تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

مسألة (١٥)

إن سأل سائل عن قوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا، فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ، وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ؛.

فقال: أىّ معنى لقوله تعالى: أَوْرَثْنَا؟ وما الكتاب المشار إليه؟ وإذا كان الاصطفاء هو الاختيار والاجتباء- وذلك لا يليق إلا بمن هو معصوم مأمون منه القبيح كالأنبياء والأئمة ﵈ فكيف قال بعد ذلك: فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ، وهنا وصف لا يليق بمن ذكرناه؟

الجواب، إن الّذي يجب اعتماده فى تأويل هذه الآية أن قوله تعالى: فَمِنْهُمْ ترجع الكناية فيه إلى العباد؛ لا إلى الذين اصطفوا؛ وهو أقرب إليه فى الذكر، فكأنه تعالى قال: ومن عبادنا ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات.

فإن قيل: فأىّ فائدة فى وصف العباد بهذه القسمة؟ وكيف عدل عن وصف الذين اصطفاهم، وورّثهم الكتاب؟

قلنا: الوجه فى ذلك ظاهر؛ لأنّه تعالى لما علّق توريث الكتاب بمن اصطفاهم من عباده أراد أن يبيّن وجه الاختصاص؛ وإنما علّق وراثة الكتاب ببعض العباد دون بعض؛ لأنّ فى العباد من هو ظالم لنفسه، ومن هو مقتصد، ومن هو سابق بالخيرات؛ فوجه المطابقة بين الكلام واضح.

ونحن الآن متبعون ما قيل فى تأويل هذه الآية؛ وموضّحون عمّا فيه من صحة أو اختلال.

ذكر أبو عليّ الجبّائى ومن تابعه أنّ المراد بالذين اصطفوا الأنبياء ﵈، والظالم لنفسه من ارتكب الصغيرة منهم؛ وإنما وصف بذلك من حيث فوّت نفسه الثواب الّذي زال عنه بفعل الصغيرة؛ ويؤدّى سائر الواجبات. والسابق إلى الخير هو الّذي استكثر من فعل النوافل؛ وهذا التأويل يفسد من جهة أنّ الدليل قد دلّ على أنّ الأنبياء

عليهم السلام لا يقع منهم شيء من المعاصى والقبائح. وقد أشبعنا الكلام فى ذلك فى كتابنا المعروف «بتنزيه الأنبياء والأئمة» ﵈.

ولو عدلنا عن ذلك لم يجز ما قاله؛ لأنّ قولنا: فلان ظالم لنفسه من أوصاف الذمّ، والذمّ لا يستحقّه فاعل الصغيرة؛ فكيف تجرى عليه أوصاف الذم؟ ولا شبهة فى أن قولنا:

فلان ظالم لنفسه من أوصاف الذم؛ لأنهم يقولون فى كلّ من فعل قبيحا: إنه قد ظلم، من حيث فعل ما يستحقّ به العقاب؛ وكأنه أدخل على نفسه ضررا ما كان يستحقّه، فأشبه بذلك الظالم لغيره.

ولا يجوز أن يوصف فاعل الصغيرة بأنّه ظالم لنفسه من حيث فوّت نفسه الثواب؛ لأنّه إن عنى بذلك الثواب الّذي يبطل بعقاب الصغيرة، فعند أبى عليّ أن الصغيرة ينحبط عقابها بالثواب الكثير؛ من غير أن ينقص من الثواب شيء؛ لأنه لا يذهب إلى الموازنة التى يذهب إليها أبو هاشم، فما فوّتت الصغيرة عنده ثوابا كان مستحقّا له، وإن عنى بتفويت الثواب أنّه لو لم يفعل هذه المعصية لكان يستحقّ على الامتناع منها ثوابا فإنه يفعلها. فهذا يوجب أن يكون الأنبياء ﵈ فى كل حال مفوّتين لأنفسهم الثواب بفعل المباحات؛ لأنهم لو فعلوا الطاعات بدلا منها لاستحقّوا الثواب، ولوجب أن يوصفوا على الفائتة بأنهم ظالمون لأنفسهم.

على أنّ وضع الكلام وترتيبه يقتضيان أنّ الظالم لنفسه فى الآية فى موضع ذمّ، لأنه تعالى جعله بإزاء المقتصد، وليس بإزاء المقتصد إلا المسرف المذموم.

فإن قيل: فقد قلتم فى تأويل حكايته تعالى عن آدم وحوّاء ﵉ قولهما رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا،: إنما أراد أنّا نقصناها الثواب الّذي كنا نستحقّه لو فعلنا ما ندبنا إليه من الامتناع من تناول الشجرة.

قلنا: إنما قلنا ذلك هناك، وعدلنا عن الظاهر فى هذه اللفظة لقيام الدليل أن النبىّ ﵇ لا يواقع المحظور، كبيرا ولا صغيرا من الذنوب. وليس فى الآية التى نحن فى الكلام عليها ضرورة توجب العدول عن الظاهر، بل قد بينا أن ترتيب الكلام ومقابلته

يقتضيان أن لفظة ظالِمٌ لِنَفْسِهِ فى الآية تقتضى الذم، لأنها بإزاء المقتصد.

على أنه غير ممتنع أن تكون لفظة «ظلم» بخلاف لفظة ظالم فى عرف الاستعمال، كما أن عند مخالفنا أن لفظة «آمن» بخلاف لفظة «مؤمن»، لأنهم يصفون صاحب الكبيرة بأنه آمن ولا يسمّونه بأنه مؤمن، ويزعمون أن الانتقال عن الاشتقاق إلى إفادة استحقاق الثواب إنما هو فى مؤمن دون آمن، فلا ينبغى أن ينكروا مثل ذلك فى ظلم

وظالم.

وتأول قوم هذه الآية على أنّ المراد من اختاره الله تعالى للتكليف، وتوريث الكتاب من العقلاء البالغين، ثم قسّمهم الأقسام التى تليق بهم، من غير أن يكون المراد بالآية الأنبياء ﵈.

وهذا الجواب يفسد، لأن الله تعالى يقول: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا، ومن اصطفاه الله واختاره واجتباه بالإطلاق لا يكون إلا ممدوحا معظّما، فكيف يكون فيهم من يستحق الذم والعقاب؟ ومن يختار الله تكليفه شيئا مخصوصا لا يقال بالإطلاق إن الله تعالى اصطفاه. والمعتزلة أبدا تنكر على المرجئة تأويلهم قوله تعالى:

وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى؛، على أن المراد من ارتضى الشفاعة فيه، ويقولون: من ارتضى شيئا يتعلق به لا يوصف بأنه مرتضى على الإطلاق، فكيف يثبتونه هاهنا.

ووجدت أبا قاسم البلخىّ يقول فى كتابه تفسير القرآن: " إنه تعالى أراد العقلاء البالغين ويجوز أن يكونوا عند الاصطفاء أخيارا أتقياء ثم ظلم بعضهم نفسه؛ فيكون كما قال تعالى:

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ؛؛ وهو فى وقت الارتداد غير مؤمن. كذلك يكون فى حال ظلمه نفسه ليس من المصطفين". قال: " ويجوز أيضا أن يكون فيهم من ظلم نفسه ثم تاب وأصلح؛ ويكون قوله: فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ، أى منهم من كان قد ظلم نفسه؛ ليس أنه فى هذا الوقت ظالم لها".

هذه ألفاظه بعينها حكيناها عنه؛ وهذا فاسد؛ لأن من كان منهم ظالما فاعلا للقبيح

لا يوصفون على الإطلاق بأن الله تعالى اصطفاهم. فهذا الوصف يقتضي أن تكون الجماعة أخيارا. وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ بخلاف هذا؛ لأنّ وصفهم بأنهم آمنوا فى الماضى لا يمنع من الردّة فى المستقبل؛ وقوله تعالى: الَّذِينَ اصْطَفَيْنا يمنع أن يكون فيهم من ليست هذه صفته.

وأما حمل ذلك على من ظلم ثم تاب فهو غير صحيح؛ لأنّ من تاب لا يوصف بعد التوبة بأنه ظالم لنفسه؛ لأن التوبة تمنع من إجراء ألفاظ الذم.

ووجدت بعضهم يتأوّل هذه الآية على أن المراد ب ظالِمٌ لِنَفْسِهِ من جهد نفسه فى العبادة وحمل عليها؛ وقال: هذا يليق بأوصاف الأنبياء ﵈، ولا تمنع النبوّة منه.

وهذا أيضا غير صحيح؛ لأنا قد بينا أن لفظة ظالِمٌ لِنَفْسِهِ يذمّ بها فى التعارف، فكيف تجرى على المدح! ومن هذا الّذي يسمى من جهد نفسه فى العبادة بأنّه ظالم نفسه بالإطلاق!

على أن السابق إلى الخيرات هو المجتهد فى العبادة، الحامل على نفسه فيها، فأىّ معنى للتكرار؟ وهذا تأويل يفسد

القسمة، وهذه الجملة توضّح أن التأويل الصحيح ما قدمناه.

فأما قوله تعالى الْكِتابَ فالظاهر أنه كناية عن القرآن المنزّل على رسول الله صلى الله عليه وآله؛ فقد صارت هذه اللفظة بالإطلاق عبارة عنه؛ ولهذا إذا أطلق القائل فقال:

هذا ينطق به الكتاب، ومحرّم فى الكتاب، وورد فى الكتاب لم يفهم منه إلا ما ذكرناه.

ومعنى أَوْرَثْنَا يعنى علمه وفوائده وأحكامه؛ وليس يليق ذلك بالأنبياء المتقدمين؛ فإنه لا حظّ لهم فى علم هذا الكتاب؛ وإنما يختص بهذه الفائدة نبيّنا ﵇ والأئمة من ولده ﵈؛ لأنهم المتعبّدون بحفظه وبيانه، والعمل بأحكامه.

وذلك كلّه واضح بحمد الله ومنّه.

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من تكملة أمالى المرتضى

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.