تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

تأويل آية [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً]

إن سأل سائل عن قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ. قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ. قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ. قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ. قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ،.

فقال: ما تأويل هذه الآيات؟ وهل البقرة التى نعتت بجميع النعوت هى البقرة المرادة باللفظ الأول والتكليف واحد، أو المراد مختلف والتكليف متغاير؟

الجواب، قلنا: أهل العلم فى تأويل هذه الآية مختلفون بحسب اختلاف أصولهم؛ فمن جوّز تأخير البيان عن وقت

الخطاب يذهب إلى أن التكليف واحد، وأن الأوصاف المتأخرة هى للبقرة المتقدّمة؛ وإنما تأخر البيان، ولما سأل القوم عن الصفات ورد البيان شيئا بعد شيء.

ومن لم يجوّز تأخير البيان يقول: إن التكليف متغاير؛ وإنهم لما قيل لهم: اذبحوا بقرة لم يكن المراد منهم إلا ذبح أىّ بقرة شاءوا، من غير تعيين بصفة، ولو أنهم ذبحوا أىّ بقرة اتفقت لهم كانوا قد امتثلوا الأمر، فلمّا لم يفعلوا كلّفوا ذبح بقرة لا فارض ولا بكر، ولو ذبحوا ما اختصّ بهذه الصفة من أىّ لون كان لأجزأ عنهم، فلمّا لم يفعلوا كلّفوا ذبح بقرة صفراء، فلما لم يفعلوا كلّفوا ذبح ما اختص بالصفات الأخيرة.

ثم اختلف هؤلاء من وجه آخر، فمنهم من قال فى التكليف الأخير: إنه يجب أن يكون مستوفيا لكل صفة تقدّمت، حتى تكون البقرة مع أنها غير ذلول تثير الأرض ولا تسقى الحرث، مسلّمة لا شية فيها، [صفراء فاقع لونها، ولا فارض ولا بكر]. ومنهم من قال: إنما يجب أن تكون بالصفة الأخيرة فقط، دون ما تقدم.

وظاهر الكتاب بالقول/ المبنى على جواز تأخير البيان أشبه، وذلك أنه تعالى لما كلّفهم ذبح بقرة قالوا للرسول: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ، فلا يخلو قولهم: ما هِيَ من أين يكون كناية عن البقرة المتقدّم ذكرها، أو عن التى أمروا بها ثانيا؛ على قول من يدّعى ذلك.

وليس يجوز أن يكون سألوا عن صفة غير التى تقدّم ذكرها، لأن الظاهر من قولهم ما هِيَ بعد قوله لهم: اذبحوا بقرة يقتضي أن يكون السؤال عن صفة البقرة المأمور بذبحها؛ ولأنه لا علم لهم بتكليف ذبح بقرة أخرى فيستفهموا عنها؛ وإذا صحّ أن السؤال إنما كان عن صفة البقرة المنكّرة التى أمروا فى الابتداء يذبحها فليس يخلو قوله: إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ من أن يكون كناية عن البقرة الأولى، أو عن غيرها، وليس يجوز أن يكون ذلك كناية عن بقرة ثانية، لأن ظاهر قوله: إنّها بقرة من صفتها كذا بعد قولهم: ما هِيَ يقتضي أن يكون كناية متعلقة بما تضمنه سؤالهم، ولأنّ الأمر لو لم يكن على ما ذكرناه لم يكن ذلك جوابا لهم، بل كان يجب أن يكونوا سألوه عن شيء فأجابهم عن غيره، وهذا لا يليق بالنبى ﵇.

على أنه لما أراد أن يكلّفهم تكليفا ثانيا عند تفريطهم فى الأول على ما يدعيه من ذهب إلى هذا المذهب قد كان يجب أن يجيبهم عن سؤالهم، وينكر عليهم الاستفهام فى غير موضعه، وتفريطهم فيما أمروا به؛ مما لا حاجة بهم إلى الاستفهام عنه، فيقول فى جواب قولهم: ما هِيَ:

إنما كلّفتم أىّ بقرة شئتم، وما يستحق اسم بقرة، وقد فرّطتم فى ترك الامتثال، وأخطأتم فى الاستفهام، مع وضوح الكلام، إلّا أنكم قد كلّفتم ثانيا كذا وكذا، لأن هذا مما يجب عليه بيانه؛ لإزالة الشك والإبهام واللبس؛ فلما لم يفعل ذلك، وأجاب بالجواب الّذي ظاهره يقتضي التعلّق بالسؤال علم أن الأمر على ما ذكرناه. وهب أنه لم يفعل ذلك فى أول سؤال، كيف لم يفعله مع تكرار الأسئلة والاستفهامات التى لم تقع على هذا المذهب بموقعها؟ ومع تكرر المعصية والتفريط كيف يستحسن أن يكون جميع أجوبته غير متعلّقة بسؤالاتهم؟ لأنهم يسألونه/ عن صفة شيء فيجيبهم بصفة غيره من غير بيان؛ بل على أقوى الوجوه الموجبة لتعلّق الجواب بالسؤال؛ لأنّ قول القائل فى جواب من سأله ما كذا وكذا: إنه بالصفة الفلانية صريح فى أن الهاء كناية عمّا وقع السؤال عنه؛ هذا مع قولهم: إن البقر تشابه علينا، لأنهم لم يقولوا ذلك إلا وقد اعتقدوا أن خطابهم مجمل غير مبين، فلم لم يقل: أىّ تشابه عليكم إذ إنما أمرتم فى الابتداء بأىّ بقرة كانت، وفى الثانى بما اختص باللون المخصوص من أى البقر كان؟

فإن قيل: كيف يجوز أن يأمرهم بذبح بقرة لها جميع الصفات المذكورة إلى آخر الكلام ولا يبين ذلك لهم، وهل هذا إلا تكليف ما لا يطاق!

قلنا: لم يرد منهم أن يذبحوا البقرة فى الثانى من حال الخطاب؛ ولو كانت حال الفعل حاضرة لما جاز أن يتأخر البيان، لأن تأخيره عن وقت الحاجة هو القبيح الّذي لا شبهة فى قبحه، وإنما أراد أن يذبحوها فى المستقبل، فلو لم يستفهموا ويطلبوا البيان لكان قد ورد عليهم عند الحاجة إليه.

فإن قيل: إذا كان الخطاب غير متضمّن لصفة ما أمروا بذبحه، فوجوده كعدمه، وهذا يخرجه من باب الفائدة، ويوجب كونه عبثا!

قلنا: ليس يجب ما ظننتم؛ لأن القول وإن كان لم يفد صفة البقرة بعينها فقد أفاد تكليف ذبح بقرة على سبيل الجملة؛ ولو لم يكن ذلك معلوما قبل هذا الخطاب، لصار مفيدا من حيث ذكرنا،

وخرج من أن يكون وجوده كعدمه. وفوائد الكلام لا يجب أن يدخلها الاقتراح، وليس يخرج الخطاب من تعلّقه ببعض الفوائد كونه غير متعلق بغيرها، وبما هو زيادة عليها.

فإن قيل: ظاهر قوله تعالى: فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ يدلّ على استبطائهم وذمّهم على التقصير فى امتثال الأمر!

قلنا: ليس ذلك صريح ذمّ، لأن كادُوا للمقاربة، وقد يجوز أن يكون التكليف صعب عليهم لغلاء ثمن البقرة التى

تكاملت لها تلك الصفات، فقد روى أنهم ابتاعوها بملء جلدها ذهبا.

على أن الذمّ يقتضي ظاهره أن يصرف إلى تقصيرهم أو تأخيرهم امتثال الأمر بعد/ البيان التام، لأن قوله تعالى: وَما كادُوا يَفْعَلُونَ إنما ورد بعد تقدّم البيان التامّ المتكرر، ولا يقتضي ذمّهم على ترك المبادرة فى الأول إلى ذبح بقرة، فليس فيه دلالة على ما يخالف ما ذكرناه.

فإن قيل: لو ثبت تقديرا أن التكليف فى البقرة متغاير، أىّ القولين اللّذين حكيتموهما عن أهل هذا المذهب أصحّ وأشبه؟ قلنا: قول من ذهب إلى أنّ البقرة إنما يجب أن تكون بالصفة الأخيرة فقط، لأن الظاهر به أشبه؛ من حيث إذا ثبت تغاير التكليف: وليس فى قوله: إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ إلى آخر الأوصاف ذكر لما تقدم من الصفات، وهذا التكليف غير الأول، فالواجب اعتبار ما تضمنه لفظه والاقتصار عليه.

فأما «الفارض» فهى المسنّة، وقيل: هى العظيمة الضخمة؛ يقال: غرب فارض، أى ضخم، والغرب الدلو؛ ويقال أيضا: لحية فارضة؛ إذا كانت عظيمة؛ والأشبه بالكلام أن يكون المراد المسنّة.

فأما «البكر» فهى الصغيرة التى لم تلد، فكأنه تعالى قال: تكون غير مسنّة، ولا صغيرة.

والعوان: دون المسنّة وفوق الصغيرة؛ وهى النّصف التى ولدت بطنا أو بطنين؛ يقال:

حرب عوان إذا لم تكن أول حرب وكانت ثانية؛ وإنما جاز أن يقول: بَيْنَ ذلِكَ «وبين» لا يكون إلا مع اثنين أو أكثر؛ لأن لفظة «ذلك» تنوب عن الجمل، تقول: ظننت زيدا قائما، ويقول القائل: قد ظننت ذلك.

ومعنى فاقِعٌ لَوْنُها، أى خالصة الصفرة، وقيل: إن كل ناصع اللون؛ بياضا كان أو غيره فهو فاقع. وقيل: إنه أراد ب «صفراء» هاهنا سوداء.

ومعنى قوله تعالى: لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ أى تكون صعبة لا يذللها العمل فى إثارة الأرض وسقى الزرع.

ومعنى مُسَلَّمَةٌ، مفعلة، من السلامة من العيوب، وقال قوم: مسلّمة من الشّية، أى لا شية فيها تخالف لونها.

وقيل: لا شِيَةَ فِيها، أى لا عيب فيها؛ وقيل: لا وضح، وقيل: لا لون يخالف لون جلدها، والله أعلم بما أراد، وإياه نسأل حسن التوفيق.

قال سيدنا أدام الله تمكينه: كنت أظن أن المتنبى قد سبق إلى معنى قوله فى مرثية أخت سيف الدولة:

/ طوى الجزيرة حتّى جاءنى خبرفزعت فيه بآمالى إلى الكذب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»
حتّى إذا لم يدع لى صدقه أملاشرقت بالدّمع حتّى كاد يشرق بى
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «نعاه للفضل والعلياء والنسب»

حتى رأيت هذا المعنى لمسلم بن الوليد الأنصارىّ، وللبحترىّ.

أما الّذي لمسلم فقوله فى قصيدة يرثى بها سهل بن الصباح:

وقف العفاة عليك من متحيّروله الرّجاء، وذى غنى يسترجع
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «وقف العفاة عليك من متحير»
ومخادع السّمع النّعىّ ودونهخطب ألمّ بصادق لا يخدع
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «وقف العفاة عليك من متحير»

وقال البحترى يرثى وصيفا التركيّ:

إذا جدّ ناعيه توهّمت أنهيكرّر من أخباره قول مازح
للشاعر البحتري، من قصيدة «أفي مستهلات الدموع السوافح»

وكنت أظن المتنبى قد سبق إلى قوله:

يحلّ القنا يوم الطّعان بعقوتىفأحرمه عرضى، وأطعمه جلدى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»

حتى رأيت هذا المعنى واللفظ بعينه لجهم بن شبل الكلابىّ من أهل اليمامة فى قوله:

ثنى قومه عن حدرجان وقد حناإلى الموت دامى الصّفحتين كليم
أخو الحرب، أمّا جلده فمجرّحكليم، وأما عرضه فسليم

وكنت أظنّ البحترى قد سبق إلى معنى قوله فى الفتح بن خاقان:

حملت عليه السّيف، لا عزمك انثنىولا يدك ارتدّت، ولا حدّه نبا
للشاعر البحتري، من قصيدة «أجدك ما ينفك يسري لزينبا»

حتى وجدت لشاعر متقدم:

طعنت ابن دهمان بنجران طعنةشققت بها عنه مضاعفة السّرد
فلا الكفّ أوهت بى، ولا الرّمح خاننى،ولا الأدهم المنعوت حاد عن القصد

قال محمد بن يحيى الصولىّ: وصف الناس صفرة اللون فى العلل؛ فكلّ حكى ذلك وبلا فضيلة إلّا البحترى:

قال أعرابى من أبيات:

جعلت وما عاينت عطرا كأنّماجرى بين جلدى والعظام خلوق

/ وقال أبو تمام:

لم تشن وجهه المليح ولكنجعلت ورد وجنتيه بهارا

وقال غيره:

ولم تشن شيئا ولكنّهابدّلت التّفّاح بالياسمين

وقال بكر بن عيسى:

علة زعفرت مورّد خدّكاد من رقة وريّ يفيض

ولأحمد بن يزيد المهلبى:

وقالوا عرت غراء حمى شديدةفوجنتها منها شديد صفارها
فقلت لهم: هيهات هاتيك روضةمضى وردها عنا، وجاء بهارها

ولأبى العتاهية:

وكأننى مما تطاول بىمنك السّقام طليت بالورس
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «أمسي وأصبح من تذكركم»

وقال ابن المعتز:

وصفّرت علته وجههفصار كالدّينار من حقّ

وقال البحترىّ:

بدت صفرة فى لونه إنّ حمدهممن الدّرّ ما اصفرّت نواحيه فى العقد
للشاعر البحتري، من قصيدة «بأنفسنا لا بالطوارف والتلد»
وجرّت على الأيدى مجسّة كفّهكذلك موج البحر ملتهب الوقد
وما الكلب محموما، وإن طال عمرهولكنّما الحمّى على الأسد الورد
للشاعر البحتري، من قصيدة «بأنفسنا لا بالطوارف والتلد»

قال سيدنا أدام الله تمكينه: أما تشبيهه صفرة اللون بصفرة الدرّ فهو تشبيه مليح موافق لغرضه؛ إلّا أنه أخطأ فى قوله:

إنّ حمدهممن الدّر ما اصفرّت نواحيه فى العقد

لأن ذلك ليس بمحمود بل مذموم؛ ولو شبّه وترك التعليل لكان أجود.

وروى أبو العباس أحمد بن فارس المنبجىّ قال حدّثنا أبو أحمد عبيد الله بن يحيى بن البحترىّ قال حدثني أبى قال حدثنى جدّى البحترىّ قال: كنت عند أبى العباس المبرّد، فتذاكرنا شعر عمارة بن عقيل، فقال لى: لقد أحسن عمارة فى قوله لخالد بن يزيد لما وجّه إليه بهذين البيتين:

لم أستطع سيرا لمدحة خالدفجعلت مدحيه إليه رسولا
للشاعر عمارة بن عقيل، اقرأ القصيدة
/ فليرحلنّ إلى نائل خالدوليكفينّ رواحلى التّرحيلا
للشاعر عمارة بن عقيل، اقرأ القصيدة

قال البحترىّ: فقلت له: لمروان بن أبى حفصة فى عبد الله بن طاهر- وقد أتاه نائله من الجزيرة ما هو أحسن من هذا- وأنشدته:

لعمرى لنعم الغيث غيث أصابناببغداد من أرض الجزيرة وابله
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «لعمري لنعم الغيث غيث أصابنا»
فكنّا كحىّ صبّح الغيث أهلهولم ترتحل أظعانه ورواحله
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «لعمري لنعم الغيث غيث أصابنا»

فقال: نعم، هذا أحسن، فقلت له: إن لى فى بنى السّمط- وقد أتانى برّهم من حمص ما لا يتضع عن الجميع وأنشدته:

جزى الله خيرا- والجزاء بكفّه-بنى السّمط أخدان السّماحة والمجد
للشاعر البحتري، من قصيدة «جزى الله خيرا والجزاء بكفه»
هم وصلونى والمهامة بينناكما ارفضّ غيث من تهامة فى نجد

فقال: هذا والله أرقّ مما قالا وأحسن.

وروى أحمد بن فارس المنبجىّ عن عبيد الله بن يحيى بن البحترىّ قال حدثنا أبى عن جماعة من أهل العلم والأدب، منهم يموت بن المزرّع قال: قلت لأبى عثمان الجاحظ: من أنسب العرب؟ فقال: الّذي يقول:

عجلت إلى فضل الخمار فأثّرتعذباته بمواضع التّقبيل
للشاعر البحتري، من قصيدة «صب يخاطب مفحمات طلول»

وهذا للبحترىّ فى القصيدة التى أوّلها:

صبّ يخاطب مفحمات طلول

قال سيدنا: وفى نسيب هذه القصيدة بيت ليس يقصر فى ملاحة الكلام ورشاقته، وأخذه بمجامع القلوب عن البيت الّذي فضله به الجاحظ، وهو:

أأخيب عندك والصّبا لى شافعوأردّ دونك والشّباب رسولى
للشاعر البحتري، من قصيدة «صب يخاطب مفحمات طلول»

وفى مديح هذه القصيدة بيت معروف بفرط الحسن، وهو:

لا تطلبنّ له الشّبيه فإنّهقمر التأمّل مزنة التأميل
للشاعر البحتري، من قصيدة «صب يخاطب مفحمات طلول»

وبهذا الإسناد عن يحيى بن البحترىّ قال: انصرفت يوما من مجلس أبى العباس محمد بن يزيد المبرّد/ فقال لى البحترىّ أبى: ما الّذي أفدت يومك هذا من أبى العباس؟ قلت:

أملى عليّ أخبارا حسنة، وأنشدنى أبياتا للحسين بن الضحاك، فقال أبى: أنشدنى الأبيات، فأنشدته:

كأنّى إذا فارقت شخصك ساعةلفقدك بين العالمين غريب
للشاعر الحسين بن الضحّاك، اقرأ القصيدة
وقد رمت أسباب السّلوّ فخاننىضمير عليه من هواك رقيب
للشاعر الحسين بن الضحّاك، اقرأ القصيدة
أغرّك صفحى عن ذنوب كثيرةوغضّى على أشياء منك تريب
للشاعر الحسين بن الضحّاك، اقرأ القصيدة
كأن لم يكن فى النّاس قبلى متيّمولم يك فى الدّنيا سواك حبيب
للشاعر الحسين بن الضحّاك، اقرأ القصيدة
إلى الله أشكو إن شكوت فلم يكنلشكواى من عطف الحبيب نصيب

فقال: ما أحسن هذا الكلام! وأنشدنى لنفسه:

حبيبى حبيب يكتم النّاس أنّهلنا حين تلقانا العيون حبيب
للشاعر البحتري، من قصيدة «حبيبي حبيب يكتم الناس أنه»
يباعدنى فى الملتقى وفؤادهوإن هو أبدى لى البعاد قريب
للشاعر أحمد بن طيفور، اقرأ القصيدة
ويعرض عنّى والهوى منه مقبلإذا خاف عينا أو أشار رقيب
للشاعر البحتري، من قصيدة «حبيبي حبيب يكتم الناس أنه»
فتنطق منّا أعين حين نلتقىوتخرس منّا ألسن وقلوب

ثم قال: ارويا بنيّ هذين؛ فإنهما من حسن الشّعر وطريفه.

روى أحمد بن فارس المنبجيّ عن أبى نصر محمد بن إسحاق النحوىّ قال: سمعت بعض أهل الأدب يقول للزجاج: قد كنت تعرف أبا العباس المبرّد وكبره، وأنه لم يكن يقوم لأحد ولا يتطاول له، وينشد إذا أشرف عليه الرجل:

ثهلان ذو الهضبات لا يتحلحل

ولقد رأيته يوما وقد دخل عليه رجل متدرع، فقام إليه أبو العباس فاعتنقه وتنحّى عن موضعه وأجلسه، فجعل الرجل يكفه ويستعفيه من ذلك؛ فلما أكثر من ذلك عليه أنشده أبو العباس:

أتنكر أن أقوم وقد بدا ليلأكرمه وأعظمه هشام
فلا تنكر مبادرتى إليهفإنّ لمثله خلق القيام

/ فلما انصرف الرجل سألت عنه فقيل لى هذا البحترىّ.

مجلس آخر

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.