تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

تأويل آية [رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا]

إن سأل سائل عن قوله تعالى: رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا؛.

فقال: كيف يجوز أن يأمرنا على سبيل العبادة بالدّعاء بذلك، وعندكم أن النسيان من فعله تعالى؟ ولا تكليف على الناسى فى حال نسيانه؛ وهذا يقتضي أحد أمرين: إما أن يكون النسيان من فعل العباد على ما يقوله كثير من الناس، أو نكون متعبدين بمسألته تعالى ما نعلم أنه واقع حاصل؛ لأن مؤاخذة الناسى مأمونة منه تعالى، والقول فى الخطأ إذا أريد به ما وقع سهوا أو عن غير عمد يجرى هذا المجرى.

الجواب، قلنا: قد قيل فى تأويل هذه الآية: إنّ المراد بنسياننا تركنا.

قال أبو عليّ قطرب بن المستنير: معنى النسيان هاهنا الترك؛ كما قال تعالى: وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ

نَجِدْ لَهُ عَزْماً

؛، فنسى أى ترك؛ ولولا ذلك لم يكن فعله معصية، وكقوله تعالى: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ؛، أى تركوا طاعته فتركهم من ثوابه ورحمته. وقد يقول/ الرجل لصاحبه: لا تنسنى من عطيتك، أى لا تتركنى منها، وأنشد ابن عرفة:

ولم أك عند الجود للجود قالياولا كنت يوم الرّوع للطّعن ناسيا

أى تاركا.

ومما يمكن أن يكون على ذلك شاهدا قوله تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ؛، أى تتركون أنفسكم.

ويمكن فى الآية وجه آخر على أن يحمل النسيان على السّهو وفقد المعلوم؛ ويكون وجه الدعاء بذلك ما قد بيناه فيما تقدم من الأمالى؛ من أنه على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى، وإظهار الفقر إلى مسألته والاستعانة به؛ وان كان مأمونا منه المؤاخذة بمثله؛ ويجرى مجرى قوله تعالى فى تعليمنا وتأديبنا: لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ؛، ومجرى قوله تعالى:

قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ،؛ وقوله وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ؛؛ وقوله تعالى حاكيا عن الملائكة: فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ؛.

وهذا الوجه يمكن أيضا فى قوله تعالى: أَوْ أَخْطَأْنا إذا كان الخطأ ما وقع سهوا أو عن غير عمد.

فأما على ما يطابق الوجه الأول فقد يجوز أن يريد تعالى بالخطإ ما يفعل من المعاصى بالتأويل السيّئ وعن جهل بأنها معاص، لأن من قصد شيئا على اعتقاد أنه بصفة، فوقع ما هو بخلاف معتقده يقال: قد أخطأ، فكأنه أمرهم بأن يستغفروا مما تركوه متعمدين من غير سهو ولا تأويل، ومما أقدموا عليه مخطئين متأولين.

ويمكن أيضا أن يريد ب أَخْطَأْنا هاهنا أذنبنا وفعلنا قبيحا؛ وإن كانوا له متعمدين وبه عالمين، لأن جميع معاصينا لله تعالى قد توصف بأنها خطأ من حيث فارقت الصواب؛ وإن كان فاعلها متعمدا؛ وكأنه تعالى أمرهم بأن يستغفروا مما تركوه من الواجبات؛ ومما فعلوه من المقبّحات، ليشتمل الكلام على جهتى الذنوب؛ والله أعلم بمراده.

أخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدثنى محمد بن العباس قال: قال رجل يوما لأبى العباس

محمد بن يزيد النحوىّ: ما أعرف ضادية أحسن من ضادية أبى الشّيص فقال له: كم ضادية حسنة لا تعرفها! ثم أنشده لبشار:

/ غمض الجديد بصاحبيك فغمّضاوبقيت تطلب فى الحبالة منهضا
وكأنّ قلبى عند كلّ مصيبةعظم تكرّر صدعه فتهيّضا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «غمض الحديد بصاحبيك فغمضا»
وأخ سلوت له، فأذكره أخفمضى، وتذكرك الحوادث ما مضى
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «غمض الحديد بصاحبيك فغمضا»
فاشرب على تلف الأحبّة إنّناجزر المنيّة، ظاعنين وخفّضا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «غمَضَ الحديدُ بصاحبيك فغمَّضا»
ولقد جريت مع الصّبا طلق الصّباثمّ ارعويت فلم أجد لى مركضا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «غمض الحديد بصاحبيك فغمضا»
وعلمت ما علم امرؤ فى دهرهفأطعت عذّالى، وأعطيت الرّضا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «غمض الحديد بصاحبيك فغمضا»
وصحوت من سكر وكنت موكّلاأرعى الحمامة والغراب الأبيضا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «غمض الحديد بصاحبيك فغمضا»

الحمامة: المرآة، والغراب الأبيض: الشعر الشائب؛ فيقول: كنت كثيرا أتعهد نفسى بالنظر فى المرآة وترطيل الشعر.

وقوله: «والغراب الأبيض» لأن الشعر كان غربيبا أسود؛ من حيث كان شابا ثم ابيض بالشيب-

ما كلّ بارقة تجود بمائهاوكذاك لو صدق الرّبيع لروّضا

هكذا أنشده المبرّد، ويحيى بن عليّ، وأنشده ابن الأعرابىّ:

ما كلّ بارقة تجود بمائهاولربما صدق الرّبيع فروّضا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «غمض الحديد بصاحبيك فغمضا»
قد ذقت ألفته، وذقت فراقهفوجدت ذا عسلا، وذا جمر الغضا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «غمض الحديد بصاحبيك فغمضا»
يا ليت شعرى! فيم كان صدودهأأسأت أم رعد السّحاب وأومضا!
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «غمض الحديد بصاحبيك فغمضا»

وغير من ذكرنا يرويه: «أم أجم الخلال فأحمضا» -.

ويلى عليه، وويلتى من بينه!كان الّذي قد كان حلما فانقضى
سبحان من كتب الشقاء لذى الهوىما كان إلّا كالخضاب فقد نضا

قال المبرّد: وهى طويلة.

وذكر يوسف بن يحيى بن عليّ عن أبيه أنّ أبا نواس أخذ قوله:

جريت مع الصّبا طلق الجموح

من قول بشار:

ولقد جريت مع الصّبا طلق الصّبا

قال سيدنا الشريف المرتضى ذو المجدين/ أدام الله علوّه: ولأبى تمام والبحترىّ على هذا الوزن والقافية وحركة القافية قصيدتان، إن لم يزيدا على ضادية بشار التى استحسنها المبرّد لم يقصرا عنها؛ وأول قصيدة أبى تمام:

أهلوك أضحوا شاخصا ومقوّضاومزمّما يصف النّوى ومغرّضا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أهلوك أضحوا شاخصا ومقوضا»
إن يدج عيشك أنهم أمّوا اللّوىفبما إضاؤهم على ذات الأضا
بدّلت من برق الثّغور وبردهابرقا إذا ظعن الأحبة أومضا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أهلوك أضحوا شاخصا ومقوضا»

يقول فيها:

ما أنصف الشّرخ الّذي بعث الهوىفقضى عليك بلوعة ثمّ انقضى
عندى من الأيام ما لو أنّهأضحى بشارب مرقد ما غمّضا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أهلوك أضحوا شاخصا ومقوضا»
لا تطلبنّ الرّزق بعد شماسهفترومه سبعا إذا ما غيّضا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أهلوك أضحوا شاخصا ومقوضا»
ما عوّض الصّبر امرؤ إلّا رأىما فاته دون الّذي قد عوّضا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أهلوك أضحوا شاخصا ومقوضا»
يا أحمد بن أبى دؤاد دعوةذلّت بذكرك لى وكانت ريّضا
لمّا انتضيتك للخطوب كفيتهاوالسّيف لا يرضيك حتى ينتضى
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أهلوك أضحوا شاخصا ومقوضا»

يقول فيها:

قد كان صوّح نبت كلّ قرارةحتى تروّح فى نداك فروّضا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أهلوك أضحوا شاخصا ومقوضا»
أوردتنى العدّ الخسيف وقد أرىأتبرّض الثّمد البكىّ تبرّضا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أهلوك أضحوا شاخصا ومقوضا»

وأما قصيدة البحترىّ فأوّلها:

ترك السّواد للابسيه وبيّضاونضا من السّتين عنه ما نضا
للشاعر البحتري، من قصيدة «ترك السواد للابسيه وبيضا»
وشآه أغيد فى تصرّف لحظهمرض أعلّ به القلوب وأمرضا
للشاعر البحتري، من قصيدة «ترك السواد للابسيه وبيضا»
وكأنّه وجد الصّبا وجديدهدينا دنا ميقاته أن يقتضي
أسيان أثرى من جوى وصبابةوأساف من وصل الحسان وأنفضا
للشاعر البحتري، من قصيدة «ترك السواد للابسيه وبيضا»
/ كلف يكفكف عبرة مهراقةأسفا على عهد الشّباب وما انقضى
للشاعر البحتري، من قصيدة «ترك السواد للابسيه وبيضا»
عدد تكامل للشّباب مجيئهوإذا مضىّ الشّيء حان فقد مضى

يقول فيها:

قعقعت للبخلاء أذعر جأشهمونذيرة من قاصل أن ينتضى
وكفاك من حنش الصّريم تهدّداأن مدّ فضل لسانه أو نضنضا
للشاعر البحتري، من قصيدة «ترك السواد للابسيه وبيضا»

وفيها:

لا تنكرن من جار بيتك أن طوىأطناب جانب بيته أو قوّضا
للشاعر البحتري، من قصيدة «ترك السواد للابسيه وبيضا»
فالأرض واسعة لنقلة راغبعمّن تنقّل ودّه وتنقّضا
للشاعر البحتري، من قصيدة «ترك السواد للابسيه وبيضا»
لا تهتبل إغضاءتي، إما كنت قدأغضيت مشتملا على جمر الغضا
لست الّذي إن عارضته ملمّةأصغى إلى حكم الزّمان وفوّضا
للشاعر البحتري، من قصيدة «ترك السواد للابسيه وبيضا»
لا يستفزّنى الطّفيف ولا أرىتبعا لبارق خلّب إن أومضا
للشاعر البحتري، من قصيدة «ترك السواد للابسيه وبيضا»
أنا من أحبّ تحرّيا وكأننىفيما أعاين منك ممّن أبغضا
أغببت سيبك كى يجمّ وإنّماغمد الحسام المشرفىّ لينتضى
للشاعر البحتري، من قصيدة «ترك السواد للابسيه وبيضا»
وسكتّ إلّا أن أعرّض قائلانزرا، وصرّح جهده من عرّضا
للشاعر البحتري، من قصيدة «ترك السواد للابسيه وبيضا»

وأخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدّثني يوسف بن يحيى عن أبيه قال: من مختار شعر بشار قوله فى وصف الزمان:

عتبت على الزّمان وأىّ حىّمن الأحياء أعتبه الزّمان!
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «عتبت على الزمان وأي حي»
وآمنة من الحدثان تزرىعليّ، وليس من حدث أمان
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «عتبت على الزمان وأي حي»
وليس بزائل يرمى ويرمىمعان مرّة أو مستعان
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «عتبت على الزمان وأي حي»
متى تأب الكرامة من كريمفمالك عنده إلّا الهوان
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «عتبت على الزمان وأي حي»

وله فى نحوه:

/ يا خليلىّ أصيبا أو ذراليس كلّ البرق يهدى المطرا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا خليلي أصيبا أو ذرا»
لا تكونا كامرئ صاحبتهيترك العين ويبغى الأثرا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا خليلي أصيبا أو ذرا»
ذهب المعروف إلّا ذكرهربّما أبكى الفتى ما ذكرا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا خليلي أصيبا أو ذرا»
وبقينا فى زمان معضليشرب الصّفو، ويبقى الكدراء
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا خليلي أصيبا أو ذرا»

قال: وله:

قد أدرك الحاجة ممنوعةوتولع النّفس بما لا تنال
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «قد أدرك الحاجة ممنوعة»
والهمّ ما امسكته فى الحشاداء، وبعض الدّاء لا يستقال
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «قد أدرك الحاجة ممنوعة»
فاحتمل الهمّ على عاتقإن لم تساعفك العلندى الجلال
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «قد أدرك الحاجة ممنوعة»

قال يحيى: قوله: «عاتق» يعنى الخمر، وهذا مثل قوله:

رحلت عنسا من شراب بابلفبتّ من عقلى على مراحل
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «لما رأيت الحظ حظ الجاهل»

قال سيدنا أدام الله تمكينه: هذا الّذي ذكره يحتمله البيت على استكراه، ويحتمل أيضا أن يريد بالعاتق العضو، ويكون المعنى: إن لم تجد من يحمل عنك همومك ويقوم بأثقالك، ويخفف عنك، فتحمّل ذلك أنت بنفسك، واصبر عليه؛ فكأنّه يأمر نفسه بالتجلّد والتصبر على البأس، وهذا البيت له نظائر كثيرة فى الشعر.

وأخبرنا المرزبانىّ قال حدثنا على بن هارون قال حدثنى أبى قال: من بارع شعر بشار قوله يصف جارية مغنية. قال على: وما فى الدنيا شيء لقديم ولا محدث من منثور ولا منظوم فى صفة الغناء واستحسانه مثل هذه الأبيات:

ورائحة، للعين فيها مخيلةإذا برقت لم تسق بطن صعيد
من المستهلّات الهموم على الفتىخفا برقها فى عصفر وعقود
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ألا من لمطروب الفؤاد عميد»
حسدت عليها كلّ شيء يمسّهاوما كنت لولا حبّها بحسود
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ألا من لمطروب الفؤاد عميد»
وأصفر مثل الزّعفران شربتهعلى صوت صفراء التّرائب رود
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ألا من لمطروب الفؤاد عميد»
/ كأنّ أميرا جالسا فى ثيابهاتؤمّل رؤياه عيون وفود
من البيض لم تسرح على أهل ثلّةسواما، ولم ترفع حداج قعود
تميت به ألبابنا وقلوبنامرارا، وتحييهنّ بعد همود
إذا نطقت صحنا، وصاح لنا الصّدىصياح جنود وجّهت لجنود
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ألا من لمطروب الفؤاد عميد»
ظللنا بذاك الدّيدن اليوم كلّهكأنا من الفردوس تحت خلود
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ألا من لمطروب الفؤاد عميد»
ولا بأس إلّا أنّنا عند أهلناشهود، وما ألبابنا بشهود
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ألا من لمطروب الفؤاد عميد»

قال: وأنشدنى أبى له فى وصف مغنية:

لعمرو أبى زوّارها الصّيد إنّهملفى منظر منها وحسن سماع
تصلّى لها آذاننا وعيونناإذا ما التقينا والقلوب دواع
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «لعمر أبي زوارها الصيد إنهم»
وصفراء مثل الخيزرانة لم تعشببؤس ولم تركب مطيّة راع
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «لعمر أبي زوارها الصيد إنهم»
جرى اللؤلؤ المكنون فوق لسانهالزوّارها من مزهر ويراع
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «لعمر أبي زوارها الصيد إنهم»
إذا قلّدت أطرافها العود زلزلتقلوبا دعاها للوساوس داع
كأنّهم فى جنّة قد تلاحقتمحاسنها من روضة ويفاع
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «لعمر أبي زوارها الصيد إنهم»
يروحون من تغريدها وحديثهانشاوى، وما تسقيهم بصواع
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «لعمر أبي زوارها الصيد إنهم»
لعوب بألباب الرّجال، وإن دنتأطيع التقى، والغىّ غير مطاع
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «لعمر أبي زوارها الصيد إنهم»

قال على بن هارون: الصّواع: المكيال؛ يقول: إذا غنّت شربوا جزافا بلا كيل ولا مقدار من حسن ما يسمعون.

قال سيدنا أدام الله علوه: هذا خطأ منه؛ وإنما المراد أن غناءها لفرط حسنه وشدة إطرابه ينسيان شرّة الخمر؛ وإن لم يكن هناك شرب بصواع، وهذا يجرى مجرى قول الشاعر:

ويوم ظللنا عند أمّ محلّمنشاوى، ولم نشرب طلاء ولا خمرا

/ وما كان عندى أن أحدا يتوهم فى معنى هذا البيت ما ظنه هذا الرجل.

وأما قوله فى القطعة الأولى:

وأصفر مثل الزّعفران شربتهعلى صوت صفراء الترائب رود
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ألا من لمطروب الفؤاد عميد»

فيحتمل وجوها ثلاثة:

أولها أن يكون أراد بصفرة ترائبها الكناية عن كثرة تطيّبها وتضمّخها، وأن ترائبها تصفرّ لذلك، كما قال الأعشى:

بيضاء ضحوتها، وصفراء العشيّة كالعرارة
للشاعر الأعشى، من قصيدة «يا جارتي ما كنت جاره»

والعرار: بهار البرّ؛ وإنما أراد أنها تتضمّخ بالعشىّ بالطيب فيصفّرها؛ ومثله لذى الرّمة:

بيضاء فى دعج، كحلاء فى برج،كأنّها فضّة قد مسّها ذهب

وقيل فى بيت قيس بن الخطيم:

فرأيت مثل الشّمس عند طلوعهافى الحسن، أو كدنوّها لغروب
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة

وجهان:

أحدهما أنه أراد أنها تتطيّب بالعشىّ فتصفرّ؛ لأن الشمس تغيب صفراء الوجه.

والآخر أراد المبالغة فى الحسن، لأن الشمس أحسن ما تكون فى وقتيها هذين؛ ومن ذلك أيضا قول قيس بن الخطيم:

صفراء أعجلها الشّباب لداتها

ومثله للأعشى:

إذا جرّدت يوما حسبت خميصةعليها وجريال النّضير الدّلامصا

الخميصة: ثوب ناعم لين؛ شبه به نعمة جسمها. والنّضير: الذهب. والجريال: كلّ صبغ أحمر، وإنما يعنى لون الطّيب عليها. والدّلامص: البرّاق، فهذا وجه.

والوجه الثانى أن يكون أراد بوصفها بالصفرة رقّة لونها؛ فعندهم أنّ المرأة إذا كانت صافية اللون رقيقة ضرب لونها بالعشىّ إلى الصفرة.

قال مهدىّ بن عليّ الأصفهانىّ: قال لى أبى قال لى الجاحظ: زعموا أن المرأة إذا كانت صافية اللون رقيقة يضرب لونها بالغداة إلى البياض وبالعشىّ إلى الصفرة، واحتجّ فى ذلك بقول الراجز:

قد علمت بيضاء صفراء الأصل

وزعم أن بيت ذى الرمة/ الّذي أنشدناه من هذا المعنى، وكذلك بيت الأعشى الّذي أنشدناه؛ والأبيات محتملة للأمرين.

فأما الّذي لا يحتمل إلا وجها واحدا فهو قول الشاعر:

وقد خنقتها عبرة فدموعهاعلى خدّها حمر وفى نحرها صفر

لأنها لا تكون صفرا فى نحرها إلا لأجل الطيب.

فأما قوله «على خدها حمر» فإنما أراد أنها تنصبغ بلون خدّها.

والوجه الثالث أن تكون المرأة كانت صفراء على الحقيقة؛ فإن بشارا كثيرا ما يشبّب بامرأة صفراء، كقوله:

أصفراء لا أنسى هواك ولا ودّىولا ما مضى بينى وبينك من عهد
لقد كان ما بينى زمانا وبينهاكما كان بين المسك والعنبر الورد
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أصفراء ما أنسى هواك ولا ودي»

أى كما كان بين طيب المسك والعنبر.

وكقوله:

أصفراء كان الودّ منك مباحاليالى كان الهجر منك مزاحا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أصفراء كان الود منك مباحا»
وكان جوارى الحىّ إذ كنت فيهمقباحا، فلمّا غبت صرن ملاحا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أصفراء كان الود منك مباحا»

وقد روى:

ملاحا فلما غبت صرن قباحا

وقوله: «قباحا فلما غبت» يشبه قول السيد بن محمد الحميرىّ.

وإذا حضرن مع الملاح بمجلسأبصرتهنّ- وما قبحن- قباحا
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة

فأما قوله: «من البيض لم تسرح سواما» فإنه لا يكون مناقضا لقوله «صفراء»، وإن أراد بالصفرة لونها، لأن البياض هاهنا ليس بعبارة عن اللون؛ وإنما هو عبارة عن نقاء العرض وسلامته من الأدناس؛ والعرب لا تكاد تستعمل بيضاء إلا فى هذا المعنى دون اللون، لأن البياض عندهم البرص، ويقولون فى الأبيض الأحمر، ومنه قول الشاعر:

جاءت به بيضاء تحملهمن عبد شمس صلتة الخدّ

ومثله «بيض الوجوه».

فأما قول بشار فى القطعة الثانية: «صفراء مثل الخيزرانة» فإنه يحتمل ما تقدّم من الوجوه، وإن كان اللون

الحقيقى أخصّ لقوله: «كالخيزرانة»؛ لأن الخيزران يضرب إلى الصّفرة.

ويحتمل أيضا أن يريد «بصفراء» غير اللون الثابت، ويكون قوله: «كالخيزرانة» أنها مثلها/ فى التثنى والتعطف.

ولقد أحسن جران العود فى قوله فى المعنى الّذي تقدم:

كأنّ سبيكة صفراء صبّتعليها ثمّ ليث بها الإزار
برود العارضين كأنّ فاهابعيد النّوم مسك مستثار

مجلس آخر

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.