تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

تأويل آية [أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ، وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ، فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْص

قال ﵀: سئلت إملاء تفسير قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ، وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ، فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ. يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ؛.

فأجبت إلى ذلك.

أما قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ فالمراد: ألم تعلم؛ وإن كان هذا اللفظ مشتركا بين الإدراك والعلم؛ وإنما اختصّ هنا بالعلم دون الإدراك؛ لأن إضافة إزجاء السحاب وتأليفه وجميع ما ذكر فى الآية إلى الله تعالى مما لا يستفاد بالإدراك؛ وإنما يعلم بالأدلّة.

فأما قوله تعالى: يُزْجِي سَحاباً فمعناه يسوق؛ ولا بدّ أن يلحظ فى هذا الموضع السّوق الضعيف الرفيق؛ يقال منه: أزجى يزجى إزجاء، وزجّى يزجّى تزجية، إذا ساق؛ ومنه إزجاء الكسير من الإبل إذا سقته سوقا رفيقا حتى يسير؛ ومنه قوله تعالى:

بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ؛ أى مسوقة شيئا بعد شيء على ضعف وقلّة، قال عدىّ بن الرّقاع:

تزجى أغنّ كأنّ إبرة روقهقلم أصاب من الدّواة مدادها
للشاعر عدي بن الرقاع، من قصيدة «عرف الديار توهما فاعتادها»

وقال الأعشى:

الواهب المائة الهجان وعبدهاعوذا تزجّى خلفها أطفالها

أراد بالعوذ الحديثة النّتاج؛ ومعنى «تزجّى» أى تسوق أطفالها وراءها سوقا رفيقا؛ لأنها تحنّ فتتبع أطفالها؛ وقال مالك بن الرّيب المازنىّ:

ألا ليت شعرى هل أبيتنّ ليلةبوادى الغضى أزجى القلاص النّواجيا

والسحاب: جمع سحابة؛ ولهذا قال: يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ، أى بين كل سحابة وأخرى، ولو كان هاهنا أيضا اسما للجنس لجاز؛ لأنّ الجنس يوصل بعضه ببعض، ويؤلّف بعضه ببعض؛ وإنما لا يصحّ ذلك فى العين الواحدة.

فأما الرّكام فهو الّذي جعل بعضه فوق بعض؛ ومنه قوله تعالى: سَحابٌ مَرْكُومٌ؛، وقوله تعالى: فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً؛.

فأما الودق فهو المطر؛ يقال ودق يدق ودقا؛ وكلّ ما قطر منه ماء أو رشح فهو وادق؛ ويقال: استودقت الفرس والأتان إذا حنّت إلى الفحل واستدعت ماءه؛ ويقال أيضا: أو دقت؛ وأتان وديق وودوق؛ إذا أرادت إنزال الفحل الماء فيها.

وخلال الشيء: خروقه وفروجه؛ وقد قرئ: من خلله بغير ألف.

فأما قوله تعالى: وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فإنّنى وجدت جميع المفسّرين على اختلاف عباراتهم يذهبون إلى أنّه أراد أنّ فى السماء جبالا من برد؛ وفيهم من قال: ما قدره قدر جبال؛ قال: يراد به مقدار جبال من كثرته.

وأبو مسلم بن بحر الأصبهانىّ خاصة انفرد فى هذا الموضع بتأويل طريف؛ وهو أن قال:

" الجبال ما جبل الله من برد، وكلّ جسم شديد مستحجر فهو من الجبال؛ ألم تر إلى قوله تعالى فى خلق الأمم: وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ؛ والناس يقولون: فلان مجبول على كذا".

ووجدت أبا بكر محمد بن الحسن بن مقسم النحوىّ يقول فى كتابه المعروف بالأنوار:

" وأمّا مِنْ الأولى؛ والثانية فبمعنى حدّ التنزيل؛ ونسبته إلى الموضع الّذي نزّل منه؛ كما

يقال: جئتك بكذا، ومن بلد كذا؛ وأما الثالثة فبمعنى التفسير والتمييز، لأن الجبال تكون أنواعا فى ملك الله تعالى؛

فجاءت مِنْ لتمييز البرد من غيره؛ وتفسير معنى الجبال التى أنزل منها. وقد يصلح فى مثل هذا الموضع من الكلام أن يقال: «من جبال فيها برد» بغير «من»، يترجم برد عن جبال؛ لأنها مخلوقة من برد، كما يقال: الحيوان من لحم ودم، والحيوان لحم ودم؛ ب «من» وبغير «من» ".

ووجدت على بن عيسى الرّمانىّ يقول فى تفسيره: " إن معنى مِنْ الأولى ابتداء الغاية؛ لأن السماء ابتداء الإنزال، والثانية للتبعيض؛ لأن البرد بعض الجبال التى فى السماء، والثالثة لتبيين الجنس؛ لأنّ جنس الجبال جنس البرد".

وهذه التفاسير على اختلافها غير شافية ولا كافية؛ وأنا أبيّن ما فيها من خلل، ثم أذكر ما عندى أنّه الصحيح:

أمّا من جعل فى السماء جبال برد، أو ما مقداره مقدار الجبال- على اختلاف عباراتهم- فيدخل عليه أن يبقى عليه قوله تعالى: وَيُنَزِّلُ بغير مفعول؛ ولا ما يتعلق به؛ لأنّ تقدير الكلام على هذه التفاسير: وينزّل من جبال برد فى السماء؛ فما الشيء الّذي أنزل به! فما تراه مذكورا فى الآية؛ والكلام كلّه خال منه على هذا التأويل.

فأما أبو مسلم فيلزمه هذا الكلام بعينه، ويلزمه زائدا عليه أنه جعل الجبال اسما للبرد نفسه؛ من حيث كان مجبولا مستحجرا.

وهذا غلط؛ لأن الجبال وإن كانت فى الأصل مشتقة من الجبل والجمع فقد صارت اسما لذى هيئة مخصوصة.

ولهذا لا يسمّى أحد من أهل اللغة كلّ جسم ضمّ بعضه إلى بعض- مع استحجار أو غير استحجار- بأنه جبل، ولا يخصّون بهذا اللفظ إلا أجساما مخصوصة.

وليس يمتنع فى اللغة هذا؛ لأنّ اسم الدابة وإن كان مشتقا فى الأصل من الدبيب؛ فقد صار اسما لبعض ما دبّ، ولا يعم كلّ ما وقع منه الدبيب.

وليس يعترض على هذه التأويلات التى ذكرناها ما يظنّه بعض الناس من أنه لا يجوز أن يكون فى السماء جبال برد، أو ما قدره قدر الجبال من البرد؛ لأن ذلك غير ممتنع ولا مستحيل.

فإن قالوا: كيف لا تهوى تلك الجبال من البرد؟

قلنا: يمسكها الله تعالى، ويسكّنها كما يمسك الأرض والفلك.

وإنما ينكر هذا أصحاب الطبائع، الذين لا يقرّون بالخالق جلّت عظمته، فيذكرون فى سبب وقوف الأرض المركز وهو لا يعقل؛ ولو أثبتوا الصانع جلّت عظمته نسبوا سكون الأرض إليه، واستغنوا عن تكلّف ما لا يعقل ولا يفهم.

والأولى فى تفسير هذا الموضع أن تكون «من» الأولى والثانية لابتداء الغاية، والثالثة زائدة لا حكم لها؛ ويكون تقدير الكلام: وينزّل من جبال فى السماء بردا، فزاد «من» كما يزاد فى قولهم: ما فى الدار من أحد، وكم أعطيتك

من درهم! وما لك عندى من حق؛ وما أشبه ذلك.

وعلامة زيادتها فى هذه المواضع أنك إذا أخرجتها أو ألغيتها كان الكلام مستقلّا لا يتغيّر معناه، وجرى قوله تعالى: وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ مجرى قول القائل: كم حملت لك من الكوفة من سوقها من ثوب! والمعنى: كم حملت لك من سوق الكوفة ثوبا!

والأولى أن يريد بلفظة السَّماءِ هنا ما علا من الغيم وارتفع فصار سماء لنا؛ لأنّ سماء البيت وسماوته ما ارتفع منه؛ ولأن السحاب لا يكون فى السماء التى هى الفلك للكواكب؛ وإنما هو تحته، وأراد بالجبال التشبيه، لأنّ السحاب المتراكب المتراكم تشبّهه العرب بالجبال والجمال؛ وهذا شائع فى كلامها، كأنّه تعالى قال: وينزّل من السحاب الّذي يشبه الجبال فى تراكمه بردا؛ فقد ظهر على هذا التأويل مفعول صحيح ل ننزل؛ ولا مفعول لهذا الفعل على التأويلات المتقدمة.

فإن قيل: إذا جاز أن تجعلوا مِنْ الأخيرة زائدة حتى يكون المنزّل هو البرد، فألّا جعلتم مِنْ الثانية هى الزائدة، ويكون تقدير الكلام: وننزّل من السماء جبالا من برد!

قلنا: ليس يشبه البرد فى نزوله الجبال على وجه ولا سبب؛ والسّحاب المتراكم يشبه الجبال، وقد جرت عادة العرب بتشبيهه بها، فيجب أن تكون الثانية غير زائدة لما ذكرناه، وتكون الأخيرة زائدة؛ وإلّا بقيتا بلا مفعول؛ ولأنه تعالى قال: فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ؛ وهذه كناية عن البرد لا الجبال؛ لأنه لو كنّى عنها لقال: فيصيب بها؛ ولأنّ الجبال على التأويلات التى حكيناها كلّها منزّل منها، لا منزّلة.

فإن قيل: ألّا كان المفعول محذوفا مقدّرا؛ وكأنه قال: وننزّل من جبال برد فى السماء بردا؛ والكلام يقتضيه؟

قلنا: إنما نقدّر مفعولا محذوفا فى الموضع الّذي لا نجد فيه مفعولا ظاهر، وقد بيّنّا أنّ فى الآية مفعولا ظاهرا، فيجب صرف الكلام إليه. على أنّه لا بدّ من مفعول؛ إما ظاهرا وهو الّذي أشرنا إليه، أو محذوفا على ما تضمّنه السؤال؛ لا سيّما وفى الكلام كناية عنه فى قوله: فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ، وما رأينا أحدا من المفسّرين لهذه الآية- على اختلافهم وذكر أكثرهم كلّ ما تقتضيه وجوه الإعراب فى آيات القرآن- تعرّض لذكر المفعول، ولا قال: إنه ظاهر ولا مقدّر محذوف يدلّ الكلام عليه. وهذا على كل حال تقصير ظاهر.

فأما قوله تعالى: فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ فالمراد به: فيصيب بضرره من يشاء، ويصرف ضرره عمّن يشاء؛ فإنّ العادة جارية بأنّ البرد يصيب أرضا ويتعدّى ما يجاورها ويلاصقها.

فأما قوله تعالى: يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ فسنا البرق ضوأه، وهو مقصور، وسناء المجد والشرف ممدود، والهاء فى بَرْقِهِ راجعة إلى البرد أو السحاب؛ فقد جرى ذكر كلّ واحد منهما؛ ويجوز إضافة البرق إليهما.

فأما قوله: يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ وقد قرئ يَذْهَبُ بضم الياء؛ فالمراد به أنّ البرق من شدة ضوئه يكاد يذهب بالعيون؛ لأنّ النظر إلى ماله شعاع شديد يضرّ بالعين؛ كعين الشمس وما أشبهها؛ والقراءة بفتح الهاء أجود مع دخول الباء؛ تقول العرب: ذهبت بالشيء؛ فإذا أدخلوا الألف أسقطوا الباء فقالوا: أذهبت الشيء؛ بغير باء.

فأما قوله: يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ فإنما أراد أنه يأتى بكلّ واحد منهما بدلا من صاحبه، ومعاقبا له؛ لما فى ذلك من المصلحة والمنفعة.

فأما قوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ فإنما أراد بالعبرة العظة والاعتبار، وروى عن الحسن أنه قال: إنما أراد ذوى أبصار القلوب لا العيون؛ لأنّ العين لا تضاف إليها العبرة والعظة.

وقال الكلبىّ: لأولى الأبصار فى الدين. وردّ قوم على الكلبىّ بأن قالوا: لو أراد ذلك لقال: لأولى البصائر، لأنّ الدين يقال: فيه بصيرة لا بصر.

والأولى أن يكون المراد بالأبصار هاهنا العيون، لأن بالعيون ترى هذه العجائب التى عدّدها الله تعالى، ثم يكون الاعتبار والعظة فى القلب بها، ويكون من لا موعظة له ولا اعتبار كأنه لا بصر له؛ من حيث لم ينتفع ببصره، فجعل أولى الأبصار هم أولى الاعتبار من حيث انتفع أولو الاعتبار بأبصارهم، وإن لم ينتفع بها من لا اعتبار عنده؛ وهذا كثير فى القرآن؛ فإنه تعالى جعل الكفار فى مواضع كثيرة صما وبكما وعميا؛ من حيث أشبهوا بإعراضهم عن الفكر والتأمل والاعتبار من لا جوارح له. وهذا بيّن لمن تأمله.

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من تكملة أمالى المرتضى

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.