حبيبهولو أن نيران الغرام تذيبه
وطوبى لقل أنت ساكن سرهولو بان عنه إلفه وقريبه
وواهاً لمطرود عن الباب مبعدلقد ضاق في هذا الوجود رحيبه
وحقك ما من ذاق وصلك ميت" يحق عليه ندبه ونحيبه "
" أيا غاية الآمال من أنت أنسه "فكل بلاء عنده يستطيبه
ومن أنت راض عنه في طي غيبهفما ضره والله من يستغيبه
وما ضر صباً أن يبيت وما لهنصيب من الدنيا وأنت نصيبه
عبيدك في باب التطفل واقفإذا لم تجبه أنت من ذا يجيبه
غريب عن الأوطان يبكي لذلةوهل ذاق طعم الذل إلا غريبه
فقير من الأعمال أنت غناؤهمريض من الآثام أنت طبيبه
تقضت لياليه وفات زمانهولم يدر حتى لاح منه مشيبه
غدا خاسراً فالعار يكفيه والعناوقد أن من ضوء النهار مغيبه
وقال أيضاً:
سلام عليم هل تراكم علمتمبما نال قلبي منذ ساعة بنتم
وهل عندكم ما عند قلبي من الأسىوهل مثل وجدي للفراق وجدتم
أيا سادتي والله عهدي بلذتيوطيب حياتي منذ كنت وكنتم
ليالي كانت كالنهار منيرةسهرت بها من طيبها وسهرتم
فلا كان يوم كان آخر عهدكموقد أسرع الحادي سحيراً وسرتم
ولا كان يوم فيه خلفت بعدكمونحن بوقفات الوداع نسلم
ترحلت عنكم كارهاً غير طائعأؤخر أقداماً وأخرى أقدم
وودعتكم والقلب يأبى وداعكموفي كبدي نار الأسى تتضرم
علمت من الأيام كل كريهةولكن هذا البعد ما كنت أعلم
حرمتم جفوني أن ترى غير شخصكمكما للذيذ النوم عنها حرمتم
وعيني حرمتم أن تراكم كأنمالقاؤكم طيب وجفني محرم
ربيعي جمادى حيث سمعي لغيركمبه رجب منكم ونومي محرم
ولما حدا حادي الفراق بشملناوأنجدت سراً والأحبة أتهموا
وأصبح منكم منزل الأنس خالياًتبين عليه وشحة وهو مظلم
وأضمرت توديعاً له وهو ساكتولكن لسان الحال منه يكلم
وقالت لي الأوطان هل عودة بكمفقلت لها ربي بذلك يعلم وقال موشح:
نشرت ريح الصبا روح الصباحفصبا المشتاق
وبكى عصر الصبا الماضي وناحمن جوى الإشفاق
قدحت في العود نسمات الربيعلهب الأزهار
وانثنت ترقم بالوشي البديعجاري الأنهار
فكست عن برده البرد الخليعخلع النوار
وبدت في خضرة الماء القراحصفرة الأوراق
كطراز مذهب فوق وشاحصنعة الخلاق
مثل الورد على الماء المعينمثل الإنسان
زهرة العمر له في الأربعينوبدا النقصان
ولقد يعجله بعض السنينيكسر الأغصان
فافهم الجد فما المعنى مزاحوافتح الآماق
وادخر ما اسطعت من فعل الصلاحقيل أن تعتاق
مثل الدنيا كبيت العنكبوتأمره موهون
من بها أيامه سهواً تفوتفهو المحزن
فسعيد الناس عن الهم استراحوابتغى ما راق
وإذا حف من الطير الجناحأدرك السباق
ما لأهل النوم في الليل نصيبمن لقا المحبوب
لا ولا تلقى بعيداً كالقريبيدرك المطلوب
وكذا من لا يرى وجه الحبيبإنه مكروب
فدع النوم فصبح الشيب لاحمسفر الإشراق
وانقضى ليل الصبا الداجي وراحمثل ركب ساق
أين أهل الأرض من أيام عادأين أهل الأرض
وقرون ملأوا هذي البلادطولها والعرض
سيعود الكل في يوم المعادإذ يقوم العرض
كلهم يسعى إذ ما الصور صاحشاخص الأحداق
فلكم من أوجه ثم صباححظها الإحراق
سيمور الفلك الأعلى المحيطمن علا الأفلاك
ويضيق الخرق من هذا البسيطوترى الملاك
عندها كل خليل وخليطقلبه ينساك
وترى الأعين تجري بانسفاحدمعها الدفاق
زائدات فوقأواه البطاحتبلغ الأعناق
أرتجي ربي ويكفيني الرجافهو الغفار
والنبي المصطفى بدر الدجاأحمد المختار
من على سنته سار نجامن لهيب النار
مرشد الخلق إلى سبل النجاحطاهر الأعراق
ذا الندى بحر العطايا والسماحطيب الأخلاق وقال أيضاً:
ما غردت الورق مع الإشراقفوق الورق
إلا وحلمت من جوى الأشواقما لم أطق
ما نسمت الصبا صباحاً وسرتإلا بمسيرها لروحي أسرت
بالله ولا ذكرت أيامكمإلا ومدامعي من الشوق جرت
أصبو فإذا ما التهبت بي ناريظلت حدقي
تبكي أسفاً لعل دمعي الجارييطفي حرقي
أيامكم قضيت عيشاً رغدابنتم فبقيت بعدكم منفردا
ما أوحش دنياي إذا لم أركملا أوحشني الزمان منكم أبدا
يا مصطبحي الصفو عن الأكداريا مغتبقي
من بعدكم غرقت في تياربحر الغرق
من يوم عدمتكم عدنت الفرحاواعتضت بغصة الجوى والبرحا
والقلب ساقه دهره بعدكمكأسا وإلى الآن فما عاد صحا
سكران من الغرام والتذكاربادي القلق
ظمآن إلى أهيله والجارحلف الأرق
ودعتكم وعبرتي تندفقوالقلب بنار وجده يحترق
ناديت قفوا بالله كي أنظركمهيهات نعود بعدها نتفق
قد كان تبقى لي من أوطاريبعض الرمق
فاسترجع مني بيد الأقدارما كان بقي
ما أشوقني إلى قدوم الغيابما أتوقني إلى وجوه الأحباب
إن عاد لي الزمان يوماً بهملم يبق على الزمان والله عتاب
أو إن أمنت بقربهم أسراريبعد الفرق
حدثتهم بكل ضيم طاريالقلب لقي وقال أيضاً:
كل من يبكي على إلف جفاهأو حبيب مات
وأنا أبكي على طيب الحياهوزمان فات
أين عمري، وعلى عمري وآهخلف الحسرات
زار كالطيف وولى بسلامحامل الأوزار
لم يكن إلا كطيف في المنامأو كطير طار
كلما أفكر في عمر الشبابونزول الشيب
وفعال لي أحصاها الكتابكم بها من عيب
كدت أن أحثو على رأسي الترابوأشق الجيب
وأنادي من يعزي المستهامفاقد الأوطار
وقته فات وما نال المراموكفاه العار
كلما قلت عسى قلبي الشقييبلغ الآمال
وأنال الخير فيما قد بقيوتجود الحال
حطني الدهر فكم ذا أرتقيوالمدى قد طال
وكأن قد جاءني داعي الحمامبلغ الإنذار
فانثنت بعدي أغاريد الحمامتندب الآثار
بان من كانوا لقلبي مؤنسينمن جميع الناس
رحلوا فاليوم لي قلب حزيندائم الوسواس
فتراني خضاعاً للشامتينمطرقاً بالراس
غائصاً في بحر فكر وغرامموجه زخار
لا أبالي من رحل أو من أقاممن جوى الأفكار
أين من كانوا لضيمي مشتكيولأسراري
أين من كانوا لظهري متكاأين أنصاري
بينما هم مثل بستان زكانهره جاري
هب فيهم عاصم الموت الزؤامبهوا الإعصار
فإذا النبت به عصف حطامنهره قد غار
جز بأطلال خلت بعد السكنواندب الأطلال
أين سكانك يا هذي الدمنوالعلا والمال
إنها إن لم يكن فيها سكنليقول الحال
ها هنا كنا جميعاً بانتظامفي الذي نختار
أصبحت دارهم بعد الزحامما بها ديار
أيها الخاطي بليل الخاطئينلاح ضوء الفجر
انتبه قبل لحاق الأولينومضيق الحجر
واصطبر فالله يجزي الصابرينبعظيم الأجر
فبيوم وبشهر وبعامتنقضي الأعمار
وجزاء الخلق في يوم القيامجنة أو نار
ليس لي غير إلهي ذي الكرمغافر الزلات
والنبي المصطفى بدر الظلمصاحب الآيات
أحمد الهادي الرسول المحتشمسيد السادات
بدر حق يخجل البدر التماممشرق الأنوار
الذي كان تغشاه الغماموهو في الأسفار
سلم الله عليه وعلىآله الأعيان
وعلى صديقه تاج العلاسابق الإيمان
وعلى الفاروق مأمون الملاوالرضا عثمان
وعلي فارس الجيش الهمامالفتى الكرار
وعلى أولاده الزهر الكرامخيرة الأخيار وقال كان وكان:
دع عنك شرب الهليلجيا من فؤاده به حمى
واترك ذنوبك أي منما يحمل التعذيب
أهوال يوم القيامةحدث عن البحر ولا حرج
أقل ما في النوبةالطفل فيه يشيب
القبر قال نبيكأول منازل الآخره
من أول الدن دردريوالله الأخير عجيب
من بالأمل يتمسكمثل الذي يقبض الهوا
ومن من الثلج بيتولا يأمن التخريب
من الغراب دليلهأي المنازل يسكنو
ومن لإبليس يبتعيبصر لايش يصيب
من تاب عن ذنب واحدوذنب آخر عاد فعل
كم هرب من رشقهقعد حذا مزريب
على الطبيب النسخهوما عليه المزوره
من أهلكه تخليطهما يلتزم بو طبيب
إن كنت فحل ثابتنما تميل مع الهوى
الفحل للقلع آمنوما يخاف الهيب
خليت أرض الجنهما فيها نخله واحده
واخترت أرض الدنياجريب خلف جريب
فدرب دينار تعبرنسيت درب المقبره
لو جزت في درب صالحعرفت درب حبيب
عاملت دنياك مدهفعامل الله مثلها
إن ريت أنك تخسرفارجع وقل تجريب
إذا خلوت بنفسكفعلت ما لا ينبغي
أي من خلا أين تخلووالحق منك قريب
ترمي ليوسف قلبكفي منقلب جب الهوى
وعند يعقوب تبكيتقول أكله الذيب
أفنيت بندق عمركفي رمي عصفور الهوى
وللجليل ما عرفتهلإيش بقيت تصيب
تدب فوقك نملهتمد إيدك ترضها
يا من يرض النملهكم في التراب دبيب
تم العمل يا شبيطرلا تتبع نسر الأمل
وأي عقاب المظالمالقوس في التعقيب
تسف في قربانكسحت الحرام ولا تسل
هم يوم تصرع وتخرجمن الجميع سليب
حلوان قولك وسمتكلكن مراغه داخله
مالك إلى الحق موصلفكيف تصل لطبيب
قل للفقيه المهذبقلبك يكن فيه تبصره
فإن تنبيه قلبكتتمة التهذيب
لا بد ذي حركاتكبعد التصرف تتجزم
وواو جمعك وحيتكتخرج بلا ترتيب
اذخر لنفسك ذخيرهعسى تراها في غدا
نمى تعذب وغيركبما جمعت يطيب
لا بد لك أن تفلسولا يغرك ذا الغنى
ولو ورثت الدنيابالفرض والتعصيب
أي من بشوطو واقففي منصف العمر انتبه
وأسرع فشمس حياتكبقي القليل وتغيب
شرفك النفس ما هوبالنقش والنفش والنسب
قد قال: سلمان مناولم يكن بنسيب
من خاط ثوب المعاليبلا جميل يحمله
أصبح وستره شهرهوبان وفيه وريب
واسط مقام الفصاحهبغداد دار الأذكيا
وأنا فقير حصل ليمن كل أرض نصيب
فصار معجون قلبييشفي القلوب من المرض
ولا يشوبه مرارهلأن فيه تركيب
وأنشده شخص هذين البيتين:
أيامنا بالحمى حييت أياماوزادك الله إجلالاً وإكراماً
بالأمس قد كنت أحلى ما بأنفسنافما أصابك حتى صرت أحلاما وسأله أن يزيد عليها
فقال:
يا سادة جرحوا قلبي ببينهموحملوه على الآلام آلاما
لله ليلات أنس كن لي بكمعصيت فيهن عذالاً ولواما
كانت لنا من عطيات الزمان فمادامت علينا ولا المعطي لها داما وقال ذوبيت:
لما رأت العين بياض الشعراتفاضت أسفاً وقرحتها العبرات
ثم التفتت إلى الصبا وهي تقولقف صل على العمر صلاة الأموات وقال أيضاً:
ما يلمع بارق بذات العلمينإلا وبعين كل عين لي عين
تالله ولا أنظر يوماً حسناًإلا ويقول خاطري أين وأين وقال أيضاً:
في أي بطالة وفي أي زمانأستبدل في الهوى فلاناً بفلان
أرجو بدلاً هيهات ولى عمريقد كان من الصبا ومني ما كان
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع