من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
مسألة (١٣)
سئل رضى الله عنه فقيل: ما يقال لمن يدّعى عند إقامة الدليل على حدث الجسم والجوهر والعرض شيئا ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض أحدث الله تعالى الأشياء منه؟ وما الّذي يفسد دعواه غير المطالبة له بالدلالة على صحتها!
الجواب، أول ما نقوله فى هذا الباب إن إحداث شيء من شيء غيره كلام محال ظاهر الفساد؛ لأن المحدث على الحقيقة هو الموجود بعد أن كان معدوما؛ وإذا فرضنا أنه أحدث من غيره فقد جعلناه موجودا فى ذلك الغير؛ فلا يكون محدثا فى الحقيقة؛ ولا موجودا بعد عدم حقيقى؛ فكأنّا قلنا: إنه محدث وليس بمحدث؛ وهذا متناقض.
على أن الجواهر والأجسام إنما حكمنا بحدثها؛ لأنها لم تخل من الأعراض، ولم تتقدم فى الوجود عليها، وما لم يتقدم المحدث فهو محدث مثله.
وإذا كانت الأعراض التى توصّلنا بحدوثها إلى حدوث الأجسام والجواهر محدثة؛ لا من شيء ولا عن هيولى على ما تموّه هؤلاء المفلسفون به؛ فيجب أن تكون الجواهر والأجسام أيضا محدثة على هذا الوجه؛ لأنه إذا وجب أن يساوى ما لم يتقدم المحدث فى حدوثه وجب أيضا أن يساويه فى كيفية حدوثه.
على أنا قد بيّنا أنّ ما أحدث من غيره ليس بمحدث فى الحقيقة، والعرض محدث على الحقيقة، فيجب فيما لم يتقدمه فى الوجود أن يكون محدثا على الحقيقة.
ويبيّن ما ذكرناه أن من أحدث من طين أو شمع صورة فهو غير محدث لها على الحقيقة، وكيف تكون كذلك وهى موجودة الأجزاء فى الطين والشمع؟ وإنما أحدث المصوّر تصويرها وتركيبها والمعانى المخصوصة فيها، وهذا يقتضي أنّ الجواهر والأجسام على مذهب أصحاب الهيولى غير محدثة على الحقيقة؛ وإنما حدث التصوير والتركيب. وإذا كان الدليل على حدوث
جميع الأجسام والجواهر قد دلّ بطل هذا المذهب.
فأما الّذي يدلّ على بطلان قول من أثبت شيئا موجودا ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض من غير جهة المطالبة له بتصحيح دعواه، وتعجيزه عن ذلك فهو أنه لا حكم لذات موجودة ليست بجسم ولا جوهر ولا عرض يعقل؛ ويمكن الإشارة إليه، وما لا حكم له من الذوات والصفات لا يجوز إثباته؛ ولا بدّ من نفيه لأنه يؤدى إلى إثبات ما لا فرق بين إثباته ونفيه؛ وتجويز ذلك يؤدى إلى الجهالات وإلى إثبات ما لا يتناهى من الذوات والصفات.
وقد بيّنا هذه الطريقة فى مواضع من كتبنا؛ لا سيما فى الكتاب الملخّص فى الأصول.
على أنا نقول لمن أثبت الهيولى وادّعى أنه أصل العالم، وأن الأجسام والجواهر منها أحدثت: لا تخلو هذه الذات التى يسميها بالهيولى من أن تكون موجودة أو معدومة؛ وما نريد بالوجود ما تعنونه أنتم بهذه اللفظة؛ لأن الموجود عندكم يكون بالفعل، ويكون بالقوة، ويكون المعدوم عندكم موجودا بالقوة أو فى العلم؛ وإنما نريد بالوجود هذا الّذي نعقله ونعلمه ضرورة عند إدراك الذوات المدركات؛ لأن أحدنا إذا أدرك الجسم متحيّزا علم ضرورة وجوده وثبوته؛ وكذلك القول فى الألوان وما عداها من المدركات.
فإن قال: هى موجودة على تحديدكم.
قلنا: فيجب أن تكون متحيّزة؛ لأنها لو لم تكن بهذه الصفة ما حصل منها التحيّز، ألا ترى أنّ الأعراض لما لم تكن
متحيّزة لم يمكن أن يحدث منها التحيز! وإذا أقروا فيها التحيز فهى من جنس الجواهر؛ وبطل القول بأنها ليست بجوهر ووجب لها الحدوث؛ لأنّ دليل حدث الأجسام ينتظمها، ويشتمل عليها؛ فبطل أيضا القول بقدمها ونفى حدوثها.
وإن قالوا: هى معدومة قلنا: إذا كانت معدومة على الحقيقة فما نسومكم إثبات قدم لها ولا
حدوث؛ لأن هاتين الصفتين إنما تتعاقبان على الموجود؛ فكأنّكم تقولون: إنّ الله تعالى جعل من هذه الهيولى المعدومة جواهر وأجساما موجودة. وهذه موافقة فى المعنى لأهل الحق؛ القائلين بأن الجواهر فى العدم على صفة تقتضى وجوب التحيّز لها متى وجدت، وأنّ الله تعالى إذا أوجد هذه الجواهر وجب لها فى الوجود التحيّز؛ لما هى عليه فى نفوسها من الصفة فى العدم الموجبة لذلك بشرط الوجود، وأنّ الفاعل إنما يؤثر فى صفة الوجود؛ ولا تأثير له فى الصفة التى كانت عليها الجواهر فى العدم.
على أن هذه الطريقة إذا صاروا إليها تقتضى أنّ لأجناس الأعراض كلّها هيولى؛ لأنّ الدليل قد دلّ على أن للسّواد، ولكل جنس من الأعراض صفة ثابتة فى حال العدم تقتضى كونه على الصفة التى يدرك عليها إن كان مما يدرك فى حال الوجود، وأنّ الفاعل إنما يؤثّر فى إحداثه وإيجاده دون الصفة التى كان عليها فى حال العدم.
والقول فى الأعراض كالقول فى الجواهر فى هذه القضية، ويجب أن يكون للجميع هيولى؛ لأنّ الطريقة واحدة؛ وكلام هؤلاء أبدا غير محصّل ولا مفهوم، وهم يدّعون التحقيق والتحديد، وما أبعدهم من ذلك!
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع