تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

مسألة (١٨)

إن سأل سائل عن قوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ؛.

هذه الآية تشاغل المفسّرون بإيضاح الوجوه فى التكرار الّذي تضمّنته؛ وظنوا أنه المشكل منها، وتركوا ما هو أشدّ إشكالا من التكرار؛ وهو أنه تعالى نفى الجناح عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيما يطعمونه بشرط الاتقاء والإيمان وعمل الصالحات. وإذا أريد بالاتقاء تجنّب القبائح والمحارم، كان ذلك شرطا صحيحا فى نفى الجناح؛ إلا أنّ الإيمان وعمل الصالحات ليس بشرط فى نفى الجناح على وجه ولا سبب؛ لأن من جانب القبيح المحظور عليه لم يكن عليه جناح فيما يطعمه، وإن لم يكن مؤمنا، ولا ممن عمل الصالحات، ألا ترى أن المباح إذا وقع من الكافر لا إثم عليه ولا وزر! ووقوعه منه مع كفره فى نفى الإثم كوقوعه من المؤمنين.

والإشكال إنما هو فى اشتراط الإيمان وعمل الصالحات؛ وليس لذلك تأثير معقول فى نفى الجناح.

ونحن نبين ما يحل هذه الشبهة القوية، ونتكلم على التكرار، ولنا فى ذلك طريقان: أحدهما أن نضم إلى المشروط المصرّح بذكره غيره حتى يظهر تأثير ما ذكره من الشروط. أو نجعل ما ولى الاتقاء من الإيمان، وعمل الصالحات ليس بشرط حقيقىّ وإن كان معطوفا على الشرط، وكل ذلك جائز إذا قاد الدليل إليه، وأحوج إلى التعويل عليه.

أما الوجه الأول فبيانه أن يكون تقدير الكلام: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا وغيره إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات، لأن الشرط فى نفى الجناح لا بدّ أن يكون له تأثير؛ حتى يكون متى انتفى ثبت الجناح. وقد علمنا أنّ باتّقاء المحارم ينتفى الجناح فيما يطعم، فهو الشرط الّذي لا زيادة عليه. ولما ولى ذكر الاتقاء الإيمان وعمل الصالحات ولا تأثير لهما فى نفى الجناح- وجب أن نقدّر هناك ما تؤثّر هذه الأفعال فى نفى الجناح

عنه، فأشرنا إلى إضمار ما تقدم ذكره حتى يصحّ الشرط، ويطابق المشروط، لأن من اتقى الحرام فيما يطعم لا جناح عليه فيما يطعم؛ لكنه قد يصح أن يثبت عليه الجناح فيما أخلّ به من واجب، وضيّعه من فرض، فإذا شرطنا أنه مع اتقاء القبيح ممّن آمن بالله وبما أوجب عليه الإيمان به، وعمل الصالحات ارتفع الجناح عنه من كلّ وجه.

وليس بمنكر حذف ما قدرناه لدلالة الكلام عليه، فمن عادتهم أن يحذفوا ما يجرى هذا المجرى، وتكون قوة الدّلالة عليه وسوقها إليه مغنيين عن النطق به. وفى القرآن وفصيح كلام العرب وأشعارها أمثلة كثيرة لذلك لا تحصى، فمنه قوله تعالى: وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ؛ فقد ذكر فى الآية وجوه؛ من أوضحها أنه تعالى أراد: آتينا موسى الكتاب ومحمدا الفرقان، لأنه لما عطف الفرقان على الكتاب الّذي أوتيه موسى ﵇،

وعلمنا أنه لا يليق به- لأن الفرقان ليس مما أوتيه موسى ﵇ وجب أن نقدّر ما يطابق ذلك.

ومثله قول الشاعر:

تراه كأنّ الله يجدع أنفهوعينيه إن مولاه بات له وفر
للشاعر علقمة الفحل، من قصيدة «ومولى كمولى الزبرقان دملته»

لما كان الجدع لا يليق بالعين- وإن كانت معطوفة على الأنف الّذي يليق به الجدع- أضمرنا ما يليق بالعين، وهو البخص وما يجرى مجراه.

ومثله:

يا ليت زوجك قد غدامتقلّدا سيفا ورمحا
للشاعر عبد الله بن الزبعرى، اقرأ القصيدة

ومثله:

علفتها تبنا وماء باردا

والإضمار مع قوة الدّلالة أحسن من الإظهار، وأدخل فى البلاغة والفصاحة.

وأما بيان الوجه الثانى فهو أنا نعدل عن ظاهر الشرط فيما ولى الاتقاء؛ من ذكر الإيمان وعمل الصالحات، ونجعله ليس بشرط وإن كان معطوفا على شرط، لأن العدول عن الظاهر بالأدلّة القاهرة واجب لازم مستعمل فى أكثر القرآن؛ فكأنه تعالى لما أراد أن يبيّن وجوب الإيمان وعمل الصالحات وتأكّد لزومه، عطفه على ما هو واجب لازم من اتقاء المحارم لاشتراكهما فى الوجوب؛ وإن لم يشتركا فى كونهما شرطا فى نفى الجناح فيما يطعم؛ وهذا تفسّح وتوسّع فى البلاغة يحار فيها العقل استحسانا واستغرابا؛ وتعويل على أن المخاطب بذلك على إرساله والعدول عن تفصيله يضع كلّ شيء منه فى موضعه؛ وكم فى القرآن من هذه الغرائب فى الفصاحة والعجائب والحذوف والاختصارات التى لا يتجاسر بليغ ولا فصيح على الإقدام عليها، والمرور بشعبها خوفا من الزلل والخلل!

وأما الجواب عن مشكل التكرار فالوجه فيه على الجملة أن نجعل الأحوال التى يقع فيها الاتقاء والإيمان وعمل الصالحات مختلفة بمضىّ واستقبال، فيزول التكرار، أو نجعل المأمور به من الاتقاء والإيمان وعمل الصالحات مشروطا مخصوصا، يتناول الأوّل غير متناول الثانى، والثانى غير متناول الأول؛ فيزول أيضا بذلك التكرار.

وقد أوّل المفسرون على اختلافهم بكثير من الجملة التى أشرنا هاهنا إليها، وذكروا أن الشرط الأول يتعلّق بالزمان الماضى، والشرط الثانى متعلّق بالدوام على ذلك والاستمرار على فعله، والثالث مختص باتقاء ظلم العباد.

وذكر أبو عليّ الجبائىّ هذا بعينه، واستدلّ على أنّ الاتقاء الثالث يختصّ بظلم العباد بقوله تعالى: وَأَحْسَنُوا، وأن الإحسان إذا كان متعديا وجب أن يكون ما أمروا باتقائه من المعاصى أيضا متعديا؛ وهذا ممن اعتمده من المفسرين مزج؛ لاختلاف الأحوال باختلاف المأمور به؛ وما ينبغى أن يكون كذلك، بل الواجب أن نبطل التكرار. إما من جهة اختلاف الأحوال من غير أن نمزجها باختلاف غيرها؛ أو نعدل عن اختلاف الأحوال فنبطل التكرار من حيث اختلاف المأمور به فى عموم وخصوص.

ولعل أبا عليّ وغيره إنما عدل فى الشرط الثالث عن ذكر الأحوال لمّا ظن أنّه لا يمكن فيه ما أمكن فى الأول والثانى. ونحن نبين أن الأمر بخلاف ما ظنه؛ وهو أنه لا يمتنع أن يحمل الشرط الأول على الماضى من الزمان، والثانى على الحال، والثالث على المنتظر والمستقبل.

وليس لأحد أن يقول: لا واسطة عند المتكلّمين بين الماضى والمستقبل؛ لأنّ الفعل إما أن يكون معدوما فيكون مستقبلا، أو موجودا فيكون ماضيا؛ وإنما يجعل الأحوال ثلاثة النحويون، ولا يرتضى ذلك المتكلمون.

والجواب عن هذا أنّ الصحيح أنه لا واسطة بين العدم والوجود على ما ذكر، غير أن الموجود فى أقرب الزمان لا يمتنع أن نسميه حالا، وبينه وبين الماضى الغابر السالف فرق؛ كما كان كذلك بينه وبين المنتظر.

وأما بيان اختلاف المأمور؛ فأن يحمل الاتقاء الأوّل على اتقاء المعاصى العقلية التى تختصّ المكلّف ولا تتعداه، والإيمان الأول الإيمان بالله تعالى وبما أوجب الإيمان به، والإيمان الثانى الإيمان بقبح هذه المعاصى ووجوب تجنبها، والاتقاء الثالث الاتقاء لما يتعدّى من المعاصى من الظلم والإساءة.

وليس ينبغى أن يفزع فى أن الاتقاء الثالث يختص بمظالم العباد إلى ما اعتمده أبو عليّ من قوله تعالى: وَأَحْسَنُوا

من حيث كان الإحسان إذا كان متعديا فكذلك ما عطف عليه؛ لأن ذلك من ضعيف الاستدلال، لأن قول الله تعالى: وَأَحْسَنُوا ليس بصريح فى أن المراد به الإحسان المتعدّى؛ لأنه غير ممتنع أن يريد به فعل الحسن والمبالغة فيه، وإن اختص الفاعل ولم يتعدّه؛ ألا ترى أنهم يقولون لمن بالغ فى فعل الحسن وتناهى فيه وإن اختصه: أحسنت وأجملت! ثم إن سلّم أن المراد به الإحسان المتعدّى لم يمتنع أن يعطفه وهو متعدّ على فعل لا يتعدى؛ ألا ترى أنه لو صرّح بذلك فقال: اتقوا المعاصى كلّها والقبائح، وأحسنوا إلى غيركم لكان حسنا غير قبيح! وإنما ينبغى أن يفزع فى التخصيص إلى الفرار من التكرار، وحمله على ما يفيد، وذلك يغنى عما تكلّفه أبو عليّ.

فإن قيل: أىّ فائدة فى تخصيص الذين آمنوا وعملوا الصالحات بنفى الجناح فيما يطعمونه بالشرط المذكور؟ ومن ليس بمؤمن يشاركهم فى هذا الحكم مع ثبوت الشرط!

قلنا: تعليق الحكم بالصفة أو الاسم لا يدلّ على نفيه عمن عدا المسمى أو الموصوف؛ وقد دلّ العلماء على ذلك فى مواضع كثيرة؛ وليس بممتنع على المذهب الصحيح أن يعلّق الحكم باسم أو صفة، ويكون من عدا الموصوف أو المسمى مشاركا فى ذلك الحكم.

وقد قيل: إن السبب فى نزول هذه الآية أنّه لما نزل تحريم الخمر قال المسلمون: كيف بإخواننا الذين تناولوا الخمر قبل نزول تحريمها، وماتوا وهى فى أجوافهم؟ وكيف بإخواننا الطائفين فى أطراف البلاد وهم لا يشعرون بهذا التحريم؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية تطييبا لنفوسهم، وإعلاما لهم: أن من يطعم- ما لم يبيّن له تحريمه- لا جناح عليه.

وقيل أيضا: إن الآية وردت فى قوم حرّموا على أنفسهم اللحوم، وسلكوا طريق الترهّب؛ كعثمان بن مظعون وغيره، فبيّن الله سبحانه أن الحلال لا جناح فى تناوله، وإنما يجب التجنّب للمحرّم، وهذه الأسباب لا تبقى معها مسألة عن سبب تخصيص المؤمنين بنفى الجناح.

وكل هذا واضح.

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من تكملة أمالى المرتضى

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.