من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
مسألة فى تفضيل الأنبياء على الملائكة ﵈
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين وسلّم تسليما.
اعلم أنّه لا طريق من جهة العقل إلى القطع بفضل مكلّف على آخر، لأن الفضل المراعى فى هذا الباب هو زيادة استحقاق الثواب، ولا سبيل إلى معرفة مقادير الثواب من ظواهر فعل الطاعات، لأنّ الطاعتين قد تتساوى فى ظاهر الأمر حالهما، وإن زاد ثواب واحدة على الأخرى زيادة عظيمة، وإذا لم يكن للعقل فى ذلك مجال فالمرجع فيه إلى السّمع، فإن دلّ سمع مقطوع به من ذلك على شيء عوّل عليه، وإلا كان الواجب التوقف عنه، والشكّ فيه.
وليس فى القرآن، ولا فى سمع مقطوع على صحة ما يدلّ على فضل نبىّ على ملك ولا ملك على نبىّ. وسنبيّن أن آية واحدة مما يتعلق به فى تفضيل الأنبياء على الملائكة ﵈ يمكن أن يستدل بها على ضرب من الترتيب نذكره.
والمعتمد فى القطع على أن الأنبياء أفضل من الملائكة ﵈ على إجماع الشيعة الإمامية على ذلك، فهم لا يختلفون فى هذا، بل يزيدون عليه، ويذهبون إلى أن الأئمة أفضل من الملائكة، عليهم أجمعين السلام. وإجماعهم حجة لأن المعصوم فى جملتهم.
وقد بيّنا فى مواضع من كتبنا كيفية الاستدلال بهذه الطريقة ورتبناه، وأجبنا عن كلّ سؤال يسأل عنه فيها، وبينّا كيف الطريق مع غيبة الإمام إلى العلم بمذاهبه وأقواله، وشرحنا ذلك، فلا معنى للتشاغل به هاهنا.
ويمكن أن يستدلّ على ذلك بأمره تعالى للملائكة بالسجود لآدم ﵇؛ وأنه يقتضي تعظيمه عليهم، وتقديمه وإكرامه، وإذا كان المفضول لا يجوز تعظيمه وتقديمه على الفاضل علمنا أن آدم ﵇ أفضل من الملائكة، وكل من قال: إن آدم ﵇ أفضل من الملائكة ذهب إلى أن جميع الأنبياء ﵈ أفضل من جميع الملائكة، ولا أحد من الأمة فصل بين الأمرين.
فإن قيل: ومن أين أنّه أمرهم بالسجود على جهة التقديم والتعظيم؟
قلنا: لا يخلو تعبّدهم بالسجود له من أن يكون على سبيل القبلة والجهة من غير أن يقترن به تعظيم وتقديم، أو يكون على ما ذكرناه.
فإن كان الأوّل لم يجز أنفة إبليس من السجود وتكبّره عنه؛ وقوله: أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ،. وقوله: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ؛.
والقرآن كله ناطق بأن امتناع إبليس من السجود إنما هو لاعتقاده التفضيل به والتكرمة، فلو لم يكن الأمر على هذا لوجب أن يردّه الله تعالى عنه، ويعلمه أنّه ما أمره بالسجود على وجه تعظيمه له ولا تفضيله؛ بل على الوجه الآخر الّذي لا حظّ للتفضيل فيه؛ وما جاز إغفال ذلك، وهو سبب معصية إبليس وضلالته؛ فلما لم يقع ذلك دلّ على أن الأمر بالسجود لم يكن إلا على جهة التفضيل والتعظيم. وكيف يقع شكّ فى أنّ الأمر على ما ذكرناه؛ وكلّ نبىّ أراد تعظيم آدم ﵇، ووصفه بما اقتضى الفخر والشرف ونعته بإسجاد الملائكة له؛ وجعل ذلك من أعظم فضائله؛ وهذا مما لا شبهة فيه.
فأمّا اعتماد بعض أصحابنا فى تفضيل الأنبياء على الملائكة على أن المشقة فى طاعة الأنبياء ﵈ أكثر وأوفر من حيث كانت لهم شهوات فى القبائح، ونفار عن الواجبات فليس بمعتمد؛ لأنّا نقطع على أنّ مشاق الأنبياء أعظم من مشاقّ الملائكة فى التكليف؛ والشكّ فى مثل ذلك واجب، وليس كلّ شيء لم يظهر لنا ثبوته وجب القطع على انتفائه. ونحن نعلم على الجملة أن الملائكة إذا كانوا مكلّفين فلا بدّ من أن تكون عليهم مشاقّ فى تكليفهم، ولولا ذلك ما استحقوا ثوابا على طاعاتهم. والتكليف إنما يحسن فى كلّ مكلّف تعريضا للثواب؛ ولا يكون التكليف شاقّا عليهم إلا وتكون لهم شهوات فيما حظر عليهم، ونفار عما أوجب.
وإذا كان الأمر على هذا فمن أين يعلم أن مشاقّ الأنبياء ﵈ أكثر من
مشاق الملائكة؟ وإذا كانت المشقّة عامّة لتكليف الأمة، ولا طريق إلى القطع على زيادتها فى تكليف بعض، ونقصانها فى تكليف آخرين فالواجب التوقّف والشك.
ونحن الآن نذكر شبه من فضّل الملائكة على الأنبياء ﵈، ونتكلم عليها بعون الله.
فما تعلّقوا به فى ذلك قوله تعالى حكاية عن إبليس مخاطبا لآدم وحواء ﵉:
ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ؛، فرغّبهما فى التناول من الشّجرة ليكونا فى منزلة الملائكة، حتى تناولا وعصيا.
وليس يجوز أن يرغب عاقل فى أن يكون على منزلة هى دون منزلته؛ حتى يحمله ذلك على خلاف الله تعالى ومعصيته؛ وهذا يقتضي فضل الملائكة على الأنبياء ﵈.
وتعلقوا أيضا بقوله تعالى: لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ؛، وتأخير ذكر الملائكة فى مثل هذا الخطاب يقتضي تفضيلهم؛ لأنّ العادة إنما جرت بأن يقال: لن يستنكف الوزير أن يفعل هذا ولا الخليفة، فيقدّم الأدون ويؤخر الأعظم؛ ولم يجز بأن يقال: لن يستنكف الأمير أن يفعل كذا ولا الحارس؛ وهذا
يقتضي تفضيل الملائكة ﵈.
وتعلّقوا بقوله تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا؛؛ قالوا: وليس بعد بنى آدم مخلوق يستعمل فى الخبر عنه لفظة «من» التى لا تستعمل إلا فى العقلاء إلا الجن والملائكة؛ ولمّا لم يقل: «وفضلناهم» على «من» بل قال: عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا علم أنّه إنّما أخرج الملائكة عمّن فضّل بنى آدم عليه؛ لأنّه لا خلاف فى أنّ بنى آدم
أفضل من الجن؛ وإذا كان وضع الخطاب يقتضي مخلوقا لم يفضّل بنو آدم عليهم؛ فلا شبهة فى أنهم الملائكة.
وتعلقوا بقوله تعالى: وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ، وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ؛، فلولا أن حال الملائكة أفضل من حال النبىّ لما قال ذلك.
فيقال لهم فيما تعلقوا به أولا: لم زعمتم أن قوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ معناه أن تصيرا وتنقلبا إلى صفة الملائكة؛ فإنّ هذه اللفظة ليست صريحة لما ذكرتم؛ بل أحسن الأحوال أن تكون محتملة له.
وما أنكرتم أن يكون المعنى أنّ المنهىّ عن تناول الشجرة غير كما؛ وأن النهى يختص الملائكة والخالدين دونكما؟ ويجرى ذلك مجرى قول أحدنا لغيره: ما نهيت عن كذا إلا أن تكون فلانا؛ وإنما يعنى أن المنهىّ هو فلان دونك؛ ولم يرد إلا أن تنقلب فتصير فلانا.
ولما كان غرض إبليس إيقاع الشبهة لهما، فمن أوكد الشّبه إيهاما أنهما لم ينهيا وإنّما المنهىّ غيرهما.
ومن وكيد ما تفسد به هذه الشبهة أن يقال: ما أنكرتم أن يكونا رغبا فى أن ينقلا إلى صفة الملائكة وخلقهم كما رغّبهما إبليس فى ذلك! ولا تدلّ هذه الرغبة على أنّ الملائكة أفضل منهما؛ لأنه بالتقلّب إلى خلقة غيره لا ينقلب ولا يتغير بانقلاب الصورة والخلق؛ فإنه إنما يستحق على الأعمال دون الهيئات.
وغير ممتنع أن يكونا رغبا فى أن يصيرا على هيئة الملائكة وصورها؛ وليس ذلك برغبة فى الثواب ولا الفضل؛ فإن الثواب لا يتبع الهيئات والصّور، ألا ترى أنهما رغبا فى أن يكونا من الخالدين؛ وليس الخلود مما يقتضي مزيّة فى ثواب ولا فضلا فيه؛ وإنما هو نفع عاجل؛ فكذلك لا يمتنع أن تكون الرغبة منهما فى أن يصيرا ملكين إنّما كانت على هذا الوجه.
ويمكن أن يقال للمعتزلة خاصة وكلّ من أجاز على الأنبياء الصغائر: ما أنكرتم أن يكونا اعتقدا أن الملك أفضل من النبىّ وغلطا فى ذلك، وكان منهما ذنبا صغيرا؛ لأنّ الصغائر عندكم تجوز على الأنبياء؟ ومن أين لكم إذا اعتقدا أن الملائكة أفضل من الأنبياء، ورغبا فى ذلك أنّ الأمر على ما اعتقداه مع تجويزكم عليهم الذنوب؟
وليس لهم أن يقولوا: إنّ الصغائر إنما تدخل فى أفعال الجوارح دون القلوب؛ لأنّ ذلك تحكّم بغير برهان.
وليس يمتنع على أصولهم أن تدخل الصغائر فى أفعال القلوب والجوارح معا؛ لأنّ حدّ الصغير عندهم ما نقص عقابه عن ثواب طاعات فاعله. وليس يمتنع معنى هذا الحدّ فى أفعال القلوب كما لا يمتنع فى أفعال الجوارح.
ويقال لهم فيما تعلقوا به ثانيا: ما أنكرتم أن يكون هذا القول إنما توجّه إلى قوم اعتقدوا أن الملائكة أفضل من الأنبياء؛ فأخرج الكلام على حسب اعتقادهم، وأخّر ذكر الملائكة لذلك؟ ويجرى هذا القول مجرى قول من قال منا لغيره: لن يستنكف أبى أن يفعل كذا ولا أبوك؛ وإن كان القائل يعتقد أن أباه أفضل؛ وإنما أخرج الكلام على حسب اعتقاد المخاطب لا المخاطب.
ومما يجوز أن يقال أيضا: إنه لا تفاوت فى الفضل بين الأنبياء والملائكة؛ وإن ذهبنا إلى أن الأنبياء أفضل منهم؛ ومع التقارب والتدانى يحسن أن يؤخّر ذكر الأفضل الّذي لا تفاوت بينه وبين غيره فى الفضل؛ وإنما مع التفاوت والتدانى لا يحسن ذاك، ألا ترى أنه يحسن أن يقول القائل: ما يستنكف الأمير فلان من كذا؛ ولا الأمير فلان من كذا؛ وإن كان متساويين، متناظرين أو متقاربين، ولا يحسن أن يقول: ما يستنكف الأمير من كذا ولا الحارس لأجل التفاوت.
وأقوى من هذا أن يقال: إنما أخّر ذكر الملائكة عن ذكر المسيح لأنّ جميع الملائكة
أكثر ثوابا لا محالة من المسيح منفردا؛ وهذا لا يقتضي أن كلّ واحد منهم أفضل من المسيح ﵇؛ وإنما الخلاف فى ذلك.
ويقال لهم فيما تعلقوا به ثالثا: ما أنكرتم أن يكون المراد بقوله تعالى: عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا أنّا فضّلناهم على من خلقنا وهم كثير؛ ولم يرد التبعيض؛ ويجرى ذلك مجرى قوله تعالى: وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا؛ معناه: لا تشتروا بها ثمنا قليلا، وكلّ ثمن تأخذونه عنها قليل؛ ولم يرد التخصيص والمنع من الثمن القليل خاصة؛ ومثله قول الشاعر:
من أناس ليس فى أخلاقهمعاجل الفحش ولا سوء الجزع
وإنما أراد نفى الفحش كلّه عن أخلاقهم؛ وإن وصفه بأنه عاجل، ونفى الجزع عنها وإن وصفه بالسّوء؛ وهذا من
غريب البلاغة ودقيقها؛ ونظائره فى الشعر والكلام الفصيح لا تحصر.
وقد كنا أملينا فى تأويل هذه الآية كلاما مفردا استقصيناه وشرحنا هذا الوجه، وأكثرنا من ذكر أمثلته.
ووجه آخر فى تأويل هذه الآية؛ وهو أنّه غير ممتنع أن يكون جميع الملائكة أفضل من جميع بنى آدم؛ وإن كان فى جملة بنى آدم من الأنبياء ﵈ من يفضل كلّ واحد منهم على كلّ واحد من الملائكة؛ لأنّ الخلاف إنما هو فى فضل كلّ بنى آدم على كلّ ملك.
وغير ممتنع أن يكون جميع الملائكة فضلاء، يستحقّ كلّ واحد منهم الجزيل الأكثر من الثواب؛ فيزيد ثواب جميعهم على ثواب جميع بنى آدم؛ لأنّ الأفاضل من بنى آدم أقلّ عددا؛ وإن كان فى بنى آدم آحاد؛ كلّ واحد منهم أفضل من كلّ واحد من الملائكة.
ووجه آخر: ومما يمكن أن يقال فى هذه الآية أيضا أنّ مفهوم الآية إذا تؤمّلت
يقتضي أنه تعالى لم يرد الفضل الّذي هو زيادة الثواب؛ وإنما أراد النّعم والمنافع الدنياوية؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ؛ والكرامة إنما هى الترفيه وما يجرى مجراه.
ثم قال: وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ؛ ولا شبهة فى أنّ الحمل لهم فى البر والبحر ورزق الطيبات خارج مما يستحقّ به الثواب، ويقتضي التفضيل الّذي وقع إطلاقه فيه. ويجب أن يكون ما عطف عليه من التفضيل داخلا فى هذا الباب، وفى هذا القبيل؛ فإنّه أشبه من أن يكون المراد به غير ما سياق الآية وارد به، ومبنىّ عليه.
وأقل الأحوال أن تكون لفظة فَضَّلْناهُمْ محتملة للأمرين؛ فلا يجوز الاستدلال بها على خلاف ما نذهب إليه.
ويقال لهم فيما تعلقوا به رابعا: لا دلالة فى هذه الآية على أنّ حال الملائكة أفضل من حال الأنبياء؛ لأن الغرض فى الكلام إنما هو نفى ما لم يكن عليه؛ لا التفضيل لذلك على ما هو عليه؛ ألا ترى أن أحدنا لو ظنّ أنه على صفة الملائكة- وهو ليس عليها- جاز أن ينفيها عن نفسه بمثل هذا اللفظ؛ وإن كان على أحوال هى أفضل من تلك الحال وأرفع.
وليس يجب إذا انتفى مما تبرّأ منه من علم الغيب، وكون خزائن الله تعالى عنده أن يكون فيه فضل أن يكون ذلك معتمدا فى كل ما يقع النفى له، والتبرؤ منه.
وإذا لم يكن ملكا كما لم يكن عنده خزائن الله تعالى جاز أن ينتفى من الأمرين من غير ملاحظة؛ لأنّ حاله دون
هاتين الحالتين.
ومما يوضّح هذا ويزيل الإشكال فيه أنّه تعالى حكى عنه قوله فى آية أخرى: وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً؛، ونحن نعلم أنّ هذه منزلة غير جليلة؛ وهو على كلّ حال أرفع منها وأعلى؛ فما المنكر أن يكون نفى الملكيّة عنه فى أنه لا يقتضي أنّ حاله دون حال الملك بمنزلة نفى هذه المنزلة! والتعلّق بهذه الآية ضعيف جدا؛ وفيما أوردناه كفاية وبالله التوفيق.
تفسير البيت الّذي ذكره السيد بن محمد الحميرىّ فى قصيدته المذهّبة، وهو:
ردّت عليه الشمس لما فاتهوقت الصّلاة وقد دنت للمغرب
قال رضى الله عنه: هذا خبر عن رد الشمس له ﵇ فى حياة النبىّ صلى الله عليه وآله؛ لأنه روى أن النبىّ صلى الله عليه وآله كان نائما، ورأسه فى حجر أمير المؤمنين ﵇؛ فلما حان وقت صلاة العصر كره أن ينهض لأدائها، فيزعج النبىّ صلى الله عليه وآله من نومه، فلما مضى وقتها وانتبه النبي ﵇ دعا الله تعالى بردّها له فردّها، فصلّى ﵇ الصلاة فى وقتها.
فإن قيل: هذا يقتضي أن يكون ﵇ عاصيا بترك الصلاة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أحدهما أنه إنما يكون عاصيا إذا ترك الصلاة بغير عذر، وإزعاج النبىّ ﵇ وترويعه لا ينكر أن يكون عذرا فى ترك الصلاة.
فإن قيل: الأعذار فى ترك جميع أفعال الصلاة لا تكون إلا بفقد العقل والتمييز، كالنوم والإغماء وما شاكلهما، ولم يكن ﵇ فى تلك الحال بهذه الصفة؛ فأما الأعذار التى يكون معها العقل والتمييز ثابتين؛ كالزّمانة، والرّباط والقيد، والمرض الشديد، واشتداد القتال؛ فإنما يكون عذرا فى استيفاء أفعال الصلاة، وليس بعذر فى تركها أصلا، فإنّ كلّ معذور ممن ذكرناه يصلّيها على حسب طاقته؛ ولو بالإيماء.
قلنا: غير منكر أن يكون ﵇ صلّى مومئا وهو جالس؛ لما تعذّر عليه القيام، إشفاقا من إزعاجه صلى الله عليه وآله؛ وعلى هذا تكون فائدة ردّ الشمس ليصلّى مستوفيا لأفعال الصلاة؛ ولتكون أيضا فضيلة له، ودلالة على علوّ شأنه.
والجواب الآخر أن الصّلاة لم تفته بمضىّ جميع وقتها؛ وإنما فاته ما فيه الفضل والمزية من أول وقتها.
ويقوّى هذا الوجه شيئان: أحدهما الرواية الأخرى؛ لأن قوله: «حين تفوته» صريح فى أن الفوت لم يقع؛ وإنما قارب وكاد؛ والأمر الآخر قوله: «وقد دنت للمغرب» يعنى الشمس؛ وهذا أيضا يقتضي أنها لم تغرب وإنما دنت للغروب.
فإن قيل: إذا كانت لم تفته؛ فأىّ معنى للدعاء بردّها حتى يصلّى فى الوقت؛ وهو قد صلّى فيه!
قلنا: الفائدة فى ردّها ليدرك فضيلة الصلاة فى أول وقتها؛ ثم ليكون ذلك دلالة على سموّ مجده، وجلالة قدره فى خرق العادة من أجله.
فإن قيل: إذا كان النبي صلى الله عليه وآله هو الداعى بردّها له؛ فإن العادة انخرقت للنبىّ ﵇ لا لغيره.
قلنا: إذا كان النبىّ ﵇ إنما دعا بردّها لأجل أمير المؤمنين ﵇، وليدرك ما فاته من فضل الصلاة فشرف انخراق العادة والفضيلة به ينقسم بينهما ﵉.
فإن قيل: كيف يصحّ ردّ الشمس، وأصحاب الهيئة والفلك يقولون إن ذلك محال لا تناله قدرة! وهبه كان جائزا على مذاهب أهل الإسلام، أليس لو ردّت الشمس من وقت الغروب إلى وقت الزوال لكان يجب أن يعلم أهل الشرق والغرب بذلك؛ لأنها تبطئ فى الطلوع على بعض البلاد؛ فيطول ليلهم على وجه خلاف العادة، ويمتد من نهار قوم
آخرين ما لم يكن ممتدا؟
ولا يجوز أن يخفى على أهل البلاد غروبها ثم عودها طالعة بعد الغروب، وكانت الأخبار تنتشر بذلك، ويؤرّخ هذا الحادث العظيم فى التواريخ، ويكون أبهر وأعظم من الطوفان.
قلت: قد دلت الدّلالة الصحيحة الواضحة على أن الفلك وما فيه من شمس وقمر ونجوم غير متحرك لنفسه ولا طبيعة؛ على ما يهذى به القوم؛ وإن الله تعالى هو المحرّك له، والمتصرف باختياره فيه؛ وقد استقصينا الحجج على ذلك فى كثير من كتبنا؛ وليس هذا موضع ذكر.
فأما علم أهل الشرق والغرب والسهل والجبل بذلك على ما مضى فى السؤال فغير واجب؛ لأنا لا نحتاج إلى القول بأنها ردّت من وقت الغروب إلى وقت الزوال وما يقاربه على ما مضى فى السؤال؛ بل نقول: إن وقت الفضل فى صلاة العصر هو ما يلى، بلا فصل زمان أداء المصلّى فرض الظهر أربع ركعات عقيب الزوال؛ وكلّ زمان وإن قصر وقلّ يجاوز هذا الوقت؛ فذلك الفضل فائت فيه. وإذا ردّت الشمس له هذا القدر اليسير الّذي نفرض أنه مقدار ما يؤدّى فيه ركعة واحدة خفى على أهل الشرق والغرب ولم يشعروا به؛ بل هو مما يجوز أن يخفى على من حضر الحال وشاهدها؛ إن لم ينعم النظر والتنقير عنها، فبطل السؤال على جوابنا الثانى المبنى على فوت الفضيلة.
فأما الجواب الآخر المبنىّ على أنها كانت فاتت بغروبها للعذر الّذي ذكرناه فالسؤال أيضا باطل عنه؛ لأنه ليس بين مغيب جميع قرص الشمس فى الزمان، وبين مغيب بعضها وظهور بعضها إلا زمان يسير قصير؛ يخفى فيه رجوع الشمس بعد مغيب جميع قرصها إلى ظهور بعضها على كل قريب وبعيد. ولا يفطن إذا لم يعرف سبب ذلك على وجه خارق للعادة؛ ومن فطن بأن ضوء الشمس غاب، ثم عاد بعضه جوّز أن يكون ذلك لغيم أو حائل.
تفسير قول السيد فى هذه القصيدة أيضا:
وعليه قد حبست ببابل مرّةأخرى، وما حبست لخلق معرب
هذا البيت يتضمن الإخبار عن ردّ الشمس ببابل على أمير المؤمنين ﵇؛ والرواية بذلك مشهورة؛ وأنّه ﵇ لما فاته وقت العصر ردّت له الشمس حتى صلّاها فى وقتها، وخرق العادة هاهنا لا يمكن نسبه إلى غيره ﵇؛ كما أمكن ذلك فى أيام النبىّ ﵇؛ والصحيح فى فوت الصلاة هاهنا أحد الوجهين اللذين
تقدّم ذكرهما فى ردّ الشمس على عهد النبي صلى الله عليه وآله، وهو أن فضيلة أول الوقت فاتته لضرب من الشّغل، فردّت عليه الشمس، ليدرك الفضيلة بالصّلاة فى أول الوقت. وقد بيّنا هذا الوجه فى تفسير البيت الّذي أوله: «ردّت عليه الشمس»، وأبطلنا قول من يدّعى أنّ ذلك كان يجب أن يعمّ الخلق فى الآفاق معرفته؛ حتى يدوّنوه ويؤرّخوه.
فأما من ادّعى أن الصلاة فاتته بأن تقضّى جميع وقتها؛ إما لتشاغله بتعبئة عسكره، أو لأن بابل أرض خسف لا يجوز الصلاة عليها فقد أبطل؛ لأنّ الشّغل بتعبئة العسكر لا يكون عذرا فى فوت صلاة فريضة؛ وإن أمير المؤمنين ﵇ أجلّ قدرا، وأثمن دينا من أن يكون ذلك عذرا له فى فوت فريضة.
وأما أرض الخسف فإنما تكره الصلاة فيها مع الاختيار؛ فإذا لم يتمكن المصلّى من الصّلاة فى غيرها، وخاف فوت الوقت وجب أن يصلّى فيها، وتزول الكراهية.
فأما قول الشاعر: «وعليه قد حبست ببابل» فالمراد ب «حبست» ردّت؛ وإنما كره أن يعيد لفظة الردّ لأنها قد تقدمت.
فإن قيل: «حبست» بمعنى وقفت، ومعناه يخالف معنى «ردّت».
قلنا: المعنيان هاهنا واحد؛ لأنّ الشمس إذا ردّت إلى الموضع الّذي تجاوزته فقد حبست عن السير المعهود وقطع الأماكن المألوفة.
فأما المعرب فهو الناطق الفصيح بحجته؛ يقال: أعرب فلان عن كذا إذا أبان عنه.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع