تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

تأويل آية [: وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ

]

إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ. قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ؛.

فقال: ظاهر قوله تعالى: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ يقتضي تكذيب/ قوله: إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي والنبىّ لا يجوز عليه الكذب، فما الوجه فى ذلك؟ وكيف يصحّ أن يخبر عن ابنه بأنه عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ؟ وما المراد به؟

الجواب، قلنا: فى هذه الآية وجوه:

أولها أن نفيه لأن يكون من أهله لم يتناول نفى النّسب، وإنما نفى أن يكون من أهله الذين وعده الله بنجاتهم؛ لأنه ﷿ كان وعد نوحا ﵇ بأن ينجّى أهله، ألا ترى إلى قوله: قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ، فاستثنى تعالى من أهله من أراد إهلاكه بالغرق! ويدل عليه أيضا قول نوح:

إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ، وعلى هذا الوجه يتطابق الأمران ولا يتنافيان؛ وقد روى هذا التأويل بعينه عن ابن عباس وجماعة من المفسرين.

والجواب الثانى، أن يكون المراد بقوله تعالى: لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ أى أنه ليس على دينك؛ وأراد تعالى أنه كان كافرا مخالفا لأبيه؛ فكأنّ كفره أخرجه عن أن يكون له أحكام

أهله؛ ويشهد لهذا التأويل قوله ﷿ على طريق التعليل: إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، فبيّن أنه إنما خرج عن أحكام أهله لكفره وسيّئ عمله، وقد روى هذا التأويل أيضا عن جماعة من المفسرين؛ وحكى عن ابن جريج أنه سئل عن ابن نوح فسبّح طويلا ثم قال لا إله إلا الله! يقول الله: وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ؛ وتقول: ليس منه! ولكنه خالفه فى العمل فليس منه من لم يؤمن.

وروى عن عكرمة أنه قال: كان ابنه ولكن كان مخالفا له فى النية والعمل؛ فمن ثمّ قيل: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ.

والوجه الثالث أنه لم يكن ابنه على الحقيقة؛ وإنما ولد على فراشه، فقال ﵇:

إنه ابنى على ظاهر الأمر؛ فأعلمه الله أن الأمر بخلاف الظاهر، ونبهه على خيانة امرأته؛ وليس فى ذلك تكذيب لخبره، لأنه إنما أخبر عن ظنه، وعمّا يقتضيه الحكم الشرعىّ، فأخبره الله تعالى بالغيب الّذي لا يعلمه غيره؛ وقد روى هذا الوجه عن الحسن وغيره.

وروى قتادة عن الحسن قال: كنت عنده؛ فقال: وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ لعمر الله ما هو ابنه، قال: فقلت: يا أبا سعيد؛ يقول الله: وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وتقول: ليس بابنه!

قال: أفرأيت قوله: لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ؟ قال: قلت معناه: ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم معك، ولا يختلف أهل الكتاب أنه ابنه، فقال: أهل الكتاب يكذبون؛ وروى عن مجاهد وابن جريج مثل ذلك.

وهذا الوجه يبعد إذ فيه منافاة للقرآن؛ لأنه تعالى قال: وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ، فأطلق عليه اسم البنوّة؛ ولأنه أيضا استثناه من جملة أهله بقوله تعالى: وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ؛ ولأنّ الأنبياء ﵈ يجب أن ينزّهوا عن مثل هذه الحال؛ لأنّها تعرّ وتشين وتغضّ من القدر؛ وقد جنّب الله تعالى أنبياءه ﵈ ما هو دون ذلك؛ تعظيما لهم وتوقيرا، ونفيا لكل ما ينفّر عن القبول منهم؛ وقد حمل ابن عباس ظهور ما ذكرناه من الدّلالة على أنّ تأوّل قوله تعالى فى امرأة نوح وامرأة لوط: فَخانَتاهُما على أن الخيانة

لم تكن منهما بالزّنا، بل كانت إحداهما تخبر الناس بأنه مجنون؛ والأخرى تدل على الأضياف؛ والمعتمد فى تأويل الآية هو الوجهان المتقدمان.

فأما قوله تعالى: إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فالقراءة المشهورة بالرفع، وقد روى عن جماعة من المتقدمين أنهم قرءوا: إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ بنصب اللام وكسر الميم ونصب «غير»؛ ولكل وجه.

فأما الوجه فى الرفع فيكون على تقدير أن ابنك ذو عمل غير صالح؛ وصاحب عمل غير صالح؛ فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه؛ وقد استشهد على ذلك بقول الخنساء:

ما أمّ سقب على بوّ تطيف بهقد ساعدتها على التّحنان أظآر
ترتع ما رتعت حتى إذا ذكرتفإنما هى إقبال وإدبار
للشاعر الخنساء، من قصيدة «قذى بعينك أم بالعين عوار»

أرادت إنما هى ذات إقبال وإدبار.

وقال قوم: إن المعنى أصل ابنك هذا الّذي ولد على فراشك وليس بابنك فى الحقيقة [عمل غير صالح، يعنى الخيانة من امرأته، وهذا جواب من ذهب إلى أنه لم يكن ابنه على الحقيقة] والّذي اخترناه خلاف ذلك.

وقال آخرون إن الهاء فى قوله: إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ راجعة إلى السؤال؛ والمعنى:

إن سؤالك إياى ما ليس لك به علم عمل غير صالح لأنه قد وقع من نوح دليل السؤال والرغبة فى قوله: إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ/ ومعنى ذلك أى نجّه كما نجيتهم، ومن يجيب بهذا الجواب يقول: إن ذلك صغيرة من النبي؛ لأن الصغائر تجوز عليهم، ومن يمنع أن يقع من الأنبياء شيء من القبائح يدفع هذا الجواب؛ ولا يجعل الهاء راجعة إلى السؤال بل إلى الابن، ويكون تقدير الكلام ما تقدم.

فإذا قيل له: فلم قال: فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ؟ وكيف قال نوح ﵇ من بعد: رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما

لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ

؟.

قال: لا يمتنع أن يكون نهى عن سؤال ما ليس له به علم؛ وإن لم يقع منه وأن يكون تعوّد من ذلك وإن لم يوافقه؛ ألا ترى أن الله قد نهى نبيه عن الشّرك والكفر؛ وإن لم يكن ذلك قد وقع منه؛ فقال: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ؛، وكذلك لا يمتنع أن يكون نهاه فى هذا الموضع عمّا لم يقع منه، ويكون ﵇ إنما سأله نجاة ابنه باشتراط المصلحة لا على سبيل القطع؛ وهكذا يجب فى مثل هذا الدعاء.

فأما القراءة بنصب اللام فقد ضعّفها قوم وقالوا: كان يجب أن يقال: إنه عمل عملا غير صالح؛ لأن العرب لا تكاد تقول هو يعمل غير حسن، حتى يقولوا: عملا غير حسن، وليس وجهها بضعيف فى العربية؛ لأنّ من مذهبهم الظاهر إقامة الصفة مقام الموصوف عند انكشاف المعنى وزوال اللبس؛ فيقول القائل: قد فعلت صوابا، وقلت حسنا، بمعنى فعلت فعلا صوابا وقلت قولا حسنا؛ وقال عمر بن أبى ربيعة المخزومىّ:

أيّها القائل غير الصوابأخّر النّصح وأقلل عتابى
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أيها القائل غير الصواب»

وقال أيضا:

وكم من قتيل ما يباء به دمومن غلق رهن إذا لفّه منى
ومن مالئ عينيه من شيء غيرهإذا راح نحو الجمرة البيض كالدّمى
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «وكم من قتيل لا يباء به دم»

أراد: وكم إنسان قتيل! وأنشد أبو عبيدة لرجل من بجيلة:

كم من ضعيف العقل منتكث القوىما إن له نقض ولا إبرام
/ مالت له الدّنيا عليه بأسرهافعليه من رزق الإله ركام
ومشيّع جلد أمين حازممرس له فيما يروم مرام
أعمى عليه سبيله فكأنّهفيما يحاوله عليه حرام

أراد: كم من إنسان ضعيف القوى.

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من مجلس آخر (٣٦)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.