تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

مسألة (٢٦)

ما ورد فى القرآن من معاتبات الرسول ﵇ مع عصمته وطهارته، وكونه الحجة على الخلق أجمعين.

الجواب، أنه إذا ثبت بالدليل عصمة الأنبياء ﵈ فكلّ ما ورد فى القرآن مما له ظاهر ينافى العصمة، ويقتضي وقوع الخطأ منهم؛ فلا بدّ من صرف الكلام عن ظاهره، وحمله على ما يليق بأدلة العقول؛ لأن الكلام يدخله الحقيقة والمجاز، ويعدل المتكلم به عن ظاهره.

وأدلة العقول لا يصح فيها ذلك، ألا ترى أن القرآن قد ورد بما لا يجوز على الله تعالى من الحركة والانتقال، كقوله تعالى: وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا، وقوله تعالى:

هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ؛، ولا بدّ مع وضوح الأدلة على أن الله تعالى ليس بجسم، واستحالة الانتقال عليه، الّذي لا يجوز إلا على الأجسام من تأوّل هذه الظواهر والعدول عما يقتضيه صريح ألفاظها؛ قرب التأويل أو بعد.

ولو جهلنا العلم بالتأويل جملة لم يضرّ ذلك مع التمسك بالأدلة؛ وكان غاية ما فيه ألّا نعلم قصد المتكلم بما أطلقه من كلامه؛ ونعلم إذا كان حكيما أنّ له غرضا صحيحا.

على أن ظواهر الآيات التى خوطب بها النبىّ ﵇ مما ظاهره كالعتاب؛ منها المقصود به أمته، والخطاب متوجّه إليه؛ ولهذا روى عن ابن عباس أنه قال: نزل القرآن بإياك أعنى واسمعى يا جارة. ويشهد بذلك قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ؛ فخاطب النبىّ ﵇، والمراد بذلك جميع الأمة.

ومنها ما يظن أنه عتاب وليس كذلك؛ بل هو تعليم وتأديب؛ ولا محالة أن تأديب النبىّ ﵇ كان صادرا عن الله تعالى.

والمواعظ له ترادفت فى كل وقت؛ والشروع فى ذكر الآيات والتنبيه على المراد بها يطول؛

غير أن جملة الكلام ما ذكرناه؛ ونذكر بعض ذلك لنبيّن أنّ الكلام فى الجميع على هذا المنهاج.

فمن الآيات قوله تعالى: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ؛. وكقوله تعالى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ؛؛ وكقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ؛. وقوله تعالى: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ؛؛ إلى مثال هذه الآى.

أما قوله تعالى: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ فالقصة فيه مشهورة؛ وهى أنّ العرب كانت تحرّم على نفوسهم نكاح

زوجة من استضافوه إلى نفوسهم بالبنوّة وادّعوه؛ كما يحرّمون أزواج الأبناء فى الحقيقة؛ فلما أراد الله تعالى نسخ ذلك لما علم فيه من المصلحة، أعلم نبيّه قبل طلاق زيد بن حارثة- الّذي كان النبىّ ﵇ تبناه- زينب بنت جحش زوجته، وأمره بتزويجها إذا فارقها؛ فلما خاصم زيد زوجته عازما على طلاقها، وعظه النبىّ ﵇، وكفّه عن ذلك إشفاقا من شكوته عنه؛ مع ما عزم عليه من نكاحها أن يرجف عليه المنافقون؛ ويضيفوا إليه ما قد نزّهه الله تعالى منه عند إخفاء عزمه على تزويجها بعد فراق زيد لها؛ لينته إلى أمر الله تعالى فى ذلك؛ يشهد بصحة ما ذكرناه قوله تعالى: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً.

فإن قيل: فالعتاب حاصل؛ لأنه كان ينبغى أن يظهر ما أضمره، ويخشى الله ولا يخشى الناس.

الجواب عن ذلك أنّ إخبار الله تعالى أنه أخفى ما الله مبديه هو خبر محض؛ لا يتعلّق به ذم.

وقوله تعالى: وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ، فالشبهة به أيضا ضعيفة؛

لأنه خبّر أنه خشى الناس، والله أحقّ بالخشية، ولم يخبر أنه لم يفعل الأحقّ وعدل إلى الأدون؛ فمن أين حصول العتاب مع الّذي بيّنّاه!

على أن غاية الاقتراح فى هذا أنّه ﵇ فعل ما غيره أولى منه؛ وليس يكون بترك الأولى عاصيا؛ وإنما يكون تاركا للأفضل. والوجه فى تركه العذر الّذي بينا.

وأما قوله تعالى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ فالعتاب فى الحقيقة متوجّه إلى سواه؛ لأنّ الله تعالى قد صرّح بذلك فى تمام الآية بقوله: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ، وقوله: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. والقصة فى هذه الآية أيضا مشهورة؛ وإنما أضاف الأسرى إلى نبيه ﵇ بقوله: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى، وإن كان المراد بالخطاب من أسر؛ لأنهم أسروهم، ليكونوا فى يده ﵇؛ فهم فى الحقيقة أسراؤه ومضافون إليه؛ وإن لم يأمره بأسرهم.

فأما قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ إذا تؤمّل فى الحقيقة لم يكن فيه عتاب؛ وإنما هو توجّع له ﵇؛ يدلّ على ذلك أن تحريم الرجل زوجته أو طلاقه إياها، أو اعتزاله بعض إمائه ليس بقبيح؛ بل هو مباح، وما هو بهذه الصفة لا يستحق الفاعل له عتابا؛ فلما فعل النبىّ ﵇ ذلك لمرضاة بعض أزواجه، وأدخل المشقة على نفسه بفعله قال الله تعالى له: لم فعلت ذاك؟ وألّا أمسكتها على ما كنت عليه؟ ولم تبتغى مرضاة أزواجك بإدخال المشقة على نفسك؟

هذا هو الظاهر؛ وإذا نزل على اقتراح الخصم فى هذه الآية كان النبىّ ﵇ قد عدل عن الأولى؛ فكان الإمساك وترك التحريم أفضل، وله أن يحرّم.

ويجرى قوله تعالى له ما قال مجرى قول الواحد منّا لغيره: لم تركت صلاة الليل؟ ولم

تترك صيام ثلاثة أيام فى كل شهر؟ وإن كان بترك ذلك لم يفعل قبيحا؛ بل أخلّ بمندوب إليه، وما غيره أولى.

فأما قوله تعالى: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ فليس يقتضي معصية؛ وذاك أن المقصد فى الغالب بمثل هذا الخطاب التعظيم للمخاطب واستيضاح ما عنده فيما فعله؛ ألا ترى أن الواحد منّا يقول لغيره: لم كان كذا وكذا، رحمك الله وغفر لك! وهو لا يقصد إلّا الملاطفة له، وحسن المحاورة؛ ولا يقصد الاستصفاح له عن زلة؛ وإنما الغرض الإجمال فى الخطاب. وقد صار ذلك عرفا بين الناس؛ والمقصد به التوقير والإجلال.

فأمّا قوله: لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ فليس يجب حمله على العتاب؛ لأن هذه اللفظة ليست موضوعة لذلك خاصة؛ بل قد تطلق ويراد بها الاستفهام، وتارة يراد بها التقرير، وتارة العتاب؛ وهى محتملة لجميع المذكور فلم نحملها فى حق النبىّ ﵇ على العتاب دون بقية الأقسام! وغاية ما فى ذلك حمله على ترك الأولى حسب ما تقدم فى الآيات.

واستقصاء ذلك وذكر ما فى الآيات يطول؛ ويكفى فى التنبيه على الآى الباقية ما ذكرناه.

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من تكملة أمالى المرتضى

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.