من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
مسألة (٧)
وسأل غير الأول من الإخوان عن قوله تعالى فى سورة يس: لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ؛.
قال:
إذا كانت آباؤهم لم ينذروا فبأىّ شيء يحتجّ عليهم! وكيف يعاقبهم على عبادة الأصنام وقد قال تعالى: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا؛! وكيف يصحّ أن تخلو أمة من الأمم من نذير، مع قوله تعالى: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ؛ وقوله تعالى: وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ وقد علم أنّهم كانوا أمما لا يحصيها كثرة غيره تعالى، وقرى كثيرة؛ فكيف هذا! وأىّ شيء المراد به ومعلوم أنّ كلامه تعالى لا يتناقض!
قال: فإن قال: إن «ما» التى فى الأمة المتقدمة ليست للنفى بل هى للإثبات، والمعنى فيها: مثل ما أنذر آباؤهم، أو بمعنى الّذي أنذر آباؤهم، أو زائدة؛ لأن الكلام يتم من دونها؛ لتنذر قوما أنذر آباؤهم.
قال: والجواب عن ذلك أنّ هذا تأويل يفسد، من قبل أنّ المعلوم الّذي لا شك فيه ولا إشكال أنّ الله تعالى لم يبعث نبيّا بعد عيسى ﵇ إلا المبعوث على فترة من الرسل صلى الله عليه؛ لأجل ذلك وصفهم بالغفلة لمّا لم ينذر آباؤهم؛ فثبت بهذا أن «ما» التى فى الآية المتقدمة للنفى دون الإثبات، وأن الأخذ بالمعلوم أولى من المظنون.
قال: فإن قيل إن عيسى ﵇ قد كان بعث إليهم، وشاعت شريعته فيهم، وانتشرت كلمته، وسار الحواريون بدعوته شرقا وغربا، سهلا وجبلا.
قال: فالجواب عن ذلك إذا سلّمنا أن عيسى ﵇ بعث إليهم فإنّ الفترة إنما كانت بينه وبين محمد صلى الله عليه وآله، وأن الحواريين لم يمكثوا بعده إلا قليلا، وأنّ الآباء المذكورين بأنهم لم ينذروا هم الأدنون دون الأبعدين.
ولقائل أن يقول: إن عيسى ﵇ لم يبعث إلا إلى بنى إسرائيل خاصة دون العرب؛ وبذلك نطق القرآن. وله أن يقول: إن الآباء الأبعدين والأدنين فى الآية سواء. والّذي يؤيد ذلك قوله تعالى: قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ ...؛؛ الآية إلى آخرها، وقد صحّ بالجملة والتفصيل أنّ الآباء لم ينذروا، وأن «ما» للنفى فى موضعها من الآية دون الإثبات؛ فكيف القول فى الحجة عليهم؟ ولا يحتج محتج بأن العقل هو الحجة عليهم دون الإنذار والرسل؛ لأن العقل حجّة على من أنذر وعلى من لم ينذر؛ وعليه معوّل الفلاسفة فى الاستغناء عن الرسل والأنبياء ﵈.
الجواب عن المسألة أن الأولى: أن يكون اسم الله تعالى الأعظم خارجا عن هذه الأسماء والصفات التى فى أيدى الناس يناجون الله تعالى بها، ويدعونه ويسألونه؛ لأنّ ذلك الاسم لو كان من جملتها- وقد أجمعوا على أنّ الله تعالى لم يسأل به شيئا إلا أعطاه- لكان يجب فى كل داع بهذه الأسماء والصفات إذا كان الاسم من جملتها أن تجاب دعوته، وتنجح مسألته، وقد علمنا خلاف ذلك، وأنّ أكثر الداعين بهذه الأسماء المسطورة غير مجابين؛ فعلمنا أنّ «الأعظم» ليس من جملتها.
فإذا قيل لنا: فلم خصّ الله تعالى بهذا الاسم قوما دون قوم، ولم يجره مجرى سائر أسمائه؟
فالجواب أنه تابع للمصلحة، وإذا كان المعلوم أن كلّ سائل بذلك الاسم مجاب لا محالة، فمن علم أنّ فى إجابته مفسدة لا يجوز أن يمكّن من ذلك الاسم.
فإذا قيل: فينبغى لمن يسأله تعالى، وقال: بحقّ اسمك الأعظم، اعطنى كذا أن يجاب لا محالة؛ وقد علمنا خلاف ذلك؟ فالجواب أنه غير ممتنع أن تكون الإجابة إنما تكون واجبة عند التصريح والتلفّظ بهذا الاسم دون الكناية عنه.
فأما تسميته بأنّه أعظم، وأن ذلك يقتضي أن يكون من أسمائه ما ليس بأعظم؛ فالجواب عنه من وجهين:
أحدهما أن تكون لفظة «أفعل» هنا راجعة إلى باقى أسمائه؛ والوجه الآخر أن ترجع إلى أسماء وصفات غيره.
وبيان الوجه الأول أن معنى «أعظم» هو اختصاصه بفضيلة أن الدّعاء به مجاب، وهذه المزية ليست فى باقى الأسماء؛ فكأنه أعظم منها لاختصاصه برتبة عالية ليست لباقيها.
وأما الوجه الثانى فيكون المعنى أنه أعظم بالإضافة إلى أسمائكم وصفاتكم؛ لأنه ليس لشيء من صفاتنا هذه المزية؛ ولم تجعل هذه المزية لأجل فقد المشاركة فى المعنى؛ فيلزم عليه إله وقديم ورحمن؛ على ما مضى فى السؤال؛ بل لأن الله تعالى خصّ هذا الاسم بهذه المزية لما علم من المصلحة.
فأما إلزامنا أن يكون فى أسمائه تعالى ما هو أصغر فلا يلزم على الجواب الثانى؛ فإذا ألزمنا ذلك على الجواب الأول قلنا: إذا كان قولنا «أعظم» بالإضافة إلى أسمائه تعالى معناه أن له هذه المزية والرتبة، فلا محالة أنه يجب فيما ليس له هذه المزية من أسمائه ألّا يكون الأعظم.
ولا يجوز أن نقول: أصغر وأحقر وما يجرى مجرى ذلك؛ لأنه يوهم المهانة؛ وما لا تجوز فى شيء من أسمائه.
وأما قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها فإنما سمّاها كلها الحسنى؛ وليس يمتنع أن يكون فيما هو حسن تفاضل وتزايد، وكذلك قوله تعالى: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا معناه التخيير لنا بين أن ندعوه بأىّ الاسمين شئنا؛ وما يمضى فى ألفاظ الدعاء من أنى أسألك باسمك الأكبر تارة؛ وأخرى بالأعظم، والأشبه أن يراد باللّفظتين معنى واحد.
وأ ما تكرير لفظ «الأعظم» فهو على سبيل التأكيد والتفخيم؛ لا لأن «الأعظم» مرة واحدة غير «الأعظم» مرتين، وبالله التوفيق.
والجواب عن المسألة الثانية أنه غير ممتنع عندنا أن يخلو الزمان الطويل والقصير من رسول مبعوث بشريعة؛ وإن كان لا يخلو من إمام؛ ولهذا يقول أصحابنا: إن الإمامة واجبة فى كلّ زمان؛ وليست كذلك النبوة.
والوجه فيه أنّ إرسال الرسول تابع لما يعلمه الله من المصالح للمكلّفين فى الشرائع والعبادات؛ وغير بعيد فى العقل أن يعلم تعالى أنّه لا شيء من الشرائع فيه مصلحة للمكلّفين؛ فلا تجب الرّسالة بل لا تحسن. فأما قوله تعالى: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا، وقوله: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ وقوله: وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ؛ فيجوز أن يكون مخصوصا غير عام؛ ويعنى به من الشرائع والعبادات من ألطافه؛ فإن دلّ دليل قاطع على عموم هذه الظواهر قطعنا لأجله على أن الشرائع من ألطاف المكلّفين؛ وإن كان جائزا فى العقل ألّا يكون الأمر على ذلك.
وقد اختلف أهل التأويل فى تأويل هذه الآية، فقال جماعة: إن لفظة «ما» هاهنا للنفى، والمراد أن آباءهم ما أنذروا، لأنّ المصلحة لم تقتض بعثة رسول إليهم؛ وليس من المعلوم لنا أنّ عيسى ﵇ كان الحجة على كلّ مكلّف كان بين زمانه وبين زمان نبيّنا ﵇.
ويقوّى هذا الجواب إثبات الفترة وأنّه ﵇ بعث على فترة من الرسل.
وذهب قوم من أهل التأويل إلى أن «ما» فى الآية ليست للنّفى بل للإثبات؛ والمراد:
لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم؛ وهذا أيضا جائز.
ويقوّى هذا الجواب ويضعف الأول أن قوله تعالى: فَهُمْ غافِلُونَ يقتضي الذمّ لهم بالغفلة؛ وذلك يقتضي أنهم أنذروا فغفلوا وأعرضوا. ولا يذمّ بالغفلة من لا سبيل له إلى العلم والتبين.
وفى الناس من حمل قوله تعالى: ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ على النفى، والمراد أنه لم ينذرهم من هو منهم وعلى نسبهم ومن أنفسهم؛ كما قال تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ
أَنْفُسِكُمْ؛ فيكون تلخيص الكلام: لتنذر قوما أنت منهم ما أنذر آباءهم من هو منهم؛ أى من قومهم ومن أنفسهم.
ويمكن فى لفظة «ما» وجه آخر وهو أن يراد بها التنكير؛ كأنه قال: لِتُنْذِرَ قَوْماً ما وتقف، ثم تبتدئ فتقول: أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ؛ كما يقول القائل: أكلت طعاما ما، ولقيت جماعة ما، ويكون الغرض التنكير والإجمال؛ وليست لفظة «ما» هاهنا زائدة؛ لأن حدّ الزائد أن يكون دخوله فى عدم الفائدة كخروجه؛ وهى هاهنا مفيدة على ما بيّناه.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع