من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
تأويل آية [وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ، وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ، وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً؛
فقال: ما معنى هذه الآية؟ فإن ظاهرها لا يدلّ على تأويلها.
الجواب، قلنا: قد ذكر المفسّرون فى هذه الآية وجهين نحن نذكرهما، ونوضّح عنهما، ثم نتلوهما بما خطر لنا فيهما زائدا على المسطور.
وأحد ما قيل فى هذه الآية أن النبي صلى الله عليه وآله كان إذا نزل عليه القرآن وسمعه من جبرئيل قرأ ﵇ معه ما يوحى به إليه من القرآن أولا أولا قبل استتمامه والانتهاء إلى المنزّل منه فى الحال، وقطع الكلام عليها، وإنما كان يفعل النبىّ ﵇ ذلك حرصا على حفظه وضبطه، وخوفا من نسيان بعضه، فأنزل الله تعالى هذه الآية ليثبت النبىّ صلى الله عليه وآله فى تلاوة ما يسمعه من القرآن، حتى ينتهى إلى غايته لتعلّق بعض الكلام ببعض.
قالوا: ونظير هذه الآية قوله تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ. فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ؛؛ فضمن الله تعالى أنه يجمع له ﵇ حفظ القرآن، ثم يثبّته فى صدره، ليؤدّيه إلى أمّته، وأسقط عنه كلفة الاستعجال بترداد تلاوته، والمسابقة إلى تلاوة كل ما يسمعه منه؛ تخفيفا عنه وترفيها له، وأكدوا ذلك بقوله تعالى: فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ أى إذا انتهينا إلى غاية ما تريد إنزاله فى تلك الحال، فحينئذ اتبع قراءة ذلك وتلاوته، فلم يبق منه ما ينتظر فى الحال نزوله.
والوجه الآخر أنهم قالوا: إنما نهى النبىّ ﵇ عن تلاوة القرآن على أمته وأداء ما يسمعه منه إليهم، قبل أن يوحى إليه ﵇ ببيانه، والإيضاح عن معناه وتأويله؛ لأنّ تلاوته على من لا يفهم معناه، ولا يعرف مغزاه لا تحسن.
قالوا: ومعنى قوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ المراد به: قبل أن يقضى إليك وحى بيانه، وتفسير معناه؛ لأن لفظة «القضاء» وإن كانت على وجوه معروفة فى اللغة، فهى هاهنا بمعنى الفراغ والانتهاء إلى الغاية؛ كما قال تعالى: فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ؛.
وكما قال الشاعر:
ولمّا قضينا من منى كلّ حاجةومسّح بالأركان من هو ماسح
أى فرغنا من حاجاتنا، وانتهينا إلى غاية الوطر منها.
فأما الجواب الثالث الزائد على ما ذكر فهو أنه غير ممتنع أن يريد: لا تعجل بأن تستدعى من القرآن ما لم يوح إليك به؛ فإن الله تعالى إذا علم مصلحة فى إنزال القرآن عليك أمر بإنزاله، ولم يدّخره عنك؛ لأنه لا يدخر عن عباده الاطّلاع لهم على مصالحهم.
فإن قيل على هذا الوجه: إنه يخالف الظاهر؛ لأنه تعالى قال: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ ولم يقل بطلبه واستدعائه، والظاهر يقتضي أن الاستعجال بنفس القرآن لا بغيره.
قلنا: الأمر على ما ظنه السائل. وعلى الوجوه الثلاثة فى تأويل الآية لا بدّ من تقدير ما ليس فى الظاهر؛ لأن على الوجهين الأولين المذكورين لا بدّ من أن يقدّر: لا تعجل بتلاوة القرآن؛ إما على سبيل الدرس والتحفّظ على ما ذكر فى الوجه الأول، وأن يتلوه على أمّته قبل إنزال البيان. وأىّ فرق فى مخالفة الظّاهر؛ بين أن يقدّر: ولا تعجل بتلاوة القرآن، أو يقدر: لا تعجل بطلب القرآن واستدعاء نزوله؟
فإن قيل: هذا يدلّ على وقوع معصية من النبي ﵇ فى استدعائه ما لم يكن له أن يستدعيه من القرآن؛ لأنّ النهى لا يكون إلا عن قبيح.
قلنا: النهى لا يكون إلا عن قبيح لا محالة؛ لكن النهى لا يدلّ
على وقوع الفعل المنهىّ عنه؛ لأنه قد ينهى عن الفعل من لم يواقعه قطّ ولا يواقعه، ألا ترى أن النبىّ ﵇ نهى عن الشّرك وسائر القبائح؛ كما نهينا، ولم يدلّ ذلك على وقوع شيء مما نهى عنه منه!
وهذا أيضا يمكن أن يكون جوابا لمن اعتمد على الوجهين الأولين إذا قيل له: أفوقع منه ﵇ تلاوة القرآن على أمته قبل نزول بيانه، أو عجل بتكريره على سبيل الدرس كما نهى عنه؟
ويمكن من اعتمد على الوجه الأول فى تأويل الآية أن يقول فى قوله تعالى: لا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ وإن كان ظاهره النهى ليس بنهى على الحقيقة؛ وقد يرد ما هو بلفظ النهى وهو غير نهى على التحقيق، كما يرد ما هو بصفة الأمر وليس بأمر؛ وإنما ذلك تخفيف عنه ﵇ وترفيه، ورفع كلفة المشقة، فقيل له ﵇: لا تتكلّف المسابقة إلى تكرير ما ينزل عليك خوفا من أن تنساه؛ فإن الله تعالى يكفيك هذه المئونة، ويعينك عن حفظه وضبطه؛ كما قال تعالى فى الآية الأخرى: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ؛ أى جمعه فى حفظك وتأمورك.
وبعد؛ فإن الأولى التوقف عن معرفة غاية الكلام التى ينتهى إليها، ويقطع عليها.
والتلاوة لما يرد منه الأوّل فالأول؛ تلاوة لما لا يعرف معناه؛ لتعلق الكلام بعضه ببعض؛ فندب ﵇ إلى الأول من التوقف على غايته.
وأما الوجه الثانى الّذي اعتمد فيه على أنّ النهى إنما هو عن تلاوته على الأمة قبل نزول بيانه؛ فإن كان المعتمد على ذلك يقول: ليس يمتنع أن تكون المصلحة فى التوقّف عن الأداء قبيل البيان؛ فنهى ﵇ عن ذلك؛ لأنّ المصلحة فى خلافه؛ فهذا جائز لا مطعن فيه؛ وإن كان القصد إلى أنّ الخطاب لا يحسن إلا مع البيان؛ على مذهب من يرى أنّ البيان لا يتأخر عن الخطاب؛ فذلك فاسد، لأنّ الصحيح أن البيان يجوز أن يتأخر عن وقت الخطاب؛ وإنما لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة.
وقد بينا الكلام فى هذه المسألة، والأدلّة على صحة ما ذهبنا إليه منها فى مواضع من كتبنا، وتكلمنا على فساد قول من أوجب اقتران البيان بالخطاب.
على أنّ من اعتمد على هذه الطريقة فى هذا الموضع فقد غلط؛ لأنّ الآية تدلّ على أنّ الله تعالى قد خاطب نبيّه ﵇ بما يحتاج إلى بيان من غير انضمام البيان إليه. وإذا جاز ذلك فى خطابه تعالى لنبيه ﵇ جاز مثله فى خطاب النبىّ ﵇ لأمته؛ لأنّ من أبطل تأخير البيان عن زمان الخطاب يوجب ذلك فى كل خطاب.
وليس يمكن أن يدّعى أنه تعالى قد بيّن له؛ لأن تأويلهم يمنع من ذلك؛ لأنه قيل له على هذا الوجه: لا تعجل بتلاوة القرآن على أمّتك قبل أن يقضى إليك وحيه؛ يعنى قبل أن ينزل إليك بيانه؛ فالبيان متأخّر عنه على ذلك الوجه؛ وذلك قبيح على مذهب من منع من تأخير البيان من وقت الخطاب.
والتأويل الّذي ذكرناه زائدا على الوجهين المذكورين يمكن أن تفسّر به الآية الأخرى التى هى قوله تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ، بطلب ما لم ينزل عليك من القرآن؛ فإنّ علينا إنزال ما تقتضى المصلحة إنزاله عليك وجمعه لك؛ وقوله تعالى: فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ، يدلّ ظاهره على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب؛ لأنّه تعالى أمره: إذا قرأ عليه الملك وأوحى به إليه أن يقرأه، ثم صرّح بأن البيان يأتى بعده؛ فإنّ «ثمّ» لا يكون إلا للتراخى، وما هو مقترن بالشيء لا تستعمل فيه لفظة «ثمّ» ألا ترى أنه لا يقال: أتانى زيد ثم عمرو، وإنما حضرا فى وقت واحد!
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع