من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
مسألة (٤)
اعلم أنّ من عادة العرب الإيجاز والاختصار والحذف طلبا لتقصير الكلام واطّراح فضوله، والاستغناء بقليله عن كثيره؛ ويعدّون ذلك فصاحة وبلاغة. وفى القرآن؛ من هذه الحذوف، والاستغناء بالقليل من الكلام عن الكثير مواضع كثيرة نزلت من الحسن فى أعلى منازله؛ ولو أفردنا لما فى القرآن من الحذوف الغريبة، والاختصارات العجيبة كتابا لكان واجبا.
فمن ظاهر ذلك قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى؛ ولم يأت ل لَوْ جواب فى صريح الكتاب؛ وإنما أراد: لو أن قرآنا سيرت به الجبال لكان هذا. ومثل هذا الحذف ما روى عن النبىّ
صلى الله عليه وآله من قوله: «لو كتب هذا القرآن فى إهاب وطرح فى النار ما أحرقته النار»؛ والمراد: وكانت النار مما لا يحرق جسما لجلالة قدره ما أحرقته؛ فحذف ذلك اختصارا لدلالة الكلام عليه، ومثل هذا قوله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا؛ وتقديره: إن السموات والأرض والجبال لو كنّ مما يأبى ويشفق، وعرضنا عليهنّ الأمانة لأبين وأشفقن. وجعل المعلوم بمنزلة الواقع فقال: عَرَضْنَا من حيث علم أن ذلك المشروط لو وقع شرطه لحصل هو.
وهذا التأويل الّذي استخرجناه أولى مما ذكره المفسّرون من أنه تعالى أراد: عرضنا الأمانة على أهل السموات والأرض؛ لأن أهل السموات والأرض هم الناس والملائكة، فأىّ معنى لقوله وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ وهو يريد الجنس! ومثله قول الشاعر:
امتلأ الحوض وقال قطنى
والمعنى امتلأ حتى لو كان ممن يقول لقال ذلك، وهذا أولى فى نفسى من تفسيرهم هذا البيت بأنه ظهرت منه أمارات القول والنطق.
وهذا الّذي أشرنا إليه هو معنى كلّ ما جرى مجرى هذا البيت؛ من قول الشاعر:
وأجهشت للتّوباذ حين رأيتهوكبّر للرّحمن حين رآنى
فقلت له: أين الذين عهدتهمبجنبك فى خفض وطيب زمان!
فقال: مضوا، واستودعونى بلادهمومن ذا الّذي يبقى على الحدثان!
ومن المحذوف أيضا قوله تعالى: حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ؛؛ ولم يأت لإذا جواب فى طول الكلام، وإنما حسن حذف الجواب الّذي هو: «فدخلوها» لورود ما يقوم مقامه؛ ويدل عليه من قوله تعالى: وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ؛ وذلك لا يكون إلا بعد الدخول؛ ومثل ذلك قول امرئ القيس:
فلو أنها نفس تموت سويّةولكنّها نفس تساقط أنفسا
فحذف جواب، «لو» والجواب هو: «لكان ذلك أروح لها وأخفّ عليها»؛ ومثله قول الهذلىّ.
حتى إذا أسلكوهم فى قتائدةشلّا كما تطرد الجمّالة الشّردا
ومثل هذا كله فى الحذف: إنما أتمنى كذا لو أعطيته؛ وظاهر هذا الكلام كأنه مشروط وكأنه قال: إننى أتمناه إذا أعطيته؛ والأمر بالضّد من ذلك؛ والمعنى: لو أعطيته لبلغت مناى، ولنفعنى؛ وما أشبه ذلك المعنى.
والشعر القديم والمحدث مملوء من ذلك، قال البحترىّ:
ولو شئت يوم الجزع بلّ غليلهمحبّ بوصل منك لو ينفع الوصل
وإنما أراد: لو ينفع الوصل لنفعنى وبلغنى منيتى؛ وما أشبه ذلك؛ ومثله قوله:
وتعجبت من لوعتى فتبسمتعن واضحات لو لثمن عذاب
وأنت إذا تأملت ضروب المجازات التى يتصرف فيها أهل اللسان فى منظومهم ومنثورهم وجدتها كلّها مبنية على الحذف والاختصار؛ ولأن قوله تعالى: وَجاءَ رَبُّكَ؛؛ وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ؛ مما الحذف فيه ظاهر.
وإنما كان الكلام أبلغ وأفصح؛ لأن كلامه قلّل بحذف بعضه ومعانيه بحالها؛ وكذلك قولهم فى المدح: فلان البدر، والبحر، واللّيث؛ وفى الذم: هو الحمار، والحائط؛ إنما هو مبنىّ على الحذف، لأن المراد هو مشبه ومماثل لما ذكر؛ فأسقط من الكلام ما يقتضي التشبيه؛ لدلالة القول عليه.
فإن قيل: فإذا كانت الفصاحة هى الاختصار، فكيف قال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ؛ فزاد الكاف؛ ولا معنى لها إلا الفصاحة؛ فقد صارت الفصاحة بالزيادة كما كانت بالنقصان!
قلنا: دخول الكاف هاهنا ليست على سبيل الزيادة التى لو طرحت لما تغيّر المعنى؛ بل تفيد بدخولها ما لا يستفاد مع خروجها؛ لأنه إذا قال: «ليس مثله شيء» جاز أن يراد من بعض الوجوه، وعلى بعض الأحوال؛ فإذا دخلت الكاف فهم نفى المثل على كل وجه؛ ألا ترى أنه لا يحسن أن يقال: ليس كمثله أحد فى كذا بل على الإطلاق والعموم.
وبمثل هذا الجواب نجيب من يسأل عن قولهم: ما إن فى الدار زيد؛ لأنه لو قال:
ما فى الدار زيد لجاز أن يكون نفيه لكونه فيها على وجه دون وجه؛ فإذا قال: «ما إن» فهم نفى كونه على كل حال؛ وهذا يدلّ على أنها مفيدة غير زائدة.
ومن قال: إنها دخلت للتوكيد يجب أن يكون مراده ما قصدناه وشرحناه؛ لأن التوكيد متى لم يكن تحته فائدة كان دخوله عبثا.
وهذا الكلام الّذي بسطناه فى تأمّله فوائد كثيرة؛ وكان السبب فيه أن بعض من قرئ عليه كلام حكايته فى وصف كتابين: «ووجدت فيهما من التغلغل والتوصّل إلى مكامن الارتجاف، ومغابن الإسعاف، لا تطرق فجاجها، ولا يفتح رتاجها، ولا يمرّ بشعابها، ولا يلمّ بأبوابها ... »؛ وأطال الكلام، ولم يأت بما يرجع إلى قوله: «من التغلغل».
وهذا من الحذف الّذي حسّنه طول الكلام، ودلالة ما فيه على المحذوف؛ لأنّ التقدير:
ووجدت فيه من التغلغل الكثير؛ فاستغنى عن ذكره بالمفهوم من الكلام؛ كما استغنى بالمحذوف التى ذكرناها فى القرآن والشعر بما فى معنى الكلام، وعدّ ذلك فصاحة وبلاغة. وكم بين أن يفهم المعنى ويلحظ من غير لفظ صريح، وبين أن يأتى فيه لفظ مصرّح فى البلاغة والفصاحة!
وقد كنت أمليت قديما مسألة أوضحت فيها أنّ التأكيد لا بدّ فيه من فائدة، وخطّأت من ذهب إلى خلاف ذلك، وبيّنت أنّ كلّ موضع ادّعى فيه أنّه للتأكيد من غير فائدة مجددة فيه فائدة مفهومة؛ وأن قوله تعالى: فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً؛ ما ورد هذا المصدر للتأكيد على ما يقوله قوم؛ بل لفائدة مجدّدة؛ لأنه تعالى أراد متابا جميلا مقبولا واقعا فى موقعه، فحذف ذلك اختصارا؛ كما يقول العربىّ الفصيح فى الشعر المستحسن:
هذا هو الشعر، والفرس الممدوح: هذا هو الفرس؛ وإنما حذف الصفة اختصارا؛ والمراد هذا هو الشعر المستحسن، والفرس الكريم؛ ومثله قوله تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً؛ إنه أراد الفضل والمدح. وقال قوم: بل سمع كلامه من غير واسطة؛ ولا متحمّل له.
فأما قول القائل: ضربته ضربا، وما أشبه ذلك من ذكر المصادر مع الأفعال وفى ذكر الأفعال من غير ذكر المصادر لدلالتها عليها فله وجهان: أحدهما أن يكون نفى صفة الضرب اختصارا؛ وأراد ضربا شديدا مبرّحا، فحذف؛ أو يكون أراد أنّه باشر الضّرب وتولّاه؛ لا أنّه أمر به؛ فقد يقال: ضربه إذا أمر بضربه؛ ولا يكادون يقولون: ضربه ضربا إذا أمر بضربه، ولم يباشره.
فأما قول العرب: «لأمر ما جدع قصير أنفه»، وقولهم: «لأمر ما يسوّد من يسود»، وادعاء من ادّعى أن «ما» هنا زائدة لا معنى تحتها وإنما دخلت للتأكيد؛ فالأولى غير ما ذكره؛ ومعنى قولهم: لأمر ما كان كذا أنه لأمر لست به عارفا؛ لأنهم لا يكادون يقولون: لأمر ما كان كذا وكذا وأنا به عارف؛ وإن جاز أن يقولوا: لأمر كان كذا وأنا به عارف؛ وإنما قالت الزباء: «لأمر ما جدع قصير أنفه»؛ لأنّها كانت جاهلة بسبب قطع أنفه، وغير عالمة به؛ وهذا يبطل قول من جعلها زائدة بغير فائدة.
فأما قوله تعالى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ؛ وتقدير قوم أن «ما» هاهنا زائدة فليس الأمر على ما ظنّوه؛ لأن من شأنهم ألا يدخلوا «ما» هاهنا إلا إذا أرادوا الاختصاص وزيادة فائدة على قولهم: فبرحمة من الله لنت لهم؛ لأنّ مع إسقاط «ما» يجوز أن تكون الرحمة سببا للّين وغيرها رقة، ولا يكادون يدخلونها مع «ما» إلا والمراد أنها سببه دون غيرها، فقد أفادت اختصاصا لم يستفد قبل دخولها.
فأما قولهم: «ما إن فى الدار زيد»، فيشبه أن يكون دخولها لفائدة تزيد على قولهم: «ما فى الدار زيد»؛ لأنهم إذا قالوا: «ما فى الدار زيد» جاز أن يريدوا أنّه لا تصرّف له فى الدار ولا تأثير لكونه فيها؛ فكأنه ليس حالّا فيها؛ لأنهم أبدا يقولون: ما فى هذه البلدة أمير؛ ولا لهذا الناس مدبّر؛ يريدون السياسة والتدبير. فإذا قالوا: «ما إن فى الدار زيد»، أو «ما إن للبلد أمير» فلا بدّ أن يريدوا: أنه ليس فيها على الحقيقة من ذكروه؛ وهذا هو معنى قول أهل العربية: إن ذلك للتأكيد؛ ومعنى التأكيد هو الّذي أشرنا إليه؛ لأنّ التأكيد لا يجوز أن يكون لغير فائدة، وأن يكون دخوله كخروجه.
فليقس على ما ذكرناه أمثلته، وليتطلّب لكل شيء ادّعى أنه لمحض التأكيد فائدة قلّت أو كثرت؛ فإنها توجد؛ وليس جهل الطالب لها بها يقتضي فقدها؛ فإن الأدلّة الواضحة قد دلّت على أنّ العرب مع حكمتهم لا يتكلّمون بما لا يفيد؛ وأنّ الكلام الّذي ما وضع فى الأصل إلا لفائدة قليله فى وجوب الفائدة ككثيره؛ فربما ظهرت هذه الفائدة لكل متدبّر،
وربما خفيت.
وأصول أهل العربية مملوءة من هذا؛ فإنّهم يتمحّلون ويتطلّبون العوامل التى لا تظهر فى تمام الكلام؛ ويقدّرون فيها التقديرات البعيدة حراسة للأصول، ونصرة لما دلّ عليه الدليل. ومن تصفّح تمحّلهم للعامل فى الحال إذا عرى الكلام كلّه من تصريح به، وتغلغلهم إلى ضعيف وقوىّ وبعيد وقريب علم أنّ الّذي سلكناه فى تخريج فوائد الحروف الزائدة الداخلة على الكلام، وظن قوم أنها للتأكيد من غير فائدة زائدة، طريق صحيح لا اعتراض عليه.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع