تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

مسألة (١٢)

قال رضى الله عنه: قد طعن من لا تأمّل له على استدلالنا على أنّ الأفعال الظاهرة فينا من قيام وقعود وأكل وشرب وما جرى مجرى ذلك متعلّقة بنا، وحادثة من جهتنا بوجوب وقوعها بحسب قصودنا وأحوالنا ودواعينا بأن قال:

كيف يجوز أن تدّعوا العلم الضرورىّ بوجوب وقوع أفعالكم بحسب أحوالكم؟

وإنما تشيرون بالوقوع إلى الحدوث.

وإذا كان حدوث هذه الأفعال لا يعلم ضرورة؛ وإنما يعلم بدقيق الاستدلال والنظر، فكيف يجوز أن تعلموا حكم الذات ضرورة، وأنتم تعلمون تلك الذات بدليل؟ والعلم بالذات أصل للعلم بالأحكام؛ ولا يجوز أن يكون العلم بالأصل مستدلّا عليه، والعلم بالفرع ضروريا.

والجواب عن ذلك أنّ الوجوب أو الجواز حكم للأحوال الموجبة عن الأفعال التى هى ذوات حادثة؛ ونحن نعلم كون الجسم منتقلا وكائنا فى جهة من الجهات ضرورة؛ وإن كنّا لا نعلم الكون الّذي فيه إلا بدلالة، والوجوب حكم لكونه كائنا، وليس بحكم للكون الّذي هو الذات، فما علمنا على هذا التقرير الأصل والفرع إلا ضرورة، وهذان

العلمان منفصلان عن العلم بالذات الّذي يحتاج فيه إلى الدلالة.

ألا ترى أن الشيوخ نصّوا فى كتبهم على أن المدرك منّا للجوهر يعلم ضرورة عند الإدراك كونه متحيزا، وكونه فى جهة مخصوصة، وكونه موجودا! ونصّوا على أنّ هذه العلوم ضرورية وواقعة عند الإدراك؛ وإن كان الإدراك لا يتناوله إلا كونه متحيّزا دون ما عدا هذه الصفة، فكيف يشكل هذا الّذي ذكرناه، ومعلوم أن نفاة الأعراض من الموحدين والملحدين يعلمون كون الجسم متحركا أو ساكنا، وقريبا أو بعيدا ضرورة، ويعلمون كون أحدنا قائما أو قاعدا، أو آكلا أو شاربا كذلك؛ ويعلمون ما هو واجب من هذه الأحوال أو واجب فى الموضع الّذي تجب فيه، أو يجوز ضرورة.

وإن كانوا لا يثبتون المعانى التى هى الأعراض، ولا يعرفونها، فكيف يشكل على متأمّل أن الأحكام التى أشرنا إليها وادّعينا وجوبها على بعض الوجوه ليست أحكاما للمعانى التى لا تعلم إلا بالدلالة وإنما هى أحكام للأحوال المعلومة أيضا ضرورة، وأن ما علمناه ضرورة حكم لأمر نعلمه أيضا ضرورة.

ومن حمل نفسه أن يخالف فى وجوب ما ذكرناه دافع للضرورة؛ لأن العلم بما ذكرناه من أوضح الضرورات. والفرق بين وجوب كون أحدنا آكلا وقد اشتد جوعه وارتفعت الموانع عنه- وهو صحيح سليم- وبين وجوب آكله إذا جاع غيره معلوم ضرورة؛ وآخر ما يبدأ به العقل.

وإذا كان الفرق الّذي ذكرناه معلوما ثبت ما هو مستند إليه من الوجوب عند قوة الدواعى وخلوصها.

والمعارضة على هذه الطريقة بوجوب الشّبع عند الأكل، والسّكر عند شرب الخمر، وما جرى مجرى ذلك غير صحيح، لأنه لا وجوب فى سائر ما ذكرناه، ألا ترى أن فى الناس من يشبع باللّقمة، وفيهم من لا يشبع بأكل العجنة، وكذلك فى السّكر والرّىّ.

ولما استند ذلك إلى العادة جاز أن يختلف بالأشخاص والأحوال، ولما استند ما ذكرناه من الوجوب إلى غير العادة كان مستمرا فى كل شخص، وعلى كل حال، وعلى كل وجه وسبب، فأين أحد الأمرين من الآخر!

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من تكملة أمالى المرتضى

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.