تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

مسألة (١٤)

ما القول فى الأخبار الواردة فى عدة كتب من الأصول والفروع بمدح أجناس من الطير والبهائم والمأكولات والأرضين، وذمّ أجناس منها؛ كمدح الحمام والبلبل والقنبر والحجل والدّرّاج وما شاكل ذلك من فصيحات الطير؛ وذمّ الفواخت والرّخم؛ وما يحكى من أنّ كلّ جنس من هذه الأجناس المحمودة ينطق بثناء على الله تعالى وعلى أوليائه، ودعاء لهم، ودعاء على أعدائهم؛ وأن كلّ جنس من هذه الأجناس المذمومة ينطق بضد ذلك من ذم الأولياء ﵈، كذم الجرّىّ وما شاكله من السمك، وما نطق به الجرىّ من أنه مسخ بجحده الولاية، وورود الآثار بتحريمه لذلك؛ وكذم الدّبّ والقرد والفيل وسائر المسوخ المحرّمة؛ وكذم البطّيخة التى كسرها أمير المؤمنين ﵇ فصادفها مرّة فقال:

«من النار إلى النار»، ورمى بها من يده، ففار من الموضع الّذي سقطت فيه دخان؛ وكذم الأرضين السّبخة، والقول بأنها جحدت الولاية أيضا. وقد جاء فى هذا المعنى ما يطول شرحه؛ وظاهره مناف لما تدل العقول عليه من كون هذه الأجناس مفارقة لقبيل ما يجوز تكليفه، ويسوغ أمره ونهيه.

وفى هذه الأخبار التى أشرنا إليها أن بعض هذه الأجناس يعتقد الحقّ ويدين به، وبعضها يخالفه؛ وهذا كلّه مناف لظاهر ما العقلاء عليه.

ومنها ما يشهد أنّ لهذه الأجناس منطقا مفهوما، وألفاظا تفيد أغراضا، وأنها بمنزلة الأعجمىّ والعربىّ اللذين لا يفهم أحدهما صاحبه، وأنّ شاهد ذلك من قول الله سبحانه فيما حكاه عن سليمان ﵇: يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ؛. وكلام النملة أيضا مما حكاه سبحانه، وكلام الهدهد واحتجاجه وجوابه وفهمه؛ فلينعم بذكر ما عنده فى ذلك مثابا إن شاء الله.

الجواب، وبالله التوفيق:

اعلم أن المعوّل فيما يعتقد على ما تدلّ الأدلة عليه من نفى وإثبات؛ فإذا دلت الأدلّة على أمر من الأمور وجب أن نبنى كلّ وارد من الأخبار إذا كان ظاهره بخلافه عليه؛ ونسوقه إليه، ونطابق بينه وبينه، ونجلّى ظاهرا إن كان له، ونشرط إن كان مطلقا، ونخصّه إن كان عاما، ونفصّله إن كان مجملا؛ ونوفّق بينه وبين الأدلة من كل طريق اقتضى الموافقة وآل إلى المطابقة؛ وإذا كنا نفعل ذلك ولا نحتشمه فى ظواهر القرآن المقطوع على صحته، المعلوم وروده؛ فكيف نتوقّف عن ذلك فى أخبار آحاد لا توجب علما؛ ولا تثمر يقينا! فمتى وردت عليك أخبار فاعرضها على هذه الجملة وابنها عليها؛ وافعل فيها ما حكمت به الأدلة، وأوجبته الحجج العقلية؛ وإن تعذّر فيها بناء وتأويل وتخريج وتنزيل؛ فليس غير الاطراح لها، وترك التعريج عليها؛ ولو اقتصرنا على هذه الجملة لاكتفينا فيمن يتدبّر ويتفكر.

وقد يجوز أن يكون المراد بذمّ هذه الأجناس من الطير أنها ناطقة بضدّ الثناء على الله وبذم أوليائه، ونقص أصفيائه معناه ذمّ متخذيها ومرتبطيها، وأنّ هؤلاء المغرين بمحبّة هذه الأجناس واتخاذها هم الذين ينطقون بضدّ الثناء على الله تعالى، ويذمّون أولياءه وأحبّاءه؛ فأضاف النطق إلى هذه الأجناس، وهو لمتخذيها أو مرتبطيها؛ للتجاوز والتقارب، وعلى سبيل التجوز والاستعارة؛ كما أضاف الله فى القرآن السؤال إلى القرية؛ وإنما هو لأهل القرية، وكما قال تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً. فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً؛؛ وفى هذا كلّه حذوف. وقد أضيف فى الظاهر الفعل إلى من هو فى الحقيقة متعلّق بغيره؛ والقول فى مدح أجناس من الطير، والوصف لها بأنها تنطق بالثناء على الله تعالى والمدح لأوليائه يجرى على هذا المنهاج الّذي نهجناه.

فإن قيل: كيف يستحق مرتبط هذه الأجناس مدحا بارتباطها، ومرتبط بعض آخر ذمّا بارتباطه؛ حتى علّقتم المدح والذم بذلك؟

قلنا: ما جعلنا لارتباط هذه الأجناس حظا فى استحقاق مرتبطيها مدحا ولا ذما؛ وإنما قلنا: إنه غير ممتنع أن تجرى عادة المؤمنين الموالين لأولياء الله تعالى والمعادين لأعدائه بأن يألفوا ارتباط أجناس من الطير. وكذلك تجرى عادة بعض أعداء الله تعالى باتخاذ بعض أجناس الطير؛ فيكون متخذ بعضها ممدوحا؛ لا من أجل اتخاذه؛ لكن لما هو عليه من الاتخاذ الصحيح؛ فيضاف المدح إلى هذه الأجناس وهو لمرتبطيها، والنطق بالتسبيح والدعاء الصحيح إليها وهو لمتخذها تجوزا واتساعا. وكذلك القول فى الذم المقابل للمدح.

فإن قيل: فلم نهى عن اتخاذ بعض هذه الأجناس إذا كان الذم لا يتعلق باتخاذها، وإنما يتعلق ببعض متخذيها

لكفرهم وضلالهم؟

قلنا: يجوز أن يكون فى اتخاذ هذه البهائم المنهىّ عن اتخاذها وارتباطها مفسدة وليس يقبح خلقها فى الأصل لهذا الوجه؛ لأنها خلقت لينتفع بها من سائر وجوه الانتفاع سوى الارتباط والاتخاذ الّذي لا يمنع تعلق المفسدة به.

ويجوز أيضا أن يكون فى اتخاذها هذه الأجناس المنهىّ عنها شؤم وطيرة؛ فللعرب فى ذلك مذهب معروف. ويصح هذا النهى أيضا على مذهب من نفى الطّيرة على التحقيق؛ لأنّ الطّيرة والتشاؤم- وإن كان لا تأثير لهما على التحقيق- فإن النفوس تستشعر ذلك، ويسبق إليها ما يجب على كل حال تجنّبه والتوقى عنه؛ وعلى هذا يحمل معنى قوله ﵇: «لا يورد ذو عاهة على مصحّ».

فأما تحريم السمك الجرّىّ وما أشبهه فغير ممتنع لشيء يتعلق بالمفسدة فى تناوله؛ كما نقول فى سائر المحرمات. فأما القول بأن الجرّىّ نطق بأنه مسخ بجحده الولاية فهو مما يضحك منه ويتعجب من قائله، والملتفت إلى مثله.

فأما تحريم الدّب والقرد والفيل فكتحريم كلّ محرّم فى الشريعة، والوجه فى التحريم لا يختلف؛ والقول بأنها ممسوخة إذا تكلّفنا حملناه على أنها كانت على خلق حميدة غير

منفور عنها، ثم جعلت على هذه الصّورة الشّنيئة على سبيل التنفير عنها، والزيادة فى الصّدّ عن الانتفاع بها؛ لأن بعض الأحياء لا يجوز أن يكون غيره على الحقيقة. والفرق بين كل حيين معلوم ضرورة، فكيف يجوز أن يصير حىّ حيا آخر غيره؟ وإذا أريد بالمسخ هذا فهو باطل، وإن أريد غيره نظرنا فيه.

وأما البطيخة فقد يجوز أن يكون أمير المؤمنين ﵇ لما ذاقها ونفر عن طعمها؛ وزادت كراهيته لها قال: «من النار وإلى النار»، أى هذا من طعام أهل النار، وما يليق بعذاب أهل النار، كما يقول أحدنا ذلك فيما يستوبئه ويكرهه.

ويجوز أن يكون فوران الدّخان عند الإلقاء لها كان على سبيل التصديق، لقوله ﵇:

«من النار إلى النار» وإظهار معجز له.

وأما ذمّ الأرضين السّبخة، والقول بأنها جحدت الولاية؛ فمتى لم يكن محمولا معناه على ما قدمناه من جحد أهل هذه الأرض وسكانها الولاية لم يكن معقولا؛ ويجرى ذلك مجرى قوله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ.

وأما إضافة اعتقاد الحق إلى بعض البهائم واعتقاد الباطل والكفر إلى بعض آخر فمما تخالفه العقول والضرورات؛ لأن هذه البهائم غير عاقلة ولا كاملة ولا مكلّفة، فكيف تعتقد حقا أو باطلا! وإذا ورد أثر فى ظاهره شيء من هذه المحاولات؛ إما اطّرح أو تؤوّل على المعنى الصحيح. وقد نهجنا طريق التأويل، وبيّنا كيف التوصل إليه.

فأما حكايته تعالى عن سليمان ﵇: يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ فالمراد به أنه علّم ما يفهم به ما ينطق به الطير؛ وتتداعى فى أصواتها وأغراضها ومقاصدها؛ بما يقع منها من صياح؛ على سبيل المعجزة لسليمان ﵇.

فأما الحكاية عن النملة بأنها قالت: يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ؛ فقد يجوز أن يكون المراد به أنه ظهر منها دلالة القول

على هذا المعنى؛ وأشعرت باقى النمل؛ وخوّفتهم من الضرر بالمقام، وأنّ النجاة فى الهرب إلى مساكنها؛ فتكون إضافة القول إليها مجازا واستعارة؛ كما قال الشاعر:

وشكا إلى بعبرة وتحمحم

وكما قال الآخر:

وقالت له العينان سمعا وطاعة

ويجوز أيضا أن يكون وقع من النملة كلام ذو حروف منظومة- كما يتكلّم أحدنا- يتضمن المعانى المذكورة، ويكون ذلك معجزة لسليمان ﵇؛ لأنّ الله تعالى سخّر له الطّير، وأفهمه معانى أصواتها على سبيل المعجزة له. وليس هذا بمنكر؛ فإنّ النطق بمثل هذا الكلام المسموع منّا لا يمتنع وقوعه ممن ليس بمكلّف ولا كامل العقل؛ ألا ترى أنّ المجنون ومن لم يبلغ الكمال من الصبيان قد يتكلّمون بالكلام المتضمّن للأغراض؛ وإن كان التكليف والكمال عنهم زائلين.

والقول فيما حكى عن الهدهد يجرى على الوجهين اللذين ذكرناهما فى النملة؛ فلا حاجة بنا إلى إعادتهما. وأما حكايته أنه قال: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ؛، وكيف يجوز أن يكون ذلك فى

الهدهد وهو غير مكلّف ولا يستحق مثله العذاب.

فالجواب أن العذاب اسم للضّرر الواقع، وإن لم يكن مستحقا؛ وليس يجرى مجرى العقاب الّذي لا يكون إلّا جزاء على أمر تقدم. وليس بممتنع أن يكون معنى لَأُعَذِّبَنَّهُ أى لأولمنّه، ويكون الله تعالى قد أباحه الإيلام له؛ كما أباحه الذبح لضرب من المصلحة، كما سخّر له الطير يصرّفها فى منافعه وأغراضه؛ وكلّ هذا لا ينكر فى نبىّ مرسل تخرق له العادات؛ وتظهر على يده المعجزات؛ وإنما يشتبه على قوم يظنون أنّ هذه الحكايات تقتضى كون النملة والهدهد مكلّفين؛ وقد بيّنا أنّ الأمر بخلاف ذلك.

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من تكملة أمالى المرتضى

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.