من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
تأويل آية [وَجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ]
إن سأل سائل عن قوله ﵎: وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ؛ [يوسف].
فقال: كيف وصف الدم بأنه كذب، والكذب من صفات الأقوال لا من صفات الأجسام؟
وأىّ معنى لوصفه الصبر بأنّه جميل؟ ومعلوم أنّ صبر يعقوب ﵇ على فقد ابنه يوسف لا يكون إلا جميلا؟ ولم ارتفع الصبر؟ وما المقتضى لرفعه؟
والجواب، يقال له: أمّا الْكَذِبَ فمعناه أنه مكذوب فيه وعليه، مثل قولهم: هذا ماء سكب وشراب صبّ؛ يريدون مصبوبا ومسكوبا؛ ومثله: ماء غور، ورجل صوم، وامرأة نوح، قال الشاعر:
تظلّ جيادهم نوحا عليهممقلّدة أعنّتها صفونا
أراد بقوله: «نوحا» أى نائحة عليهم، ومثله: ما لفلان معقول؛ يريدون عقلا، وما له على هذا الأمر مجلود، يريدون جلدا، قال الشاعر:
/ حتّى إذا لم يتركوا لعظامهلحما ولا لفؤاده معقولا
وأنشد أبو العباس ثعلب:
قد والّذي سمك السّماء بقدرةبلغ العزاء وأدرك المجلود
وقال الفرّاء وغيره: يجوز فى النحو: «بدم كذبا» بالنصب على المصدر؛ لأنّ جاؤُ فيه معنى كذبوا كذبا، كما قال تعالى: وَالْعادِياتِ ضَبْحاً فنصب ضبحا على المصدر؛ لأن العاديات بمعنى الضابحات، وإنما كان دما مكذوبا فيه؛ لأن إخوة يوسف [ذبحوا سخلة، ولطخوا قميص يوسف بدمها، وجاءوا أباهم بالقميص، وادّعوا أكل الذئب له، فقال لهم يعقوب]: يا بنيّ، لقد كان هذا الذئب رفيقا حين أكل ابنى، ولم يخرّق قميصه؛ قالوا: بل قتله اللصوص، قال: فكيف قتلوه وتركوا قميصه، وهم إلى قميصه أحوج منهم إلى قتله!. وقد قيل: إنه كان فى قميص يوسف ثلاث آيات: حين قد قميصه من دبر، وحين ألقى على وجه أبيه فارتد بصيرا، وحين جاءوا عليه بدم كذب؛ فتنبه أبوه على أنّ الذئب لو أكله لخرّق قميصه.
وو أما وصف الصبر بأنه جميل، فلأن الصبر قد يكون جميلا وغير جميل، وإنما يكون جميلا إذا قصد به وجه الله، وفعل للوجه الّذي وجب، فلما كان فى هذا الموضع واقعا على الوجه المحمود صحّ وصفه بذلك. وقد قيل إنه أراد صبرا لا شكوى فيه ولا جزع، ولو لم يصفه بذلك لظنّ مصاحبة الشكوى أو الجزع له. وأما ارتفاع قوله: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ فقد قيل إن المعنى: فشأنى صبر جميل، أو الّذي أعتقده صبر جميل. وقال قطرب: معناه فصبرى صبر جميل؛ وأنشدوا:
شكا إلى جملى طول السّرىيا جملى ليس إلى المشتكى
الدّرهمان كلّفانى ما ترىصبر جميل فكلانا مبتلى
معناه: فليكن منك صبر جميل. وقد روى أن فى قراءة أبىّ: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ بالنصب، وذلك يكون على الإغراء، والمعنى فاصبرى يا نفس صبرا جميلا، قال ذو الرّمة:
ألا إنما ميّ- فصبرا- بليّةوقد يبتلى الحرّ الكريم فيصبر
وقال الآخر:
أبى الله أن تبقى لحىّ بشاشةفصبرا على ما شاءه الله لى صبرا
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع