من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
مسألة (٨)
فى الاعتراض على أن من استدلّ بدليل السّحارة على أن العالم ملاء، وما أبطل به ذلك
اعلم أنّ فكرت فيما أجاب به أبو هاشم من يقول: إن العالم ملاء، إذا استدل بالآلة التى تسمّى السّحارة على ذلك؛ وادّعى أن علّة وقوف الماء عن النزول من الثّقب الصغار التى فى أسفلها إذا سددنا رأسها هو منع الهواء بسدّ الرأس من أن يحدث فى مكان الماء. وقول أبى هاشم:
إن العلة فى وقوف الماء عن السيلان إذا سددنا رأس السّحارة بالإصبع أن الهواء يمنع الماء من النزول لضعف ما يخرج من الماء فى الثّقب الصغار؛ فإذا فتحنا الرأس دفع الهواء الماء من أعلى السحارة فقوى الماء على النزول؛ فوجدته غير واضح، لأن الماء فيه اعتمادات سفلا وثقل ونفس الهواء على مذهبنا- وهو الصحيح- لا اعتماد فيه
البتة؛ فكيف تمنع ما لا اعتماد فيه للجسم الّذي فيه اعتماد سفلا عن الهبوط والنزول! وإذا كان الهواء هو المانع من نزول الماء من الثّقب الصغار- ومن مذهب أبى هاشم جواز خلوّ الأماكن من الهواء- فكان يجب أن يجوّز أن يسيل الماء من أسفل السحارة مع سدّ أعلاها بالإصبع؛ بأن يصادف ذلك مكانا خاليا من الهواء الّذي يدّعى أنه مانع من نزول الماء.
فأما تقويته لذلك بذكر الريشة، وأنها تقف فى الهواء فلا تنزل؛ لأن الهواء يمنعها من الهبوط، فأوّل ما فيه أن الريش لخفّته ربما أبطأ نزوله؛ فظنّ أنه واقف؛ وربما كان فى الهواء اعتمادات مختلفة صعدا، فتمنع هذه الاعتمادات التى هى فى خلاف جهة اعتمادات الريشة من النزول.
فأما إذا كانت الريشة فى هواء ساكن لا اعتماد فيه فإن الهواء لا يجوز أن يمنعها من الهبوط.
ومن أطرف الأمور قوله: إن الهواء إذا فتحنا عن رأس السحارة يدافع الماء، ويكون
سببا لنزوله من الثقوب؛ لأن الهواء على مذاهبنا لا اعتمادات فيه، فكيف يدافع الماء! ومن قال من الفلاسفة: إن فيه اعتمادات صعدا لا يليق دفع الماء بقوله، لأن تلك الاعتمادات فى غير جهة اعتماد الماء. وأىّ عاقل يخفى عليه أن الهواء الساكن المعتدل لا يجوز أن يدفع الماء من رأس السحّارة!
وبعد، فمع القول بجواز خلوّ الأماكن من الهواء؛ والقطع على ذلك فى بعض الأحوال قد كان يجب أن يجوز أن يفتح رأس السحّارة، ولا يسيل الماء من الثّقب من أسفلها؛ لأن الهواء الّذي ادّعى أنه يدافع الماء من رأسها مفقود.
والّذي يدعيه أبو هاشم من أن السحّارة لو ملئت زئبقا وسدّ رأسها لنزل من الثقوب الصّغار؛ وقوله: إنما كان كذلك لثقل الزّئبق، وأنّ الهواء الّذي يلاقى من تحتها الثقوب الصغار لا يقوى على منعه من النزول؛ كما لا يتم ذلك فى الماء موقوف على التّجربة.
فأما ما جرّبناه فنتكلّم على العلة المفرّقة بين الزّئبق والماء؛ والّذي يجب أن يعتمد فى نقض الاستدلال من القائلين بذلك فى الماء والسحارة أن يقال لهم: ما أنكرتم أن يكون الله تعالى أجرى العادة بأن يفعل فى الماء السكون والوقوف مع سدّ رأسها، فلا ينزل من أسفلها، وإذا فتحنا رأسها لم يفعل ذلك السكون فيجرى الماء منها من الثقوب.
وليس ينبغى أن ينكر أصحابنا خاصّة أن يكون هذا بالعادة؛ ونحن كلّنا نقول: إن انجذاب الحديد إلى حجر
المغناطيس إنما هو بالعادة؛ وإلا فالمغناطيس وسائر الأحجار سواء.
وإن بالعادة وقع الشّبع عند تناول الخبز واللحم، وارتفع عند غيرهما، والجنس واحد وما تقوّل جماعتنا إنه بالعادة أكثر من أن يحصى.
وإذا أنكر الفلاسفة الملحدون تعليقنا ذلك بالعادة لجحدهم الصانع؛ دللناهم على الأصل الّذي لمّا جهلوه ضعف ما نقوله فى نفوسهم، فبثبوته يسهل ذلك كلّه.
فإذا قيل لنا: فما طريقه العادة يجوز فيه الاختلاف؛ فجوّزوا أن تكون السحارة فى بعض البلاد التى لا تتصل بنا أخبارها يسيل الماء من أسفلها مع سدّ رأسها، ولا يسيل مع فتحها.
قلنا: نحن نجوّز ذلك، ولا نمنع أن تختلف العادة فيه؛ كما لا نمنع أن يستمرّ فى كلّ بلد؛ وعند كل أحد، ولا يخرج هذا الحكم مع استمراره من أن يكون مستندا إلى العادة؛ ألا ترى أنّ القاطعين على وقوع العلم الضرورى بمخبر الأخبار إذا كان العدد زائدا على أربعة مع استيفاء باقى الشروط لا يجوّزون أن تختلف العادات فى ذلك؛ بل يقطعون على أنّ العادة مستمرة بذلك فى كل موضع.
فإذا قيل له: كيف يتميّز ذلك وهو معتاد مع الاستمرار من الوجوب؟
قال: فإن المستند إلى العادة لا بدّ من أن يختلف على بعض الوجوه؛ ليفارق بذلك الاختلاف الواجب؛ ويتميّز عنه. والخبر الّذي يجب عنده حصول العلم الضرورىّ قد يقع مثله ومن جنسه؛ مع اختلاف بعض هذه الشروط؛ فلا يجب العلم. فلو كان هناك إيجاب لوجب العلم على كل حال، وهذا بعينه قائم فى السحّارة؛ لأنّ الثقوب لو وسّعت لسال الماء على كل حال، ولو كانت هناك طبيعة موجبة لوقوف الماء لم تختلف الحال على بعض الوجوه.
وبعد، فإن علّة أبى هاشم فى وقوف الماء من السحارة عن السيلان- وإن كنّا قد بيّنا بطلانها- لا نجدها فى القدح المعروف بقدح العدل؛ وهو قدح فى وسطه بربخ [مجوّف يبلغ ارتفاعا إلى قريب من أعلاه، وهذا البربخ] نافذ من جهة أسفله، وعلى رأس هذا البربخ فى وسط القدح كالغشاء يحيط به من جوانبه على تجاف عنه؛ وهو من أعلاه مسدود، ومن أسفله مفروج، فإذا طرحنا فى هذا القدح ماء فهو ثابت؛ حتى يبلغ إلى محاذاة رأس البربخ، فإذا زاد عليها ولو باليسير خرج جميع الماء من القدح بأن يصعد من أسفل القدح إلى رأس البربخ حتى ينزل جميعه.
وأصحاب الملاء يدّعون أن العلّة فى صعود الماء إلى فوق رأس ذلك من شأنه هو اضطرار الخلاء؛ وحتى لا يخلو مكان من متمكّن فيه، فما العلّة فى صعود الماء ثم هبوطه على مذهب أبى هاشم؟ وما يعلّل فى السحارة لا يتأتى هاهنا؛ وليس بعد ذلك إلا إسناده إلى العادة، وجريها.
والله ولىّ التوفيق.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع