من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
تأويل آية [قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً؛.
وكيف يجوز أن يكون من جملة ما حرّم علينا ألّا نشرك به شيئا؛ والأمر بالعكس من ذلك.
الجواب، قيل له: هذا السؤال سؤال من لا تأمل عنده بموضوع الآية وترتيب خطابها؛ لأنّ التحريم المذكور فيها لا يجوز البتّة على مذهب أهل العربية أن يكون متعلّقا بقوله: أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً؛ وإنما هو من صلة الجملة الأولى؛ ولو تعلّق التحريم المذكور بقوله: أَلَّا تُشْرِكُوا لم يخل أن يكون تعلّقه به تعلق الفاعل أو المفعول؛ وكأنه قال: حرّم ألا تشركوا، أو المبتدأ والخبر؛ فكأنه قال: الّذي حرم ربّكم عليكم ألّا تشركوا.
والتعلّق الأول يمنع منه أن لفظة حرم من صلة لفظ ما التى هى بمعنى الّذي؛ فلا تعمل فيما بعدها؛ ألا ترى أنّك إذا قلت: حرّمت كذا، فالتحريم عامل فيما بعده عمل الفعل فى المفعول؛ فإذا قلت: الّذي حرّمت كذا بطل هذا المعنى، ولم يجز أن يكون التحريم متعلّقا بما بعده على معنى الفعلية؛ بل على سبيل المبتدأ والخبر.
ولا يجوز أن يكون فى الآية التعلّق على هذا الوجه؛ لأنّ صدر الكلام يمنع من ذلك؛ ألا ترى أنه تعالى قال: أَتْلُ ما حَرَّمَ ف ما حَرَّمَ منصوب، لأنه مفعول أَتْلُ؛ وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون ما حَرَّمَ مبتدأ حتى يكون أَلَّا تُشْرِكُوا خبرا له.
وإذا بطل التعلّق بين الكلام من كلا الوجهين نظرنا فى قوله تعالى: أَلَّا تُشْرِكُوا ماذا
يتعلق به؟ واحتجنا إلى إضمار متعلّق به؛ ولم يجز أن نضمر «حرّم» ألا تشركوا به؛ لأن ذلك واجب غير محرّم؛ فيجب أن يضمر «ما أوصاكم» ألا تشركوا به شيئا، أو «أتل عليكم» ألا تشركوا. والإضمار الأول يشهد له آخر الآية فى قوله تعالى: ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، والإضمار الثانى يشهد له أوّل الآية من قوله تعالى: أَتْلُ وما وصانا به فقد أمرنا به وندبنا إليه.
فإن قيل: فما موضع «أن» من الإعراب؟
قلنا: فى ذلك وجوه ثلاثة:
أحدها الرفع؛ ويكون التقدير: ذلك ألّا تشركوا به شيئا؛ فكأنه مبتدأ وخبر.
والثانى النّصب؛ إما على أوصى ألا تشركوا، أو على اتل ألّا تشركوا.
والثالث ألّا يكون لها موضع، ويكون المعنى: لا تشركوا به شيئا.
فأما موضع تُشْرِكُوا فيمكن فيه وجهان:
النصب ب «أن»؛ والثانى الجزم ب «لا» على جهة النهى.
فإن قيل كيف يعطف النهى فى قوله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ على الخبر وهو أوصى أَلَّا تُشْرِكُوا.
قلنا: ذلك جائز؛ مثل قوله تعالى: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ؛؛ ومثله قول الشاعر:
حج وأوصى بسليمى الأعبداألّا ترى ولا تكلّم أحدا
ولا يزل شرابها مبرّدا
فعطف «لا تكلّم» - وهو نهى- على الخبر.
ويمكن فى الآية وجه غير مذكور فيها، والكلام يحتمله؛ وهو أن يكون الكلام قد انقطع عند قوله تعالى: أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ والوقف هاهنا، ثم ابتدأ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً.
وإذا كانت على هذا الوجه احتمل: عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا وجهين:
أحدهما أن يراد به: يلزمكم وواجب عليكم ذلك؛ كما يقال: عليك درهم، وعليك أن تفعل كذا، ثم قال: وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً، أى أوصى بالوالدين إحسانا.
والوجه الآخر أن يريد الإغراء؛ كما تقول: عليك زيدا، وعليك كذا إذا أمرت بأخذه والبدار إليه.
ولم يبق بعد هذا إلا سؤال واحد؛ وهو أن يقال: كيف يجوز أن يقول تعالى: أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ، ثم يأتى بذكر أشياء غير محرمات حتى تقدروا لها الوصية أو الأمر، وصدر الكلام يقتضي أنّ الّذي يأتى به من بعد لا يكون إلا محرّما؟ ألا ترى أن القائل إذا قال: تعال أتل عليك ما وهبت كذا وكذا، لا بدّ أن يكون ما يعدّده ويذكره من الموهوبات؛ وإلا خرج الكلام من الصحّة.
الجواب عن ذلك أن التحريم لما كان إيجابا وإلزاما أتى ما بعده من المذكورات على المعنى دون اللفظ بذكر الأمور الواجبات والمأمورات للاشتراك فى المعنى. وأيضا فإن فى الإيجاب والإلزام تحريما؛ ألا ترى أنّ الواجب محرم الترك، وكلّ شيء ذكر بعد لفظ التحريم فيه على بعض الوجوه تحريم.
فإن قيل: ألّا حملتم الآية على ما حملها قوم عليه من أن لفظة «لا» زائدة فى قوله: أَلَّا تُشْرِكُوا، فكأنه ﷿ حرّم أن تشركوا به؛ واستشهد على زيادة «لا» بقوله تعالى:
ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ؛، وبقول الشاعر:
فما ألوم البيض ألا تسخرالما رأين الأشمط القفندرا
وبقول الشاعر:
ألا يا لقوم قد أشطّت عواذلىويزعمن أن أودى بحقّى باطلى
ويلحيننى فى اللهو إلا أحبّةوللهو داع دائب غير غافل
قلنا: قد أنكر كثير من أهل العربية زيادة «لا» فى مثل هذا الموضع، وضعّفوه وحملوا قوله: ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ على أنه خارج على المعنى؛ والمراد به: ما دعاك إلى ألا تسجد! ومن أمرك بألّا تسجد! لأن من منع من شيء فقد دعى إلى ألا يفعل.
ومتى حملنا قوله تعالى: أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً على أن لفظة «لا» زائدة على تضعيف قوم لذلك فلا بدّ فيما اتصل به هذا الكلام من تقدير فعل آخر؛ وهو قوله تعالى:
وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً؛ لأن ذلك لا يجوز أن يكون معطوفا على المحرّم؛ ولا بدّ من إضمار:
«ووصينا بالوالدين إحسانا». وإذا احتجنا إلى هذا الإضمار ولم يغننا عنه ما ارتكبناه من زيادة لفظة «لا»، فالأولى أن نكتفى بهذا الإضمار فى صدر الكلام على حاله من غير إلغاء شيء منه، ونقدر ما تقدّم بيانه؛ فكأنه تعالى وصّى ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا. ويشهد لذلك ويقوّيه آخر الآية.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع