من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
مسألة فى العصمة
ما حقيقة العصمة التى يعتقد وجوبها للأنبياء والأئمة ﵈؟ وهل هى معنى يضطرّ إلى الطاعة ويمنع من المعصية، أو معنى يضامّ الاختيار؟ فإن كان معنى يضطر إلى الطاعة ويمنع من المعصية، فكيف يجوز الحمد والذم لفاعلها! وإن كان معنى يضامّ الاختيار فاذكروه، ودلّوا على صحة مطابقته له، ووجوب اختصاص المذكورين به دون سواهم؛ فقد قال بعض المعتزلة: إن الله تعالى عصم أنبياءه بالشهادة لهم بالاستعصام؛ كما
ضلّل قوما بنفس الشهادة عليهم بالضلال؛ فإن يكن ذلك هو المعتمد أنعم بذكره، ودلّ على صحته وبطلان ما عساه يعلمه من الطعن عليه؛ وإن يكن باطلا دلّ على بطلانه وصحة الوجه المعتمد فيه دون ما سواه.
الجواب، اعلم أنّ العصمة هى اللّطف الّذي يفعله الله تعالى، فيختار العبد عنده الامتناع من فعل القبيح؛ فيقال على هذا: إنّ الله تعالى عصمه بأن فعل له ما اختار عنده العدول عن القبيح؛ ويقال: إن العبد معصوم؛ لأنه اختار عند هذا الدّاعى الّذي فعل له الامتناع من القبيح.
وأصل العصمة فى موضوع اللّغة المنع؛ يقال عصمت فلانا من السوء إذا منعت من حلوله به؛ غير أنّ المتكلّمين أجروا هذه اللفظة على من امتنع باختياره عند اللّطف الّذي يفعله الله تعالى به؛ لأنّه إذا فعل به ما يعلم أنه يمتنع عنده من فعل القبيح فقد منعه من القبيح؛ فأجروا عليه لفظة المانع قهرا وقسرا؛ وأهل اللغة يتعارفون ذلك أيضا ويستعملونه؛ لأنهم يقولون فيمن أشار على غيره برأى فقبله منه مختارا، واحتمى بذلك من ضرر يلحقه، وسوء يناله: إنه حماه من ذلك الضرر، ومنعه وعصمه منه؛ وإن كان ذلك على سبيل الاختيار.
فإن قيل: أفتقولون فيمن لطف له بما اختار عنده الامتناع من فعل واحد قبيح: إنه معصوم؟
قلنا: نقول ذلك مضافا ولا نطلقه؛ فنقول: إنه معصوم من كذا، ولا نطلق فنوهم أنه معصوم من جميع القبائح، ونطلق فى الأنبياء والأئمة ﵈ العصمة بلا تقييد؛ لأنّهم عندنا لا يفعلون شيئا من القبائح، بخلاف ما يقوله المعتزلة من نفى الكبائر عنهم دون الصغائر.
فإن قيل: فإذا كان تفسير العصمة ما ذكرتم فألّا عصم الله تعالى جميع المكلّفين، وفعل بهم ما يختارون عنده الامتناع من القبائح؟
قلنا: كلّ من علم الله تعالى أنه له لطفا يختار عنده الامتناع من القبائح؛ فإنه لا بدّ أن يفعل به؛ وإن لم يكن نبيا ولا إماما؛ لأنّ التكليف يقتضي فعل اللّطف على ما دلّ عليه فى مواضع كثيرة؛ غير أنّه لا يمتنع أن يكون فى المكلّفين من ليس فى المعلوم أنّ شيئا متى فعل اختار عنده الامتناع من القبيح؛ فيكون هذا المكلّف لا عصمة له فى المعلوم ولا لطف. وتكليف من لا لطف له يحسن ولا يقبح؛ وإنما القبيح منع اللّطف فيمن له لطف؛ مع ثبوت التكليف.
فأما قول بعضهم: إن العصمة هى الشهادة من الله تعالى بالاستعصام فباطل؛ لأن الشهادة لا تجعل الشيء على ما هو به؛ وإنما تتعلق به على ما هو عليه؛ لأنّ الشهادة هى الخبر، والخبر عن كون الشيء على صفة لا يؤثر فى كونه عليها؛ فنحتاج أولا إلى أن يتقدم لنا العلم بأنّ زيدا معصوم أو معتصم؛ ونوضّح عن معنى ذلك، ثم تكون الشهادة من بعد مطابقة لهذا العلم؛ وهذا بمنزلة من سئل عن حدّ المتحرّك فقال: هو الشهادة بأنه متحرّك؛ أو المعلوم أنه
على هذه الصفة.
وفى هذا البيان كفاية لمن تأمّله.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع