تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

أخبار بشّار بن برد

فأمّا بشّار بن برد فروى المازنىّ قال: قال رجل لبشّار: أتأكل اللحم وهو مباين لديانتك؟ - يذهب إلى أنّه ثنوىّ - فقال بشار: إنّ هذا اللحم يدفع عنّى شرّ هذه الظلمة.

قال المبرّد: ويروى أنّ بشارا كان يتعصّب للنار على الأرض، ويصوّب رأى إبليس فى الامتناع عن السجود، وروى له:

النّار مشرقة والأرض مظلمةوالنّار معبودة مذ كانت النّار

وروى بعض أصحابه قال: كنا إذا حضرت الصلاة نقوم إليها، ويقعد بشار، فنجعل حول ثيابه ترابا؛ لننظر: هل يصلّى، فنعود والتراب بحاله ولم يقم إلى الصّلاة.

أخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدّثني على بن عبد الله الفارسىّ قال: أخبرنى أبى قال: حدّثني ابن مهرويه عن أحمد بن خلّاد قال: حدثنى أبى قال: كنت أكلّم بشارا وأردّ عليه سوء مذهبه بميله إلى الإلحاد، فكان يقول: لا أعرف إلا ما عاينت أو عاينه معاين؛ وكان الكلام يطول بيننا، فقال لى: ما أظنّ الأمر يا أبا مخلد إلا كما يقال: إنه

خذلان؛ ولذلك أقول:

/ طبعت على ما فىّ غير مخيّرهواى ولو خيّرت كنت المهذّبا
أريد فلا أعطى وأعطى ولم أردوغيّب عنّى أن أنال المغيّبا
وأصرف عن قصدى وعلمى مبصرفأمسى وما أعقبت إلّا التّعجّبا

قال الجاحظ: كان بشّار صديقا لواصل بن عطاء الغزّال قبل أن يظهر مذاهبه المكروهة، وكان بشّار مدح واصل بن عطاء، وذكر خطبته التى نزع منها الراء، وكانت على البديهة فقال:

تكلّف القول والأقوام قد حفلواوحبّروا خطبا ناهيك من خطب!
فقام مرتجلا تغلى بداهتهكمرجل القين لمّا حفّ باللهب
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «تكلفوا القول والأقوام قد حفلوا»
وجانب الرّاء لم يشعر به أحدقبل التّصفّح والإغراق فى الطّلب
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «تكلفوا القول والأقوام قد حفلوا»

ومثل ذلك قول بعضهم فى واصل بن عطاء:

ويجعل البرّ قمحا فى تكلّمهوجانب الرّاء حتّى احتال للشّعر
ولم يقل مطرا والقول يعجلهفعاذ بالغيث إشفاقا من المطر

فلما أظهر بشار مذاهبه هتف به واصل، وقام بذكره وتكفيره وقعد، فقال بشار فيه:

ما لي أشايع غزّالا له عنقكنقنق الدّوّ إن ولى وإن مثلا
عنق الزّرافة ما بالى وبالكمتكفّرون رجالا أكفروا رجلا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ماذا منيت بغزال له عنق»

فلما تتابع على واصل ما يشهد بإلحاده قال عند ذلك: أما لهذا الأعمى الملحد! أما لهذا المشنّف المكتنى بأبى معاذ من يقتله! أما والله لولا أنّ الغيلة سجية من سجايا الغالية لدسست إليه من يبعج بطنه فى جوف منزله على مضجعه، أو فى يوم حفله، ثم كان لا يتولّى ذلك إلّا عقيلىّ أو سدوسىّ، فعدل واصل بن عطاء من الضّرير إلى الأعمى، ومن الكافر إلى الملحد، ومن المرعّث إلى المشنّف، ومن بشّار إلى أبى معاذ، ومن الفراش إلى المضجع وزاد قوم فقالوا: ومن أرسلت إلى دسست، ومن يبقر إلى يبعج، ومن داره إلى منزله، ومن المغيريّة إلى الغالية/، والأول أشبه بأن يكون مقصودا، وما ذكرت ثانيا قد يتّفق استعماله من غير عدول عن استعمال الراء.

فأما قوله: «لا يتولّى ذلك إلا عقيلىّ [أو سدوسىّ]» فلأن بشارا كان مولى لهم، وذكره بنى سدوس لأن بشارا كان ينزل فيهم. فأما لقب بشّار بالمرعّث فقد قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها أنه لقّب بذلك لبيت قاله وهو:

قال ريم مرعّثفاتر الطّرف والنّظر
لست والله قاتلىقلت أو يغلب القدر

والقول الثانى أنّه كان لبشّار ثوب له جيبان: أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، فكان إذا أراد لبسه يضمّه عليه ضمّا، من غير أن يدخل رأسه فيه، فشبّه استرسال الجيبين وتدلّيهما بالرّعاث، وهى القرطة، فقيل: المرعّث، وقال أبو عبيدة: إنّما سمّى المرعّث لأنه كان يلبس فى صباه رعاثا، وهذا هو القول الثالث.

وكان بشّار مقدما فى الشعر جدا حتى إن كثيرا من الرّواة يلحقه بمن تقدّم عصره عليه

من المجوّدين. وأخبرنا المرزبانىّ عن محمد بن يحيى الصولىّ قال حدثنا محمد بن الحسين اليشكريّ قال: قيل لأبى حاتم: من أشعر الناس؟ قال الّذي يقول:

ولها مبسم كغرّ الأقاحىوحديث كالوشى وشى البرود
نزلت فى السّواد من حبّة القلب ونالت زيادة المستزيد
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «نزلت في السواد من حبة القلب»
عندها الصّبر عن لقائى وعندىزفرات يأكلن صبر الجليد
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «اشفعي لي صريم عند الكنود»

- يعنى بشارا؛ قال: وكان يقدّمه على جميع الناس، ولما قال بشار:

بنى أميّة هبّوا طال نومكمإنّ الخليفة يعقوب بن داود
ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسواخليفة الله بين الزّقّ والعود
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «لا يأيسن فقير من غنى أبدا»

فبلغ ذلك المهدىّ فوجد عليه، وكان ذلك سبب قتله.

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من مجلس آخر (٧)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.