من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
تأويل آية [اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ.
فقال: أليس ظاهر هذه الآية يقتضي أنه هو الفاعل للإيمان فيهم؟ لأن النور هاهنا كناية عن الإيمان والطاعات، والظلمة كناية عن الكفر والمعاصى، ولا معنى لذلك غير ما ذكرناه.
وإذا كان مضيفا للإخراج إليه فهو الفاعل لما كانوا به خارجين، وهذا خلاف مذهبكم.
الجواب، قلنا: أما النور والظلمة المذكوران فى الآية فجائز أن يكون المراد بهما الإيمان والكفر، وجائز أيضا أن يراد بهما الجنة والنار، والثواب والعقاب فقد تصحّ الكناية عن الثواب والنعيم فى الجنة بأنه نور، وعن العقاب فى النار بأنه ظلمة، وإذا كان المراد بهما الجنة والنار ساغ إضافة إخراجهم من الظلمات إلى النور إليه تعالى؛ لأنه لا شبهة فى أنه جل وعز هو المدخل للمؤمن الجنة، والعادل به عن طريق النار. والظاهر بما ذكرناه أشبه؛ لأنه يقتضي أنّ المؤمن الّذي ثبت كونه مؤمنا/ يخرج من الظلمة إلى النور؛ فلو حمل على الإيمان والكفر لتناقض المعنى، ولصار تقدير الكلام:
أنه يخرج المؤمن الّذي قد تقدّم كونه مؤمنا من الكفر إلى الإيمان؛ وذلك لا يصحّ.
وإذا كان الكلام يقتضي الاستقبال فى إخراج من قد ثبت كونه مؤمنا كان حمله على دخول الجنة والعدول به عن طريق النار أشبه بالظاهر.
على أنا لو حملنا الكلام على الإيمان والكفر لصحّ، ولم يكن مقتضيا لما توهموه، ويكون وجه إضافة الإخراج
إليه، وإن لم يكن الإيمان من فعله من حيث دلّ وبيّن وأرشد ولطّف وسهّل؛ وقد علمنا أنه لولا هذه الأمور لم يخرج المكلّف من الكفر إلى الإيمان، فيصح
إضافة الإخراج إليه تعالى لكون ما عددناه من جهته. وعلى هذا يصحّ من أحدنا إذا أشار على غيره بدخول بلد من البلدان ورغّبه فى ذلك، وعرّفه ما فيه من الصلاح، أو بمجانبة فعل من الأفعال أن يقول: أنا أدخلت فلانا البلد الفلانىّ؛ وأنا أخرجته من كذا وكذا وأنتشته منه؛ ويكون وجه الإضافة ما ذكرناه من الترغيب، وتقوية الدواعى.
ألا ترى أنه تعالى قد أضاف إخراجهم من النور إلى الظلمات، إلى الطواغيت، وإن لم يدلّ ذلك على أن الطاغوت هو الفاعل للكفر فى الكفار؛ بل وجه الإضافة ما تقدم؛ لأن الشياطين يغوون ويدعون إلى الكفر، ويزيّنون فعله، فتصح إضافته إليهم من هذا الوجه، والطاغوت هو الشيطان وحزبه، وكلّ عدو لله تعالى صدّ عن طاعته، وأغرى بمعصيته يصحّ إجراء هذه التّسمية عليه؛ فكيف اقتضت الإضافة الأولى أن الإيمان من فعل الله تعالى فى المؤمن، ولم تقتض الإضافة الثانية أنّ الكفر من فعل الشياطين فى الكفار؛ لولا بله المخالفين وغفلتهم!
وبعد، فلو كان الأمر على ما ظنوه لما صار الله تعالى وليّا للمؤمنين، وناصرا لهم على ما اقتضته الآية، والإيمان من فعله تعالى لا من فعلهم؛ ولم كان خاذلا للكفار ومضيفا لولايتهم إلى الطاغوت والكفر من فعله تعالى فيهم؟ ولم فصل بين الكافر والمؤمن فى باب الولاية، وهو المتولى لفعل الأمرين فيهما؟ ومثل هذا لا يذهب على أحد، ولا يعرض عنه إلّا معاند مغالط لنفسه.
***/ أخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال: قال أبو بكر محمد بن القاسم الأنبارىّ حدثنا أحمد بن حيان قال حدثنا أبو عبد الله بن النطاح قال أخبرنا أبو عبيدة قال، قال عبد الملك بن مسلم:
كتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج: إنه ليس شيء من لذة الدنيا إلا وقد أصبت منه،
ولم يبق لى من لذة الدنيا إلّا مناقلة الإخوان الأحاديث، وقبلك عامر الشعبىّ، فابعث به إلى يحدثنى.
فدعا الحجاج بالشعبىّ، وجهزه وبعث به إليه، وقرّظه وأطراه فى كتابه، فخرج الشعبىّ حتى إذا كان بباب عبد الملك، قال للحاجب: استأذن لى، قال: من أنت؟ قال: عامر الشعبىّ؛ قال: حيّاك الله، ثم نهض فأجلسه على كرسيه،
فلم يلبث أن خرج الحاجب إليه فقال: ادخل، فدخل، قال: فدخلت فإذا عبد الملك جالس على كرسىّ، وبين يديه رجل أبيض الرأس واللحية، على كرسىّ، فسلمت فرد السلام، ثم أومأ إلى بقضيبه، فقعدت عن يساره، ثم أقبل على الّذي بين يديه فقال: ويحك! من أشعر الناس؟ قال: أنا يا أمير المؤمنين، قال الشعبىّ: فأظلم عليّ ما بينى وبين عبد الملك، ولم أصبر أن قلت: ومن هذا يا أمير المؤمنين الّذي يزعم أنه أشعر الناس! فعجب عبد الملك من عجلتى قبل أن يسألنى عن حالى، ثم قال: هذا الأخطل، قلت: يا أخطل، أشعر منك الّذي يقول:
هذا غلام حسن وجههمستقبل الخير سريع التّمام
للحارث الأكبر والحارث الأصغر والحارث خير الأنام
خمسة آباء هم ما همهم خير من يشرب صوب الغمام
فقال عبد الملك: ردّها عليّ، فرددتها حتى حفظها، فقال الأخطل: من هذا يا أمير المؤمنين؟
فقال: هذا الشعبىّ، قال: صدق والله، النابغة أشعر منى.
قال الشعبىّ: ثم أقبل عليّ عبد الملك فقال. كيف أنت يا شعبىّ؟ قلت: بخير لا زلت
به، ثم ذهبت لأصنع معاذيرى لما كان من خلافى على الحجّاج مع عبد الرحمن بن محمد الأشعث فقال: مه! فإنا لا نحتاج إلى هذا المنطق، ولا تراه منّا فى قول ولا فعل حتى تفارقنا. ثم أقبل عليّ فقال: ما تقول فى النابغة؟ قلت: يا أمير المؤمنين، قد فضّله عمر بن الخطاب/ فى غير موطن على جميع الشعراء، وذلك أنّه خرج يوما وببابه وفد غطفان، فقال: يا معاشر غطفان، أىّ شعرائكم الّذي يقول:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبةوليس وراء الله للمرء مذهب
لئن كنت قد بلّغت عنّى خيانةلمبلغك الواشى أغشّ وأكذب
ولست بمستبق أخا لا تلمّهعلى شعث، أىّ الرّجال المهذّب!
قالوا: النابغة، قال: فأيّكم الّذي يقول:
فإنك كاللّيل الّذي هو مدركىوإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع
خطاطيف حجن فى حبال متينةتمدّ بها أيد إليك نوازع
قالوا: النابغة، قال: أيّكم الّذي يقول:
إلى ابن محرّق أعملت نفسىوراحلتى وقد هدت العيون
أتيتك عاريا خلقا ثيابىعلى خوف تظنّ بى الظّنون
فألفيت الأمانة لم تخنهاكذلك كان نوح لا يخون
قالوا: النابغة، قال: هذا أشعر شعرائكم.
ثم أقبل عبد الملك على الأخطل فقال: أتحبّ أنّ لك قياضا بشعرك شعر أحد من العرب، أم تحب أنك قلته؟ فقال: لا والله؛ إلّا أنى وددت أنى كنت قلت أبياتا قالها رجل منّا، كان والله مغدف القناع، قليل السّماع، قصير الذراع، قال: وما قال؟ فأنشده:
إنّا محيّوك فاسلم أيّها الطّللوإن بليت، وإن طالت بك الطّيل
ليس الجديد به تبقى بشاشتهإلّا قليلا، ولا ذو خلّة يصل
والعيش لا عيش إلّا ما تقرّبهعين، ولا حال إلّا سوف تنتقل
إن ترجعى من أبى عثمان منجحةفقد يهون على المستنجح العمل
/ والنّاس من يلق خيرا قائلون لهما يشتهى، ولأمّ المخطئ الهبل
قد يدرك المتأنّى بعض حاجتهوقد يكون مع المستعجل الزّلل
قال الشعبىّ: فقلت: قد قال القطامىّ أفضل من هذا، قال: وما قال؟ قلت: قال:
طرقت جنوب رحالنا من مطرقما كنت أحسبه قريب المعنق
حتى أتيت إلى آخر القصيدة، فقال عبد الملك: ثكلت القطامىّ أمّه! هذا والله الشعر.
قال: فالتفت إلى الأخطل فقال: يا شعبىّ، إنّ لك فنونا فى الأحاديث، وإنّ لنا فنّا واحدا، فإن رأيت ألّا تحملنى على أكتاف قومك، فأدعهم حرضا! قلت: لا أعرض لك
فى شيء من الشعر أبدا، فأقلنى هذه المرة، قال: من يكفل بك؟ قلت: أمير المؤمنين، فقال عبد الملك: هو عليّ ألّا يعرض لك أبدا.
ثم قال: يا شعبىّ، أىّ شعراء الجاهلية كان أشعر من النساء؟ قلت: خنساء، قال:
ولم فضّلتها على غيرها؟ قلت: لقولها:
وقائلة- والنّعش قد فات خطوهالتدركه-: يا لهف نفسى على صخر!
ألا ثكلت أمّ الّذين غدوا بهإلى القبر! ماذا يحملون إلى القبر!
فقال عبد الملك: أشعر منها والله ليلى الأخيلية حيث تقول:
مهفهف الكشح والسّربال منخرقعنه القميص لسير اللّيل محتقر
لا يأمن النّاس ممساه ومصبحهفى كلّ فجّ، وإن لم يغز ينتظر
ثم قال: يا شعبىّ، لعله شقّ عليك ما سمعته؟ فقلت: إي والله يا أمير المؤمنين أشدّ المشقّة! إنى لمحدّثك منذ شهرين لم أفدك إلا أبيات النابغة فى الغلام، ثم قال: يا شعبىّ، إنما أعلمناك هذا، لأنّه بلغنى أنّ أهل العراق يتطاولون على أهل الشام ويقولون: إن كانوا غلبونا على الدولة، فلن يغلبونا على العلم والرواية، وأهل الشام أعلم بعلم أهل العراق من أهل العراق؛ ثم ردّد عليّ أبيات ليلى حتى حفظتها، وأذن لى فانصرفت، فكنت أول داخل/ وآخر خارج.
قال سيدنا أدام الله تمكينه: والصحيح فى الرواية أن البيتين اللذين رواهما عبد الملك ونسبهما إلى ليلى الأخيلية لأعشى باهلة، يرثى المنتشر بن وهب الباهلىّ، وهذه القصيدة
من المراثى المفضّلة المشهورة بالبلاغة والبراعة وهى:
إنى أتتنى لسان لا أسرّ بهامن علو لا عجب منها ولا سخر
فظلت مكتئبا حرّان أندبهوكنت أحذره، لو ينفع الحذر!
فجاشت النّفس لما جاء جمعهموراكب جاء من تثليث معتمر
يأتى على الناس لا يلوى على أحدحتى التقينا، وكانت بيننا مضر
إنّ الّذي جئت من تثليث تندبهمنه السماح ومنه النّهى والغير
تنعى امرأ لا تغبّ الحىّ جفنتهإذا الكواكب أخطأ نوءها المطر
وراحت الشّول مغبرّا مناكبهاشعثا تغيّر منها النّىّ والوبر
وألجأ الكلب موقوع الصّقيع بهوألجأ الحىّ من تنفاحها الحجر
عليه أوّل زاد القوم قد علمواثمّ المطىّ إذا ما أرملوا جزر
قد تكظم البزل منه حين تبصرهحتّى تقطّع فى أعناقها الجرر
أخو رغائب يعطيها ويسألهايأبى الظّلامة منه النّوفل الزّفر
لم تر أرضا ولم تسمع بساكنهاإلّا بها من نوادى وقعه أثر
وليس فيه إذا استنظرته عجلوليس فيه إذا ياسرته عسر
فإن يصبك عدوّ فى مناوأةيوما، فقد كنت تستعلى وتنتصر
من ليس فى خيره منّ يكدّرهعلى الصّديق، ولا فى صفوه كدر
أخو شروب، ومكساب إذا عدمواوفى المخافة منه الجدّ والحذر
مردى حروب، ونور يستضاء بهكما أضاء سواد الظّلمة القمر
/ مهفهف أهضم الكشحين منخرقعنه القميص لسير اللّيل محتقر
طاوى المصير على العزّاء منجردبالقوم ليلة لا ماء ولا شجر
لا يصعب الأمر إلّا ريث يركبهوكلّ أمر سوى الفحشاء يأتمر
معنى «لا يصعب الأمر» أى لا يجده صعبا-
لا يتأرّى لما فى القدر يرقبهولا يعضّ على شرسوفه الصّفر
لا يغمز السّاق من أين ولا وصبولا يزال أمام القوم يقتفر
لا يأمن النّاس ممساه ومصبحهفى كلّ فجّ، وإن لم يغز ينتظر
تكفيه حزّة فلذ إن ألمّ بهامن الشّواء ويروى شربه الغمر
لا تأمن البازل الكوماء عدوتهولا الأمون إذا ما اخروّط السّفر
كأنّه بعد صدق الناس أنفسهمباليأس تلمع من قدّامه البشر
قال المبرّد" لا نعلم بيتا فى يمن النقيبة وبركة الطلعة أبرع من هذا البيت"-
لا يعجل القوم أن تغلى مراجلهمويدلج اللّيل حتى يفسح البصر
[عشنا به حقبة حيّا ففارقنا]كذلك الرّمح ذو النّصلين ينكسر
أصبت فى حرم منّا أخا ثقةهند بن أسماء، لا يهنى لك الظّفر
!لو لم تخنه نفيل وهى خائنة ... لصبّح القوم ورد ماله صدر
وأقبل الخيل من تثليث مصغيةوضمّ أعينها عوران أو حضر
إمّا سلكت سبيلا كنت سالكهافاذهب فلا يبعدنك الله منتشر
قال ﵀: وقد رويت هذه القصيدة للدّعجاء أخت المنتشر، وقيل لليلى أخته، ولعل الشبهة الواقعة فى نسبتهما إلى ليلى الأخيلية من هاهنا والصحيح، ما ذكرناه.
أخبرنا أبو الحسن عليّ بن محمد الكاتب قال أخبرنا ابن دريد قال أخبرنا أبو حاتم عن أبى عبيدة قال: وفد الأخطل على معاوية فقال: إنى قد امتدحتك بأبيات فاسمعها، فقال: إن كنت شبّهتنى بالحية أو الأسد أو الصّقر فلا حاجة لى فيها؛ وإن كنت قلت فىّ كما قالت الخنساء:
وما بلغت كفّ امرئ متناولبه المجد إلّا حيث ما نلت أطول
وما بلغ المهدون فى القول مدحةوإن صدقوا إلّا الّذي فيك أفضل
فهات، فقال الأخطل: والله لقد أحسنت وقلت بيتين؛ ما هما بدون ما سمعته، وأنشد:
إذا متّ مات العزّ وانقطع الغنىفلم يبق إلّا من قليل مصرّد
وردّت أكفّ الرّاغبين وأمسكوامن الدّين والدّنيا بخلف مجدّد
فأحسن صلته.
وأخبرنا المرزبانىّ قال أخبرنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد النحوىّ قال أخبرنا أحمد بن يحيى النحوىّ أن ابن الأعرابىّ أنشدهم:
مررنا عليه وهو يكعم كلبهدع الكلب ينبح؛ إنما الكلب نابح
قوله «يكعم كلبه» - أى يشدّ فاه خوفا أن ينبح فيدل عليه.
وقال آخر:
وتكعم كلب الحىّ من خشية القرىونارك كالعذراء من دونها ستر
قال: وقد قال الأخطل:
قوم إذا استنبح الأضياف كلبهمقالوا لأمّهم بولى على النار
قال أبو عبد الله: وسمعت محمد بن يزيد الأزدىّ يقول: هذا من أهجى ما هجى به جرير، لأنه جعل نارهم تطفئها البولة، وجعلهم يأمرون أمهم بالبول استخفافا بها.
مجلس آخر
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع