تجاوز إلى المحتوى

من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)

الشيخ جمال الدين المزي

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

يوسف بن الزكي عبد الرحمن بن يوسف بن عبد الملك بن أبي الزهر، الشيخ الإمام العالم العلامة حافظ العصر، ومحدث الشام ومصر، جمال الدين أبو الحجاج القضاعي الكلبي المزي، الحلبي المولد، خاتمة الحفاظ، نافذ الأسانيد والألفاظ. مولده بظاهر حلب في عاشر ربيع الآخر سنة أربع وخمسين وستمائة، وطلب الحديث في أول سنة خمس وسبعين وهلم جرا وإلى آخر وقت، لا يفتر ولا يقصر من الطلب والاجتهاد والرواية. توفي في ثاني عشر صفر سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، ودفن بمقابر الصوفية.

سمع أصحاب ابن طبرزد والكندي وابن الحرستاني وحنبل، وسمع الكتب الأمهات الستة والمعجم الكبير تاريخ الخطيب والنسب لابن الزبير و " السيرة " و " الموطأ " من طرق، والزهد والمستخرج على مسلم و " الحلية " و " السنن " للبيهقي و " دلائل النبوة " وأشياء يطول ذكرها. ومن الأجزاء ألوفاً، ومشيخته نحو الألف.

حفظ القرآن الكريم وعني باللغة وبرع فيها وأتقن النحو والتصريف. ولما ولي دار الحديث الأشرفي تمذهب للشافعي وأشهد عليه بذلك. وكان فيه حياء وسكينة وحلم واحتمال وقناعة واطراح تكلف وترك التجمل والتودد والانجماع عن الناس وقلة الكلام إلا أنه يسأل فيجيب ويجيد، وكلما طالت مجالسة الطالب له ظهر له فضله. وكان لا يتكثر بفضائله، كثير السكوت لا يغتاب أحداً. وكان معتدل القامة مشرباً بحمرة قوي التركيب متع بحواسه وذهنه. وكان قنوعاً غير متأنق في ملبس أو مأكل، يصعد إلى الصالحية وغيرها ماشياً وهو في عشر التسعين. وكان يستحم بالماء البارد في الشتاء. وكان قد امتحن بالمطالب وتتبعها فيعثر به من الشياطين جماعة فيأكلون ما معه، ولا يزال في فقر لأجل ذلك.

وأما معرفة الرجال فإليه تشد الرحال، فإنه كان الغاية وحامل الراية. ولما ولي دار الحديث قال الشيخ تقي الدين: لم يل هذه المدرسة من حين بنائها وإلى الآن أحق منه بشرط الواقف، وقد وليها جماعة كبار مثل ابن الصلاح ومحيي الدين النواوي وابن الزبيدي، لأن الواقف قال: فإن اجتمع من فيه الرواية ومن فيه الدراية قدم من فيه الدراية؛ قال الشيخ شمس الدين: لم أر أحفظ منه، ولم ير هو مثل نفسه. قال الشيخ شمس الدين:

لم يسألني ابن دقيق العيد إلا عنه.

وكان قد أغتر في شبيبته وصحب عفيف الدين التلمساني، فلما تبين له مذهبه هجره وتبرأ منه.

صنف كتاب " تهذيب الكمال " في أربعة عشر مجلداً، كشف به الكتب القديمة في هذا الشأن، وسارت به الركبان، واشتهر في حياته، وألف كتاب " أطراف الكتب الستة " في تسعة أسفار.

قال الشيخ شمس الدين: قرأت بخط الحافظ فتح الدين ابن سيد الناس: ووجدت بدمشق الحافظ المقدم، والإمام الذي فاق من تأخر وتقدم، أبا الحجاج المزي: بحر هذا العلم الزاخر، القائل من رآه: كم ترك الأوائل للأواخر، أحفظ الناس للتراجم، وأعلمهم بالرواة من أعارب وأعاجم، لا يخص بمعرفته مصراً دون مصر، ولا ينفرد عليمه بأهل عصر دون عصر، معتمداً آثار السلف الصالح، مجتهداً فيما نيط به البيت حفظ السنة من المصالح، معرضاً عن الدنيا وأشباهها، مقبلاً على طريقته التي أربى بها على أربابها، لا يبالي ما ناله من الأزل، ولا يخلط جده بشيء من الهزل، وكان بما يضعه بصيراً، وبتحقيق ما يأتيه جديراً، وهو في اللغة إمام، وله بالقريض إلمام. وكنت أحرص على فوائده لأحرز منها " ما " أحرز، وأستفيد من حديثه الذي إن طال لم يملل وإن أوجز وددت أنه لم يوجز، رحمه الله تعالى.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «فوات الوفيات»