تجاوز إلى المحتوى

من «مجالس ثعلب» لثعلب (ت ٢٩١هـ)

مجلس

أخبرنا محمد بن الحسن، قال وثنا أبو العباس، ثنا عمر بن شبة، قال: حدثني أبو سعيد الثعلبي ثنا عبيد بن الوسيم، عن أبي رافع، قال: كنت ألاعب الحسن أو الحسين، ﵉، بالمداحى فإذا أصابت مدحاتي قال: أترضى أن تركب بضعة من رسول الله ﷺ؟! فأدعه، فإذا أصابت مدحاته، قلت: لا أحملك كما لم تحملني. فيقول: أما ترضى أن تحمل بضعة من رسول الله؟! فأحمله.

أخبرنا محمد، ثنا أبو العباس، حدثني عمر بن شبة قال: وحدثني سعيد بن عامر، عن جويرية بن أسماء، عن إسماعيل بن أبي حكيم قال: كنت عند عمر بن عبد العزيز، والبريد الذي جاءه من قسطنطينية يحدثه، قال: بينا أنا أسير على بغلتي في مدينة القسطنطينية إذ سمعت غناء لم أسمع غناء قط أحسن منه، فو الله ما أدري أكذاك هو أم لغربة العربية في تلك البلاد؟ فإذا رجل في غرفة، درجة تلك الغرفة في الطريق، فنزلت عن بغلتي فأوثقتها، ثم صعدت الدرجة فقمت على باب الغرفة، فإذا رجل مستلق على قفاه، واضع إحدى رجليه على الأخرى، وإذا هو يغنى ببيتين من الشعر لا يزيد عليهما فإذا فرغ بكى، فيبكى ما شاء الله، ثم يعيد ذينك البيتين، ثم يعود إلى البكاء، ففعل ذلك غير مرة، وأنا قائم على باب الغرفة، وهو لا يراني ولا يشعر بي. والبيتان:

وكائن بالبلاط إلى المصلىإلى أحد إلى ما حاز ريم
إلى الجماء من خد أسيلنقى اللون ليس به كلوم
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «أجارتنا بذي نفر أقيمي»

قال: البيت الثاني لم ينشدنيه سعيد بن عامر؛ قال قلت: السلام عليك. فأتيته فقلت: أبشر، فقد فك الله ﷿ أسرك، أنا بريد أمير المؤمنين عمر إلى الطاغية في فداء الأسارى. فإذا هو رجل من قريش، وكان أسر فسألوه فعرفوا منزلته، فدعوه إلى النصرانية فتنصر وزوجوه امرأة منهم، قال البريد: فقال لي: ويحك! فكيف بعبادة الصليب، وشرب الخمر، وأكل لحم الخنزير؟ فقلت: سبحان الله! ما تقرأ القرآن: " إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ". فأعاد علي: فكيف بعبادة الصليب، وأعاد كلامه الأول إعادة غير مرة. قال: فرفع الرجل يديه وقال: اللهم اجنبني هذا واكفني شره. قال: فما زلت راجياً لدعوة عمر. قال جويرية: وقد رأيت أخاه بالمدينة.

أخبرنا محمد، ثنا أبو العباس قال: وحدثني محمد بن سلام قال: زعم يونس بن حبيب قال: صنع رجل لأعرابي ثريدة ثم قال له: لا تصقعها ولا تشرمها، ولا تقعرها. قال: من أين آكل لا أبا لك!؟ نصقعها: تأكل من أعلاها. وتشرمها: تخرقها. وتقعرها: تأكل من أسفلها.

قال أبو العباس: وفي غير هذا الحديث: فمن أين آكل؟ قال: كل من حواجبها. أي من نواحيها.

أخبرنا محمد، ثنا أبو العباس، ثنا عبد الله بن شبيب، ثنا يحيى بن إبراهيم قال وثنا الزبير، عن أخيه هارون بن أبي بكر، قال وقال عبد الله ابن شبيب: ولقيت هارون فحدثني به عن سليمان بن محمد بن يحيى بن عروة عن أبيه عن عمه عبد الله بن عروة قال: أقحمت السنة نابغة بني جعدة، فدخل على ابن الزبير في المسجد الحرام ثم أنشده:

حكيت لنا الصديق لما وليتناوعثمان، والفاروق، فارتاح معدم
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «حكيت لنا الصديق لما وليتنا»
وسويت بين الناس في الحق فاستوىفعاد صباحاً، حالك اللون أسحم
أتاك أبو ليلى يجوب به الدجىدجى الليل جواب الفلاة عثمثم
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «حكيت لنا الصديق لما وليتنا»
لتجبر منه جانباً ذعذعت بهصروف الليالي والزمان المصمم
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «حكيت لنا الصديق لما وليتنا»

فقال له ابن الزبير: هون عليك أبا ليلى، فإن الشعر أهون مسائلك عندنا. أما صفوة أموالنا فلال الزبير، وأما عفوته فإن بني أسد تشغلها عنك، ولكن لك في مال الله حقان، حق برؤيتك رسول الله ﷺ، وحق لشركتك آل الإسلام في فيئهم. ثم أدخله بيت النعم فأعطاه قلائص تسعاً، وجملاً رحيلاً، وأوقر له الركاب براً وتمراً وثياباً، فجعل النابغة يستعجل ويأكل الحب صرفا، قال ابن الزبير: ويح أبى ليلى لقد بلغ به الجهد. فقال النابغة: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: ما وليت قريش فعدلت، واسترحمت فرحمت، وحدثت فصدقت، ووعدت خيراً فأنجزت، فأنا والنبيون فراط لقاصفين.

وقال أبو العباس في قول الله ﷿: " فإن أحصرتم " قال: يكون من علة ويكون من عدو، ويكون من حبس. وأنشد:

وما هجر ليلى أن تكون تباعدتعليك، ولا أن أحصرتك شغول
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
ولا أن تكون النفس عنها نحيحةبشىء ولا أن ترتضى ببديل
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

قال: نحيحة، وشحيحة واحد. أراد: شحيحة ببديل. قال: والاختيار أن يقول: شحيح نحيح، فجاء بغير الإتباع. ولا يكون بغير الإتباع إلا قليلا. ويقول: لم أتركها إلا لجفائها.

وأنشد:

أجش هزيم في الخبار إذا انتحىهوادى عطفيه العنان مقرب
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة

قال أبو بكر بن مقسم: الخبار: أرض رخوة. أجش: في صوته جشة. العنان: السباق، أي: هو يسبق في الخبار. يقول: في موضع لا يجرى فيه غيره.

وأنشد للراعى مثله - مثل: وما هجر ليلى:

وما هجرتك حتى قلت معلنةلا ناقة لي في هذا ولا جمل

أخبرنا محمد قال: وثنا أبو العباس، قال: قال أبو حية العكلي: كان رجل يحب بنت عم له، فسافر مع أخيها سفراً له، فلما قدما استقبلهما بعض الحي فقال: زوجت ليلى. فغشي عليه فرفعه ابن عمه، ورش عليه ماء. فأفاق وهو يقول:

تموت على ليلى خفاتاً وما رأتلك العين إسواراً لليلى ولا حجلا
ولكن نظرات بعين مريضةأولاك اللواتي قد مثلن بنا مثلا

أخبرنا محمد، قال وثنا أبو العباس، قال: ركب خالد بن صفوان يوماً في أصحاب له، فأخذتهم السماء وهو على حمار فقال: أما علمتم أن قطوف الدابة أمير القوم، فساروا معه، فلما كان الغد كان الغد ركب برذوناً هملاجاً وأخذتهم السماء، فرمع برذونه فقالوا: أبا صفوان، ما كان أصدق كلامك بالأمس! قال: فلم غالينا بالهماليج.

أخبرنا محمد قال أخبرنا أبو العباس، قال: قال عبد الواحد بن زيد...... جالسوا أهل الدين فإن الفجور لا يقربهم، وجالسوا الأشراف، فإن الفحش لا يجرى في مجالسهم.

قال، وقيل لرجل: من الخطيب؟ قال: من دام نظره، وبعد صوته، وابتل لسانه.

وقيل لقيس بن عاصم: بم نلت السؤدد؟ قال: بكف الأذى، ونصرة المولى وتعجيل القرى.

أخبرنا محمد، قال وثنا أبو العباس، قال ثنا الأصمعي قال: لما أدخل الشعبي على الحجاج: قال هيه يا شعبي. قال: فقال: أحزن بنا المنزل، وأجدب بنا الجناب، واستحلسنا الخوف، واكتحلنا السهر، وأصابتنا خزية لم نكن فيها فجرة أقوياء، ولا بررة أتقياء. قال: لله درك يا شعبي! أخبرنا محمد، قال وثنا أبو العباس، قال قال ابن سلام: لما أمعر أبو طالب، قالت بنو هاشم: دعنا فليأخذ كل رجل منا رجلاً من ولدك. قال: اصنعوا ما أحببتم إذا خليتم لي عقيلاً. فأخذ النبي ﷺ علياً، فكان أول من أسلم ممن تلتف عليه خبطاته من الرجال، ثم أسامة بن زيد، فكان أبو طالب يدان لسقاية الحاج حتى أعوزه ذلك، فقال لأخيه، العباس بن عبد المطلب - وكان أكثر بني هاشم مالاً في الجاهلية -: يا أخي، قد رأيت ما دخل علي، وقد حضر الموسم، ولا بد لهذه السقاية من أن تقام للحاج، فأسلفني عشرة آلاف درهم. فأسلفه العباس إياها، فأقام أبو طالب تلك السنة بها وبما احتال، فلما كانت السنة الثانية، وأفد الموسم، قال لأخيه العباس: أسلفني أربعة عشر ألف درهم. فقال: إني قد أسلفتك عام أول عشرة آلاف درهم، ورجوت ألا يأتى عليك هذا الموسم حتى تؤديها، فعجزت عنها، وأنت تطلب العام أكثر منها، وترجو - زعمت - ألا يأتى عليك الموسم حتى تؤديها، فأنت عنها أعجز اليوم. ها هنا أمر لك فيه فرج: أدفع إليك هذه الأربعة عشر الألف، فإذا جاء موسم قابل ولم توفني حقي الأول فولاية السقاية إلى، فأقوم بها فأكفيك هذه المؤونة ... عمن تتولاه. قال: فأنعم له أبو طالب بذلك، فقال: ليحضر هذا الأمر بنو....... بني هاشم ففعل أبو طالب، وأعاره العباس الأربعة العشر الألف بمحضر منهم ورضاً. فلما كان الموسم العام المقبل لم يكن بد من إقامته السقاية، فقال العباس لأبي طالب: قد أفد الحج، وليس لدفع حقي إلى وجه، وأنت لا تقدر أن تقيم السقاية، فدعني وولايتها أكفلها وأبرئك من حقي. ففعل، فكان العباس ابن عبد المطلب يليها وأبو طالب حي، ثم تم لهم ذلك إلى اليوم.

أخبرنا محمد قال: وثنا أبو العباس قال: قال ابن سلام: حدثني أبان بن عثمان، قال: أراد رجل بالمدينة أن يسوء عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب ويضاره، فجعل يأتى وجوه أهل المدينة فيقول: قال لكم عبد الله بن العباس تغدوا عندي. فجاء الناس حتى ملؤا عليه الدار، وعبيد الله غافل، فقال: ما شأن الناس؟ قال: جاءهم رسولك أن يتغدوا عندك، فعلم ما أريد به، فأمر بالباب فأغلق، وأرسل إلى السوق في أنواع الفاكهة وذكر الأترج والعنب والموز - فشغلهم، وأمر بالأطعمة فطبخت وشويت، فلم يفرغوا من الفاكهة حتى أتوا بالطعام حتى صدروا عنه، فقال عبيد الله: أموجود هذا كلما شئت؟ فقالوا: نعم. فقال: ما أبالي من أتاني.

أخبرنا محمد قال: وثنا أبو العباس؛ ثنا عمر بن شبة قال: حدثني إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال: حدثني أبو صالح الفزاري قال: ذكر ذو الرمة في مجلس فيه عدة من الأعراب، فقال عصمة بن مالك - شيخ منهم من بني جاشىء بن فزارة، وكان قد بلغ عشرين ومائة سنة -: إياى فاسألوا عنه، كان من أظرف الناس، كان آدم خفيف العارضين، حسن المضحك، حلو المنطق، وكان إذا أنشد بربر وجش صوته، فإذا راجعك لم تسأم حديثه وكلامه، وكان له إخوة يقولون الشعر، منهم مسعود، وجرفاس - وهو أوفى - وهشام. فكانوا يقولون القصيدة فيرد فيها الأبيات فيغلب عليها ويجعلها له، فجمعني وإياهم مربع، فأتاني يوماً فقال لي: يا عصمة إن مية منقرية، وبنو منقر أخبث حي وأقوفه لأثر، وأثبته في نظر، وأعلمه بشر، فهل عندك من ناقة نزدار عليها مية؟ قلت: إي والله، الجوذر، بنت يمانية الجدلى. قال: علي بها. فركبناها جميعاً وخرجنا حتى نشرف على بيوت الحي فإذا هم خلوف، وإذا بيت مي خلو، فعرف النساء ذا الرمة حين طلعنا عليهن، فتقوض النساء إلى بيت مي، وجئنا حتى أنخنا ثم دنونا فسلمنا وقعدنا نتحدث، وإذا مي جارية أملود واردة الشعر، صفراء فيها عسن، وإذا عليها سب أصفر، وطاق أخضر. فتحدثن ملياً ثم قلن له: أنشدنا يا ذا الرمة. قال: أنشدهن يا عصمة. فأنشدتهن قوله:

نظرت إلى أظعان مي كأنهاذرى النخل أو أثل تميل ذوائبه
فأوشلت العينان والصدر كاتمبمغرورق نمت عليه سواكبه
بكا وامق جاء الفراق ولم تجلجوائلها أسراره ومعاتبه

فقالت ظريفة ممن حضر: لكن الآن فلتجل. فنظرت إليها مي؛ ثم مضيت في القصيدة حتى انتهيت إلى قوله:

إذا سرحت من حب مي سوارحعن القلب آبته جميعاً عوازبه
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «وقفت على ربع لمية ناقتي»

فقالت الظريفة منهن: قتلته قتلك الله. فقالت مي: ما أصحه وهنيئاً له. فتنفس ذو الرمة تنفسة كاد حرها يطير شعر وجهه، ومضيت حتى انتهيت إلى قوله:

وقد حلفت بالله مية ما الذيأقول لها إلا الذي أنا كاذبه
إذن فرماني الله من حيث لا أرىولا زال في أرضى عدو أحاربه

فقالت الظريفة: قتلته قتلك الله! فالتفتت إليه مي فقالت: خف عواقب الله يا غيلان. ثم مضيت فيها حتى انتهيت إلى قوله:

إذا راجعتك القول مية أو بدالك الوجه منها أو نضا الدرع سالبه
فيالك من خد أسيل ومنطقرخيم ومن خلق تعلل جادبه

فقالت الظريفة: ها هي ذه قد راجعتك القول وبدا لك وجهها فمن لنا بأن ينضو الدرع سالبه. فالتفتت إليها مي فقالت؛ قاتلك الله ما أنكر ما تأتين به! قال عصمة للنساء: إن لهذين شأنا فقمن بنا. فقمن وقمت معهن فجلست في بيت أراهما منه فسمعتها قالت له: كذبت والله. والله ما أدري ما قال لها وما أكذبته فيه. فلبث قليلاً ثم جاءني ومعه قارورة فيها دهن، وقلائد. فقال لي: هذا دهن طيب أتحفتنا به مي، وهذه قلائد لجوذر، ولا والله لا أقلدهن بعيراً أبداً. وشدهن بذؤابة سيفه ثم انصرفنا، فكان يختلف إليها حتى تقضى الربيع ودعا الناس المصيف، فأتاني فقال: يا عصمة، قد رحلت مي، ولم تبق إلا الآثار، والنظر في الديار، فاذهب بنا ننظر في ديارها، ونقفو آثارها. فخرجنا حتى أتينا منزلها، فوقف ينظر ثم قال:

ألا يا اسلمى يا دار مي على البلىولا زال منهلاً بجرعائك القطر
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ألا يا اسلمي يا دار مي على البلي»

قال عصمة: فما ملك عينيه، فقلت: مه. فانتبه وقال: إنى لجلد وإن كان مني ما ترى. قال: فما رأيت أحداً كان أشد منه يومئذ صبابة ولا أحسن عزاء وصبراً، ثم انصرفنا وتفرقنا، وكان آخر العهد به.

أخبر نا محمد بن الحسن ثنا أبو العباس: في قوله ﷿: " من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه " قال أبو العباس: أصل الحرث حرث الأرض، وهو ها هنا العمل.

وأنشدنا أبو العباس:

فجال علينا بإبريقهمخضب كف بفرصادها
للشاعر الأعشى، من قصيدة «أجدك لم تغتمض ليلة»

يقول: كفه مخضوبة بمثل التوت.

فباتت ركاب بأكوارهاوخيل لدينا بألبادها
لقوم فكانوا هم المنفدينشرابهم قبل إنفادها
للشاعر الأعشى، من قصيدة «أجدك لم تغتمض ليلة»

أراد: قبل إنفاد عقولهم.

وقال أبو العباس: أصل المكر الخديعة وأخذ الشىء من غير جهته. وقال: ذو الظفر ما لم يصد، وما اصطاد فهو ذو المخلب. والريش والرياش: اللباس الحسن.

يقال أعطى النابغة النعمان إبلاً وريشها، أي بما يصلحها من الآلة والثياب.

وقال: إذا قيل غزا غزاة فهو بمعنى عمل سنة، وإذا قال غزوة، أراد مرة.

وأنشد:

إذا أراد أمرؤ مكراً خبا عللاوظل يضرب أخماساً لأسداس

وقال: وأنشد ابن الأعرابي:

وذلك ضرب أخماس أراهلأسداس عسى ألا تكونا

وقال: هؤلاء قوم كانوا في إبل لأبيهم عزاباً، فكانوا يقولون للربع من الإبل الخمس وللخمس السدس، فقال أبوهم: إنما تقولون هذا لترجعوا إلى أهلكم. فصارت مثلاً في كل مكر.

ويقال: جلس الأربعا والأربعاوى، إذا قعد متربعاً.

ويقال: من أخذ من النهاوش والمهاوش ألقى في النهابر. قال: النهاوش والمهاوش، أخذ من نهش الحية. والمعنى يأخذه من النهب وينفقه في غير حله. والنهابر: مواضع من الرمل إذا وقعت فيها رجل البعير لا تكاد تخرج.

وأنشدنا أبو العباس:

عام لا يغررك يوم من غدعام إن الدهر يغفى ويهب
صاد ذا الضغن إلى غرتهوإذا درت لبون فاحتلب
ليس بالصافي وإن صافيتهعيش من يصبح نصباً للريب

ويقال: ما قيل لقوم قط: طوبى لهم، إلا رصد لهم الدهر بيوم سوء.

أخبرنا أبو محمد قال: وثنا أبو العباس أحمد بن يحيى قال: قال ابن سلام: كانت امرأة من العرب ومات عنها زوجها ولها منه أربعة بنين، فأقامت عليهم حتى زوجتهم، ثم تزوجت. فغابت عنهم زماناً ثم أتتهم، فقالت: للأكبر: كيف وجدت أهلك؟ فقال: حسن رائع، وبيت ضائع، وضيف جائع. وقالت للآخر: كيف وجدت أهلك؟ فقال: غل وثاق، وسوء أخلاق، قد منعتني فراقها، وحرمتني طلاقها. وقالت للآخر: كيف وجدت أهلك؟ فقال: ظل أثلة، ولين رملة، وجنى نحلة، وكأني كل يوم آيب. وقالت للآخر: كيف وجدت أهلك؟ فقال: دل لا يقلى، وعجب لا يفنى، ولذة لا تقضى، وكأني مضل أصاب ضالته. فقالت: ألا تسألوني كيف وجدت زوجي بعد أبيكم؟ قالوا: بلى فأخبرينا. قالت: ليث عرينة، وجمل ظعينة، وظل صخر، وجوار بحر وقال: قال الأصمعي: يقال للقوم المجلس، وأنشد: واستب بعدك يا كليب المجلس وقال: قال: النبي ﷺ:.............. ويعينه على رزقه.

قال: وكانت لرجل من أصحاب رسول الله ﷺ دابة، ففقدها رسول الله ﷺ، فقال: يا فلان ما فعلت دابتك؟ قال بعتها من فلان. قال: ما جعله أحق بجمالها منك.

ويقال: لزم ثكم الطريق، وكثمه، ومرتكمه، أي معظمه.

وقال: قال رسول الله ﷺ لزيد: أنت مولانا، فحجل، أي قفز من الفرح.

العجر في البطن، والبجر في الظهر.

قولهم: لا يدري الحو من اللو أي لا يعرف الكلام الذي يفهم من الذي لا يفهم. ولا يعرف قبيله من دبيره أي لا يدري فتل إلى فوق أو إلى أسفل.

قال: ويقال كان أبو بكر ﵇ أسيفاً. والأسيف: الحزين.

وأنشد:

إلى رجل منهم أسيف كأنمايضم إلى كمحيه كفا مخضبا

أي كأنه قد قطعت يده فهو يحزن عليها.

وأنشد:

كأن العين خالطها قذاهابعوار فلم تقضى كراها

قال: اكتفى بتسكين الياء في تقضى مكان الجزم.

وقال أبو العباس أحمد بن يحيى في قوله ﷿: " واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة "، قال: هذا نهى. وتأويله: الجزاء والعذاب إذا نزل عم. فقال: الذين ظلموا منكم خاصة.

قولهم: أراك بشراً ما أحار مشفر قال: معناه أراك حسن البشرة ما رد المشفر في جوفك ما أكلت. ومثله ما غاب سعى عن بدن، أي يبين على البدن ما سعى الرجل. وقال: هذا قريب من ذاك.

وأنشد:

تظل معقلات السوق خوصاًتنازع أنفها ريح الجنوب

ويقال أقبرته: جعلت له قبراً؛ وقبرته: دفنته.

أخبرنا أبو محمد قال: وثنا أبو العباس قال: دخل بعضهم على المأمون فسأله فقال: يا أمير المؤمنين، إنه بعد أطلاع إيناس. وأنشد:

ليس بما ليس به بأس باسولا يضر البر ما قال الناس
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «كأنها وقد براها الأخماس»

وإنه بعد اطلاع إيناس قال: بعد الإشراف بكون الأنس:

وقال أبو العباس: فاعلت وفعللت وأفعلت، كله يجىء بالضم في الاستقبال، فيقولون أفعل ويفعل فيحذفون الهمز استثقالاً، وربما جاءوا بالأصل كقول الشاعر: وصاليات ككما يؤثفين ويقال فئون وفئين. وكل ما نقص اللام منه جمع بالواو والنون..

ويقال لهده الحمل، إذا فسخ سنامه.

أخبرنا محمد، قال: أنشدنا أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب:

جاءوا مخلين فلاقوا حمضاوطلبوا النقض فلاقوا نقضا
وإن علوا من بعد أرض أرضاحسبتهم زادوا عليها عرضا
للشاعر العجاج، من قصيدة «ألم يكن أشد قوم رحضا»

أي من كثرتهم تظنهم أكثر من سعة الأرض.

" يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه " قال: عن قتال فيه، كما تقول ضربت الرجل رأسه.

البدنة من الإبل، وقد قال بعضهم: من الإبل والبقر.

وأنشد للفرزدق:

يا أيها المشتكى عكلا وما جرمتإلى القبائل من قتل وإبآس
إنا كذاك إذا كانت همرجةنسبى ونقتل حتى يسلم الناس

قال: بمت: لم قلت من قتل وإباس. فقال: ويحك فكيف أصنع وقد قلت: حتى يسلم الناس؟ قال: قلت: فبم رفعته؟ قال: بما يسوءك وينوءك.

قال أبو العباس: وإنما رفعه لأن الفعل لم يظهر بعده، كما تقول ضربت زيداً وعمرو، لم يظهر الفعل فرفعت: وكما تقول: ضربت زيداً وعمرو مضروب.

وأنشد: ولا صلح حتى تضبعون ونضبعا قال: تمدون أيديكم إلينا بالسيوف ونمد أيدينا.

وأنشد لإبراهيم بن الأسود النخعي:

وقلت لعبد الله إنك واحدومثلك في هذا الأنام كثير
قطعت إخائي ظالماً وهجرتنيوليس أخي من في الإخاء يجور
للشاعر حماد عجرد، اقرأ القصيدة
أزور وتجفوني ولست بنازحوإن الفتى تجفوه ثم يزور
كبير العقلوالذي ... ... في الكرام صغير
فلا تحسبن منحى لك الود خالصاًلضر ولا أنى إليك فقير
للشاعر حماد عجرد، اقرأ القصيدة
فكم من أخ لي ماجد وابن ماجدأغر كضوء الشمس حين تنير
إذا لم أزره لم يغب زيارتيوأعرف منه الود حين أزور
عليك سلام سوف دون لقائكمتمر سنون بعدهن شهور
وأكرم نفسي عنكم وأصونهاإذا كدت من شوق إليك أطير
فهيهات هيهات الزمان الذي مضىوقد حدثت بعد الأمور أمور
فدونك حظى منك لست أريدهطوال الليالي ما أقام ثبير
وما إن أبالي زرتني أم جفوتنيوما منهما إلا على يسير
ولو أن بعضي رابني لقطعتهوإني بقطع الرائبي لجدير
للشاعر حماد عجرد، اقرأ القصيدة

وقال أبو العباس أحمد بن يحيى: يقال يأيها الرجل، ويأيها القوم، ويأيها المرأة، ويأيتها المرأة؛ يذكر ويونث مع المؤنث، ولا يوجه يأيها إلا في الواحدة فإنها تذكر وتؤنث. قال: وقال سيبويه والخليل وأصحابهما: يا تنبيه، وها تنبيه، وأي المنادى، والرجل وما جاء بعد يأيها وصف لازم. قال: وهذا لا يصح. قال الفراء: الدليل على أنه ليس كما قالوا أنه يقال يأيهذا أقبل، فيسقط، الثاني الذي زعم أنه وصف لازم. ولكن قال الفراء: يأيهذا اكتفوا بالرجل من ذا، وبذا من الرجل، ويجمعون بينهما فيقولون: يا أيهذا الرجل. وأنشد:

أيهذان كلا زادكماوذراني واغلاً فيمن يغل

فجاء بهذا وأسقط الرجل. وتأويله يا أي ثم لم يعرف ما بعده فقال هو: هذا الرجل، فاستأنف به، فلذلك قالوا: يا أيهذا الرجل ذو المال، فردوا ذا المال على الرجل.

وأمل في هذا. قال: هذا تكون مثالاً، وتكون قريباً، فإذا كانت مثالاً قلت هذا زيد، هذا الشخص شخص زيد، وإن شئت قلت هذا الشخص كزيد. وإذا قلت هذا كزيد قائماً فهو حال، كأنك قلت: هذا زيد قائماً. ولكنك قد قربته. وتكون تشبيهاً في: كزيد هذا منطلق، وكزيد قائم، وهذا يجرى مجرى الخبر.

قال: وقال سيبويه: هذا زيد منطلقاً، فأراد أن يخبر عن هذا بالانطلاق، ولا يخبر عن زيد، ولكنه ذكر زيداً ليعلم لمن الفعل. قال أبو العباس: وهذا لا يكون إلا تقريباً، وهو لا يعرف التقريب. والتقريب مثل كان، إلا أنه لا يقدم في كان، لأنه رد كلام فلا يكون قبله شيء.

وقال الكسائي: سمعت العرب تقول: هذا زيد إياه بعينه. فجعله مثل كان. وقالوا: تربع ابن جؤية في اللحن حين قرأ: " هؤلاء بناتي هن أطهر لكم " وجعلوه حالاً، يعنى أطهر. وليس وكما قالوا، هو خبر لهذا كما كان في كان، إلا أنه لا يدخل العماد مع التقريب، من قبل أن العماد جواب والتقريب جواب فلا يجتمعان. وإذا صاروا إلى المكنى جعلوه بين ها وذا فقالوا ها أنا ذا قائماً، وجاء في القرآن بإعادتها. ويقولون ها نحن ألاء وها نحن هؤلاء، أعادوها وحذفوها. وهذا كله مع التقريب. ويحذفون الخبر لمعاينة الإنسان، فقالوا: ها أنا ذا عمارا فحذف الخبر كأنه قال: ها أنا ذا حاضر أو في هذا المكان. وإذا جاءوا مع هذا بالألف واللام كانت الألف واللام نعتاً لهذا، فقالوا: هذا الرجل قائم. وقد أجاز أهل البصرة إذا كان معهوداً أن ينصب الفعل، وقد أجازه أيضاً بعض النحويين، والفراء يأباه، وإنما نعتوا هذا بالأسماء فقالوا: مررت بهذا الرجل ورأيت هذا الرجل، فجعلوه تابعاً لهذا؛ لأنه يكون بين يدي الرجل أجناس فلا يدرى إلى أيها أشرت، فقلت هذا الثوب، هذا الرجل، هذه الدابة، فميزت هذا الجنس من هذه الأجناس. ولذلك صارت الأجناس تابعة لهذا، وإذا جاء واحد لا ثاني له فقيل هذا القمر، وهذا الليل، وهذا النهار، لم يكن إلا تقريباً. وقد تسقط، هذا فتقول: كيف أخاف الظلم وهذا الخليفة قائماً، والخليفة قائم، فتدخل هذا وتخرجه فيكون المعنى واحداً. وكلما رأيت إدخال هذا وإخراجه واحداً فهو تقريب، مثل قولهم: من كان من الناس سعيداً فهذا الصياد شقياً، وهو قولك: فالصياد شقى، فتسقط، هذا وهو بمعناه.

وقال أبو العباس: إذا أضفت الأوقات إلى مرفوع فارفع، وإلى منصوب فانصب. ويجوز ذا في ذا، وذا في ذا.

آخر الجزء الأول من أمالي أبي العباس ثعلب رحمه الله تعالى والحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمد وأله وسلم آمين

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.