تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

مسألة (٢٤)

سئل رضى الله عنه عن الخبر المنسوب إلى الصادق ﵇ من أنه قال: «لقد آخى رسول الله ﵌ بين سلمان وأبى ذرّ، ولو اطّلع أبو ذرّ على ما فى قلب سلمان لقتله». وكيف يجوز أن يؤاخى النبىّ ﵇ بين رجلين، يستحلّ أحدهما إذا اطّلع على ما فى قلب الآخر دمه! وما القول فيمن تأوّل هذا القول وهو «قتله» على أن الهاء راجعة على ما فى قلبه، وأراد: لقتله علما؟ وهل ذلك تأويل جائز أم لا؟ وما القول أيضا فيمن تأوله على غير هذا الوجه فقال: إنّ معنى قوله: «لقتله»؛ أى لكدّ فكره وخاطره كدّا يجهده، وأنه عبّر بالقتل هاهنا على سبيل المبالغة فى تعبيره عن شدة المبالغة والمشقة؛ كما يقول القائل: قتلنى انتظار فلان، ومتّ إلى أن رأيتك، وإلى أن تخلّصت من الشدة التى كنت فيها عدة دفعات؛ وهو يريد الإخبار عن شدة الكلفة والمشقة والمبالغة فى وصفها.

الجواب، وبالله التوفيق؛ إنّ هذا الخبر إذا كان من أخبار الآحاد التى لا توجب علما ولا تثلج صدرا، وكان له ظاهر ينافى المعلوم المقطوع به تأوّلنا ظاهره على ما يطابق الحق ويوافقه إن كان ذلك سهلا، وإلا فالواجب اطراحه وإبطاله. وإذا كان من المعلوم الّذي لا يحيل سلامة سريرة كل واحد من سلمان وأبى ذرّ، ونقاء صدر كل واحد منهما لصاحبه، وأنهما ما كانا من المدغلين فى الدين، ولا المنافقين فلا يجوز مع هذا المعلوم أن يعتقد أنّ الرسول

﵇ يشهد بأن كل واحد منهما لو اطلع على ما فى قلب صاحبه لقتله على سبيل الاستحلال لدمه، ويعلم أنه إن كان قال ذاك فله تأويل غير هذا الظاهر الّذي لا يليق بهما.

ومن أجود ما قيل فى تأويله أن الهاء فى قوله: «لقتله» راجعة إلى المطّلع لا إلى المطّلع عليه؛ كأنه أراد: أنه إذا اطّلع على ما فى قلبه، وعلم موافقة باطنه لظاهره، وشدة إخلاصه له اشتد ضنّه ومحبته له، وتمسّكه بمودته ونصرته، فقتله ذلك الضنّ والودّ، بمعنى أنه كاد يقتله،.

كما يقولون: فلان يهوى غيره، وتشتد محبته له حتى إنه قد قتله حبه وأتلف نفسه، وما جرى

مجرى هذا من الألفاظ وتكون فائدة هذا الخبر حسن الثناء من النبىّ ﵇ على الرجلين، وأنه آخى بينهما وباطنهما كظاهرهما، وسرّهما فى النقاء والصفاء كعلانيتهما؛ حتى لو أنّ أحدهما اطّلع على ما فى قلب الآخر لأعجب به، وكاد يقتله محبة له، وضنّا به؛ وهذا أشبه بمنزلة الرجلين فى نفوسهما وعند النبي ﵇، وأليق بأن يكون مدحا وتقريظا؛ وذلك الوجه الآخر يقتضي غاية الذم ونهاية الوصف بالنفاق، وسوء الدخيلة لأن من يظهر جميلا- ولو اطّلع على باطنه لاستحلّ دمه- هو عين المنافق المداهن.

فأما تأويل هذه اللفظة وحملها على العلم فغير مرضىّ، لأن المطلع على ما فى قلب غيره لا يكون إلا عالما بما اطّلع عليه. وأىّ معنى للفظة «قتله» فى هذا الموضع! وهل ذلك إلا تكرير؛ ومما لا فائدة فيه!

فأما حمله على أنه كدّ خاطره، وقسّم فكره فكاد يقتله فممّا المسألة عنه قائمة. ولم يكون مثل كل واحد من هذين الرجلين متى اطّلع على قلب صاحبه كدّ خاطره وأتعب قلبه، حتى كاد يقتله، لولا أنه يطّلع على سوء ومكر! وهذا هو النفاق الّذي ننزّه الرجلين عنه؛ ولا يليق بهما، ولا بالنبى ﵇ أن يصفهما به.

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من تكملة أمالى المرتضى

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.