من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
مسألة (٥)
جرى بالحضرة السامية الوزيرية العالية العادلية المنصورة- أدام الله سلطانها، وأعلى أبدا شأنها ومكانها- فى بعض الكلام ما روى عن النبي ﵇ من قوله: «نية المؤمن خير من عمله».
فقلت: على هذا الخبر سؤال قوىّ؛ وهو أن يقال: إذا كان الفعل إنما يوصف بأنه خير من غيره إذا كان ثوابه أكثر من ثوابه؛ فكيف يجوز أن تكون النية خيرا من العمل؟ ومعلوم أن النية أخفض ثوابا من العمل؛ وأنه لا يجوز إن يلحق ثواب النية بثواب العمل؛ ولهذا قال أبو هاشم: إن العزم لا بدّ أن يكون دون المعزوم عليه فى ثواب وعقاب:
وردّ على أبى عليّ قوله: «إنّ العزم على الكفر لا بدّ أن يكون كفرا؛ والعزم على الكبير يجب أن يكون كبيرا» بأن قال له: لا يجب أن يساوى العزم المعزوم عليه فى ثواب ولا عقاب؛ فإن كان هاهنا دليل سمعىّ يدلّ على أن العزم على الكفر كفر، والعزم على الكبير كبير صرنا إليه؛ إلا أنه لا بدّ مع ذلك من أن يكون عقاب العزم دون عقاب المعزوم عليه؛ وإن اجتمعا فى الكفر والكبير.
ووقع بالحضرة السامية العادلة المنصورة- أدام الله سلطانها- من التقدير لذلك والخوض فيه كلّ دقيق غريب مستفاد؛ وهذه عادتها- حرس الله نعمتها- فى كل فن من فنون العلم والأدب؛ لأنها تنتهى من التحقيق والتدقيق إلى غاية من لا يحسن إلا ذلك الفن؛ ولا يعرف إلا بذلك النوع.
وقال بعض من حضر: قد قيل فى تأويل هذا الخبر وجهان حسنان، فقلت له:
اذكرهما؛ فربما كان الّذي عندى فيه مما استخرجته أحدهما، فقال:
يجوز أن يكون المعنى أن نية المؤمن خير من عمله العارى من نية. فقلت: لفظ
«أفعل» لا يدخل إلا بين شيئين قد اشتركا فى الصفة، وزاد أحدهما فيها على الآخر؛ ولهذا لا يقول أحد: إن العسل أحلى من الخلّ؛ ولا إن النبي ﵇ أفضل من إبليس؛ والعمل إذا عرى من نية لا خير فيه، ولا ثواب عليه؛ فكيف تفضّل النية الجميلة عليه؛ وفيها خير وثواب على كل حال.
قال: والوجه الآخر أن تكون نية المؤمن فى الجميل خير من عمله الّذي هو معصيته.
فقلت: وهذا يبطل أيضا بما بطل به الوجه الأول، لأن المعصية لا خير فيها فيفضل غيرها عليها فيه.
وقالت الحضرة السامية العادلة المنصورة- أدام الله دولتها- تحقيقا لذلك وتصديقا: هذا هجو لنية المؤمن، والكلام موضوع على مدحها وإطرائها، وأىّ فضل فى أن تكون خيرا من المعاصى، وإنما الفضل أن تكون خيرا مما فيه خير!
فسئلت حينئذ ذكر الوجه الّذي عندى فقلت: لا تحمل لفظة «خير» فى الخبر على معنى «أفعل» الّذي هو للتفضيل والترجيح وقد سقطت الشبهة، ويكون معنى الكلام: إن نية المؤمن من جملة الخير من أعماله؛ حتى لا يقدّر مقدّر أن النية لا يدخلها الخير والشر؛ كما يدخل ذلك فى الأعمال. فاستحسن هذا الوجه الّذي لا يحوج إلى التعسّف والتكلّف اللذين يحتاج إليهما إذا جعلنا لفظة «خير» معناها معنى «أفعل»؛ وانقطع الكلام لدخول الوقت السّعيد المختار لدخول البلد ونهوض الحضرة السامية- أدام الله سلطانها- للركوب.
وكان فى نفسى أن أذكر شواهد لهذا الوجه ولواحق يقتضيها الكلام، وخطر بعد ذلك ببالى وجهان سليمان من الطّعن إذا حملنا لفظة الخير فى الخبر على الترجيح والتفضيل؛ وأنا أذكر ذلك:
أمّا شاهد ما استخرجته من التأويل من حمل لفظة «خير» على غير معنى التفضيل والترجيح فكثير؛ وقد ذكرت فى كتابى المعروف «بالغرر» عند كلامى فى قوله تعالى:
وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا؛ من الكلام على هذا الوجه ما استوفيته، وذكرت قول المتنبى:
ابعد بعدت بياضا لا بياض لهلأنت أسود فى عينى من الظّلم
وأن الألوان لا يتعجب منها بلفظ «أفعل» الموضوع للمبالغة، وكذلك الخلق كلها؛ وإنما يقال: ما أشدّ سواده! وأن معنى البيت ما ذكره أبو الفتح عثمان بن جنّى من أنه أراد:
أنّك أسود من جملة الظّلم؛ كما يقال: حرّ من أحرارا، ولئيم من لئام؛ فيكون الكلام قد تمّ عند قوله: «لأنت أسود». ولو أراد المبالغة لما كان تامّا إلا عند صلة الكلام بقوله: «من الظّلم»؛ واستشهد ابن جنّى أيضا على صحة هذا التأويل بقول الشاعر:
وأبيض من ماء الحديد كأنّهشهاب بدا واللّيل داج عساكره
كأنه قال: وأبيض كامن من ماء الحديد.
وقلت أنا: قول الشاعر:
يا ليتنى مثلك فى البياضأبيض من أخت بنى إباض
يمكن حمله على ما حملناه عليه ببيت المتنبى؛ كأنه قال: أبيض من جملة أخت بنى إباض ومن عشيرتها وقومها، ولم يرد المبالغة والتفضيل؛ وهو أحسن من قول أبى العباس المبرّد لما أنشد هذا البيت وضاق ذرعا بتأويله على ما يطابق الأصول الصحيحة أنّ ذلك محمول على الشّذوذ والنّدران.
فإن قيل: كيف تكون نية المؤمن من جملة أعماله على هذا التأويل، والنية لا تسمى عملا فى العرف، وإنما تسمى بالأعمال أفعال الجوارح؛ ولهذا لا يقولون: عملت بقلبى، كما يقولون: عملت بيدى، ولا يصفون أفعال الله تعالى بأنها أعمال؟
قلنا: ليس يمتنع أن تسمى أفعال القلوب بأنها أعمال، وإن قل استعمال ذلك فيها، ألا ترى
أنهم لا يكادون يقولون: فعلت بقلبى؛ كما يقولون: فعلت بجوارحى؛ وإن كانت أفعال القلوب تستحق التسمية بالفعل حقيقة بلا خلاف؛ ولكن لا تسمى أفعال الله تعالى بأنها أعمال؛ لأن هذه اللفظة تختصّ بالفعل الواقع عن قدرة، والقديم تعالى قادر لنفسه؛ كما لا نصفه تعالى بأنه مكتسب لاختصاص هذه اللفظة بمن فعل لجرّ نفع، أو دفع ضرر.
ولو سلّمنا أن اسم العمل يختص بأفعال الجوارح جاز أن يطلق ذلك على النية مجازا واستعارة؛ فباب التجوّز أوسع
من ذلك.
وأما الوجهان اللّذان خطرا ببالى إذا قدرنا أن لفظة «خير» فى الخبر محمولة على الفاضلة؛ فأحدهما أن يكون المراد: نية المؤمن مع عمله خير من عمله العارى من نيّة؛ وهذا مما لا شبهة أنه كذلك.
والوجه الثانى أن يريد: نيّة المؤمن لبعض أعماله قد تكون خيرا من عمل آخر له لا تتناوله هذه النية؛ وهذا صحيح لأن النية لا تجوز أن تكون خيرا من عملها نفسها. وغير منكر أن تكون نيّة بعض الأعمال الشاقة العظيمة الثواب أفضل من عمل آخر ثوابه دون ثوابها؛ حتى لا يظنّ ظان أن ثواب النية لا تجوز أن يساوى أو يزيد على ثواب بعض الأعمال.
وهذان الوجهان فيهما على كل حال ترك لظاهر الخبر لإدخال زيادة ليست فى الظاهر؛ والتأويل الأول إذا حملنا لفظة «خير» على خلاف المبالغة والتفضيل مطابق للظاهر؛ وغير مخالف له؛ وفى هذا كفاية بمشيئة الله.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع