من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
تأويل آية [اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ؛.
فقال كيف أضاف الاستهزاء إليه تعالى؛ وهو مما لا يجوز فى الحقيقة عليه؟ وكيف خبّر [بأنهم فى الطّغيان والعمه] وذلك بخلاف مذهبكم؟
الجواب، قلنا: فى قوله تعالى اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وجوه:
أولها أن يكون معنى الاستهزاء الّذي أضافه تعالى إلى نفسه تجهيله لهم وتخطئته إياهم فى إقامتهم على الكفر وإصرارهم على الضلال؛ وسمّى الله تعالى ذلك استهزاء مجازا وتشبيها؛ كما يقول القائل: إن فلانا ليستهزأ به
منذ اليوم، إذا فعل فعلا عابه الناس به، وخطّئوه فيه فأقيم عيب الناس على ذلك الفعل، وإزراؤهم على فاعله مقام الاستهزاء به؛ وإنما أقيم مقامه لتقارب ما بينهما فى المعنى؛ لأن الاستهزاء الحقيقى هو ما يقصد به إلى عيب المستهزأ به، والإزراء عليه، وإذا تضمنت التخطئة والتجهيل والتبكيت هذا المعنى جاز أن يجرى عليه اسم الاستهزاء؛ ويشهد بذلك قوله تعالى: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها؛؛ ونحن نعلم أن الآيات لا يصحّ عليها الاستهزاء على الحقيقة ولا السخرية؛ وإنما المعنى: إذا سمعتم آيات الله يكفر بها
ويزرى عليها؛ والعرب قد تقيم الشيء مقام ما قاربه فى معناه، فتجرى اسمه عليه؛ قال الشاعر:
كم أناس فى نعيم عمّروافى ذرى ملك تعالى فبسق
سكت الدّهر زمانا عنهمثمّ أبكاهم دما حين نطق
والسكوت والنطق على الحقيقة لا يجوزان على الدهر؛ وإنما شبّه تركه الحال على ما هى عليه بالسكوت، وشبه تغييره لها بالنطق. وأنشد الفراء:
إنّ دهرا يلفّ شملى بجمللزمان يهمّ بالإحسان
ومثل ذلك فى الاستعارة لتقارب المعنى قوله:
سألتنى بأناس هلكواشرب الدّهر عليهم وأكل
وإنما أراد بالأكل والشرب الإفساد لهم، والتغيير لأحوالهم، ومنه قول الآخر:
يقرّ بعينى أن أرى باب دارهاوإن كان باب الدّار يحسبنى جلدا
والجواب الثانى أن يكون معنى الاستهزاء المضاف إليه ﷿ أن يستدرجهم ويهلكهم من حيث لا يعلمون ولا يشعرون.
ويروى عن ابن عباس أنه قال فى معنى استدراجه إياهم: إنهم كلّما أحدثوا خطيئة جدّد لهم نعمة؛ وإنما سمّى هذا الفعل استهزاء من حيث غيّب عنهم من الاستدراج إلى الهلاك غير ما أظهر لهم من النعم؛ كما أن المستهزئ منّا،
المخادع لغيره يظهر أمرا؛ ويضمر غيره.
فإن قيل: على هذا الجواب فالمسألة قائمة، وأىّ وجه لأن يستدرجهم بالنعمة إلى الهلاك؟
قلنا: ليس الهلاك هاهنا هو الكفر، وما أشبهه من المعاصى التى يستحقّ بها العقاب؛ وإنما يستدرجهم إلى الضرر والعقاب الّذي استحقوه بما تقدّم من كفرهم؛ ولله تعالى أن يعاقب
المستحق بما يشاء أىّ وقت شاء؛ فكأنه تعالى لمّا كفروا وبدّلوا نعمة الله، وعاندوا رسله لم يغيّر نعمه عليهم فى الدنيا؛ بل أبقاها لتكون- متى نزعها عنهم، وأبدلهم بها نقما- الحسرة منهم أعظم، والضرر عليهم أكثر.
فإن قيل: فهذا يؤدّى إلى تجويز أن يكون بعض ما ظاهره ظاهر النعمة على الكفار مما لا يستحق الله به الشكر عليهم.
قلنا: ليس يمتنع هذا فيمن استحقّ العقاب؛ وإنما المنكر أن تكون النعم المبتدأة بهذه الصفة على ما يلزمه مخالفنا، ألا ترى أن الحياة وما جرى مجراها من حفظ التركيب، والصحة لا تعدّ على أهل النار نعمة؛ وإن كانت على أهل الجنة نعما من حيث كان الغرض فيه إيصال العقاب إليهم.
والجواب الثالث أن يكون معنى استهزائه بهم/ أنّه جعل لهم بما أظهروه من موافقة أهل الإيمان ظاهر أحكامهم؛ من نصرة ومناكحة وموارثة ومدافنة، وغير ذلك من الأحكام؛ وإن كان تعالى معدّا لهم فى الآخرة أليم العقاب لما أبطنوه من النفاق، واستسرّوا به من الكفر؛ فكأنه تعالى قال: إن كنتم أيها المنافقون بما تظهرونه للمؤمنين من المتابعة والموافقة، وتبطنونه من النفاق، وتطلعون عليه شياطينكم إذا خلوتم بهم تظنون أنكم مستهزءون؛ فالله تعالى هو المستهزئ بكم من حيث جعل لكم أحكام المؤمنين ظاهرا؛ حتى ظننتم أنّ لكم ما لهم، ثمّ ميّز بينكم فى الآخرة ودار الجزاء؛ من حيث أثاب المخلصين الذين يوافق ظواهرهم بواطنهم، وعاقب المنافقين. وهذا الجواب يقرب معناه من الجواب الثانى؛ وإن كان بينهما خلاف من بعض الوجوه.
والجواب الرابع أن يكون معنى ذلك أن الله هو الّذي يردّ استهزاءكم ومكركم عليكم؛ وأنّ ضرر ما فعلتموه لم يتعدكم؛ ولم يحط بسواكم؛ ونظير ذلك قول القائل: إن فلانا أراد أن يخدعنى فخدعته؛ وقصد إلى أن يمكر بى فمكرت به؛ والمعنى أنّ ضرر خداعه ومكره
عاد إليه ولم يضررنى به.
والجواب الخامس أن يكون المعنى أنه يجازيهم على استهزائهم؛ فسمّى الجزاء على الذنب باسم الذنب؛ والعرب تسمّى الجزاء على الفعل باسمه؛ قال الله تعالى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها؛، وقال تعالى: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ؛، وقال: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ؛ والمبتدأ ليس بعقوبة، وقال الشاعر:
ألا لا يجهلن أحد علينافنجهل فوق جهل الجاهلينا
ومن شأن العرب أن تسمّى الشيء باسم ما يقاربه ويصاحبه، ويشتد اختصاصه وتعلّقه به؛ إذا انكشف المعنى وأمن الإبهام؛ وربما غلّبوا أيضا اسم أحد الشيئين على الآخر لقوة التعلّق بينهما، وشدة الاختصاص فيهما؛ فمثال الأول قولهم للبعير الّذي يحمل المزادة:
راوية، وللمزادة المحمولة على البعير رواية، فسموا البعير باسم ما يحمل عليه؛ قال الشاعر:
/ مشى الرّوايا بالمزاد الأثقل
أراد بالروايا الإبل؛ ومن ذلك قولهم: صرعته الكأس واستلبت عقله، قال الشاعر:
وما زالت الكاس تغتالناوتذهب بالأوّل الأوّل
والكأس هى ظرف الشراب، والفعل الّذي أضافوه إليها إنما هو مضاف إلى الشراب الّذي يحلّ الكأس إلّا أن [الفراء لا يقول الكأس إلا بما فيه] من الشراب؛ وكأنّ الإناء
الفارغ لا يسمى كأسا، وعلى هذا القول يكون إضافة اختلاس العقل والتصريع وما جرى مجرى ذلك إلى الكأس على وجه الحقيقة؛ لأن الكأس على هذا القول اسم للإناء وما حلّه من الشراب.
ومثال الوجه الثانى ما ذكرناه عنهم من التغليب تغليبهم اسم القمر على الشمس؛ قال الشاعر:
أخذنا بآفاق السّماء عليكملنا قمراها والنّجوم الطوالع
أراد: لنا شمسها وقمرها؛ فغلّب.
ومنه قول الآخر:
فقولا لأهل المكّتين: تحاشدواوسيروا إلى آطام يثرب والنّخل
أراد بالمكّتين: مكة والمدينة، فغلّب.
وقال الآخر:
فبصرة الأزد منّا والعراق لناوالموصلان، ومنّا مصر والحرم
أراد بالموصلين الموصل والجزيرة.
وقال الآخر:
نحن سبينا أمّكم مقربايوم صبحنا الحيرتين المنون
أراد الحيرة والكوفة، وقال آخر:
إذا اجتمع العمران: عمرو بن عامروبدر بن عمر وخلت ذبيان جوّعا
وألقوا مقاليد الأمور إليهمجميعا، وكانوا كارهين وطوّعا
أراد بالعمرين: رجلين؛ يقال لأحدهما عمرو، وللآخر بدر؛ وقد فسره الشاعر فى البيت.
ومثله:
جزانى الزّهدمان جزاء سوءوكنت المرء يجزى بالكرامة
/ أراد بالزّهدمين رجلين؛ يقال لأحدهما زهدم، وللآخر كردم، فغلّب.
وكلّ الّذي ذكرناه يقوّى هذا الجواب من جواز التسمية للجزاء على الذنب باسمه، أو تغليبه عليه، للمقاربة والاختصاص التام بين الذنب والجزاء عليه.
والجواب السادس ما روى عن ابن عباس قال: يفتح لهم وهم فى النار باب من الجنة، فيقبلون إليه مسرعين؛ حتى إذا انتهوا إليه سدّ عليهم، فيضحك المؤمنون منهم إذا رأوا الأبواب وقد أغلقت دونهم؛ ولذلك قال ﷿: فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ. عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ؛.
فإن قيل: وأىّ فائدة فى هذا الفعل؟ وما وجه الحكمة فيه؟
قلنا: وجه الحكمة فيه ظاهر؛ لأن ذلك أغلظ فى نفوسهم، وأعظم فى مكروههم؛ وهو ضرب من العقاب الّذي يستحقونه بأفعالهم القبيحة؛ لأن من طمع فى النجاة والخلاص من المكروه، واشتد حرصه على ذلك؛ ثم حيل بينه وبين الفرج وردّ إلى المكروه يكون عذابه أصعب وأغلظ من عذاب من لا طريق للطمع عليه.
فإن قيل: فعلى هذا الجواب، ما الفعل الّذي هو الاستهزاء؟
قلنا: فى ترداده لهم من باب إلى آخر على سبيل التعذيب معنى الاستهزاء؛ من حيث كان إظهارا لما المراد بخلافه؛ وإن لم يكن فيه من معنى الاستهزاء ما يقتضي قبحه من اللهو والعبث وما جرى مجرى ذلك.
والجواب السابع أن يكون ما وقع منه تعالى ليس باستهزاء على الحقيقة؛ لكنّه سماه بذلك ليزدوج اللفظ ويخف على اللسان؛ وللعرب فى ذلك عادة معروفة فى كلامها؛ والشواهد عليه مذكورة مشهورة.
وهذه الوجوه التى ذكرناها فى الآية يمكن أن تذكر فى قوله تعالى: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ؛؛ وفى قوله تعالى: إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ؛ فليتأمل ذلك.
فأما قوله تعالى: وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ فيحتمل وجهين:
أحدهما أن يريد: أنى أملى لهم ليؤمنوا ويطيعوا؛ وهم مع ذلك مستمسكون بطغيانهم وعمههم.
والوجه الآخر أن يريد ب يَمُدُّهُمْ أنه يتركهم من فوائده ومنحه/ التى يؤتيها المؤمنين ثوابا لهم، ويمنعها الكافرين عقابا كشرحه لصدورهم، وتنويره لقلوبهم؛ وكل هذا واضح بحمد الله.
قال سيدنا أدام الله علوّه: وإنى لأستحسن لبعض الأعراب قوله:
خليلىّ هل يشفى النّفوس من الجوىبدوّ ذوى الأوطان، لا بل يشوقها!
وتزداد فى قرب إليها صبابةويبعد من فرط اشتياق طريقها
وما ينفع الحرّان ذا اللّوح أن يرىحياض القرى مملوءة لا يذوقها
ولآخر فى تذكر الأوطان والحنين إليها:
ألا قل لدار بين أكثبة الحمىوذات الغضا: جادت عليك الهواضب!
أجدّك لا آتيك إلّا تقلّبتدموع أضاعت ما حفظت سواكب
ديار تناسمت الهواء بجوّهاوطاوعنى فيها الهوى والحبائب
ليالى؛ لا الهجران محتكم بهاعلى وصل من أهوى، ولا الظنّ كاذب
وأنشد أبو نصر صاحب الأصمعىّ لأعرابىّ:
ألا ليت شعرى! هل أبيتنّ ليلةبأسناد نجد، وهى خضر متونها!
وهل أشربنّ الدّهر من ماء مزنةبحرّة ليلى حيث فاض معينها!
بلاد بها كنّا نحلّ، فأصبحتخلاء ترعاها مع الأدم عينها
تفيّأت فيها بالشّباب وبالصّباتميل بما أهوى عليّ غصونها
وأنشد الأصمعىّ لصدقة بن نافع الغنوىّ:
ألا ليت شعرى هل تحنّنّ ناقتىبيضاء نجد حيث كان مسيرها!
فتلك بلاد حبّب الله أهلهاإليك، وإن لم يعط نصفا أميرها
بلاد بها أنضيت راحلة الصّباولانت لنا أيّامها وشهورها
/ فقدنا بها الهمّ المكدّر شربهودار علينا بالنّعيم سرورها
وأنشد أبو محلّم لسوّار بن المضرّب:
سقى الله اليمامة من بلادنوافحها كأرواح الغوانى
وجوّ زاهر للرّيح فيهنسيم لا يروع التّرب، وان
بها سقت الشّباب إلى مشيبيقبّح عندنا حسن الزّمان
وأنشد إبراهيم بن إسحاق الموصلىّ:
ألا يا حبّذا جنبات سلمىوجاد بأرضها جون السّحاب!
خلعت بها العذار ونلت فيهامناى بطاعة أو باغتصاب
أسوم بباطلى طلبات لهوىويعذرنى بها عصر الشّباب
فكلّ هؤلاء على ما ترى قد أفصحوا بأن سبب حنينهم إلى الأوطان ما لبسوه فيها من ثوب الشباب، واستظلوه من ظلّه، وأنضوه من رواحله، وأنه كان يعذرهم ويحسن قبائحهم.
فعلى أى شيء يغلو الناس فى قول ابن الرومى:
وحبّب أوطان الرّجال إليهممآرب قضّاها الشّباب هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكّرتهمعهود الصّبا فيها فحنّوا لذلكا
ويزعمون أنه سبق إلى ما لم يسبق إليه، وكشف عن هذا المعنى مستورا، ووسم غفلا! وقوله وإن كان جيد المعنى سليم اللفظ، فلم يزد فيه على من تقدم ولا أبدع، بل اتبع؛ ولكن الجيد إذا ورد ممّن يعهد منه الردئ كثر استحسانه؛ وزاد استطرافه.
ولقد أحسن البحترىّ فى قوله فى هذا المعنى:
فسقى الغضى والنّازلية وإن همشبّوه بين جوانح وقلوب
وقصار أيّام به سرقت لناحسناتها من كاشح ورقيب
خضر تساقطها الصّبا فكأنّهاورق يساقطه اهراز قضيب
/ كانت فنون بطالة فتقطّعتعن هجر غانية ووصل مشيب
وأحسن فى قوله:
سقى الله أخلافا من الدّهر رطبةسقتنا الجوى إذ أبرق الحزن أبرق
ليال سرقناها من الدّهر بعد ماأضاء بإصباح من الشّيب مفرق
تداويت من ليلى بليلى فما اشتفىبماء الرّبا من بات بالماء يشرق
ولأبى تمام فى هذا المعنى ما لا يقصر عن إحسان، وهو:
سلام ترجف الأحشاء منهعلى الحسن بن وهب والعراق
على البلد الحبيب إلى غوراونجدا، والأخ العذب المذاق
ليالى نحن فى وسنات عيشكأنّ الدّهر عنّا فى وثاق
وأيّام له ولنا لدانغنينا فى حواشيها الرّفاق
كأنّ العهد عن عفر لديناوإن كان التّلاقى عن تلاق
مجلس آخر
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع