تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

تأويل آية [وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ]

إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ؛.

الجواب، قلنا: أما الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ فالمراد به ما كان يعتقده المشركون، ويدعونه إلها من دون الله. والهاء فى دُونِهِ راجعة إلى اسم الله تعالى. وتحقيق الكلام:

ولا يملك الذين يدعون إلها وأربابا من دون الله تعالى الشفاعة. ولما كثر استعمال هذه اللفظة فيمن يعبد من دون الله، ويدعى إلها رازقا استحسنوا الحذف لظهور الأمر فى المراد؛ ولهذا حمل محققو المفسّرين قوله تعالى: قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ؛ الآلهة من دونه، وحذف ما يتعلّق بهذا الدعاء فى هذه الآية أشكل من حذفه فى قوله تعالى:

الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ؛ لأنّ قوله جل وعز: مِنْ دُونِهِ قد نبّه وأيقظ على أنّ المراد: من كان يدعى إلها من دونه.

والآية الأخرى لا دليل فيها من لفظها على ما يتعلق به قوله: دُعاؤُكُمْ.

ومعنى أنهم لا يملكون الشفاعة، أى ليس لهم أن يفعلوها ويتصرّفوا فيها؛ لأن معنى المالك ليس هو إلا من كان قادرا على التصرّف فيه؛ وليس لأحد أن يمنعه من ذلك؛ والشفاعة قد بيّنا فى غير موضع من كتبنا أنها لا تستعمل على طريقة الحقيقة إلا فى طلب إسقاط المضارّ؛ وإنما استعملت فى إيصال المنافع تجوّزا فيه واستعارة.

وقيل فى معنى الآية وجهان: أحدهما أنّ المعبودين من عيسى ومن مريم والملائكة وعزير ﵈؛ لا يملك الشفاعة عند الله تعالى [أحد منهم] فى أحد إلا فيمن شهد بالحق، وأقرّ التوحيد، وبجميع ما يجب عليه الإقرار

به.

والوجه الآخر أنّ الذين يدعون من دون الله من البشر والأجسام وجميع المعبودات لا يملك الشفاعة عند الله إلا من شهد بالحق منهم يعنى عيسى وعزيرا والملائكة ﵈؛ لا يملكون

الشفاعة عند الله تعالى إلا إذا كانوا على الحق شاهدين به؛ معترفين بجميعه؛ فإنهم يملكون الشفاعة عند الله؛ وإن كان لا يملكها ما عداهم من المعبودات.

والفرق بين الوجهين أنّ الوجه الأول يرجح الاستثناء فيه إلا من تتناوله الشفاعة؛ وفى الوجه الثانى يرجح الاستثناء إلى الشافع دون المشفوع فيه.

فإن قيل: أى الوجهين أرجح؟

قلنا: الثانى؛ وإنما رجحناه لأن المقصد بالكلام أنّ الذين يدعونهم من دون الله تعالى لا يملكون لهم نفعا؛ كما قال تعالى فى مواضع إنهم لا ينفعونكم، ولا يضرونكم، ولا يرزقونكم؛ ووضع الكلام على نفى منفعة تصل إليهم من جهتهم؛ ولا غرض فى عموم من يشفعون فيه أو خصوصه.

ولما كان فيمن عبدوه من نبىّ أو ملك من يجوز أن يشفع فيمن تحسن الشفاعة له، وجب استثناؤه حتى لا يتوهّم أنّ حكم جميع من عدّده واحد؛ فى أنه لا تصح منه الشفاعة؛ وأنّ من كان تصح منه الشفاعة إنما يشفع فيمن تحسن الشفاعة له ممن لم يكن كافرا ولا جاحدا.

ويترجّح هذا الوجه من جهة أخرى؛ وهى أنا لو جعلنا الاستثناء يرجع إلى من يشفع فيه لكان الكلام يقتضي أنّ جميع من يدعون من دون الله يشفع لكل من شهد بالحق، والأمر بخلاف ذلك؛ لأنه ليس كل من عبدوه من دون الله تعالى تصح منه الشفاعة؛ لأنهم عبدوا الأصنام، وبعض عبد الكواكب والشفاعة لا تصح منها؛ فلا بدّ من أن تخصص الكلام ونقدره هكذا: لا يملك بعض الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا فيمن شهد بالحق؛ فعود الاستثناء إلى الشافعين وأولى؛ حتى يتخصص.

وأيضا فلو عاد الاستثناء إلى المشفوع فيه لوجب أن يكون على غير هذه الصيغة فيقول:

«إلا فيمن شهد بالحق» وإذا قال: «إلا من شهد بالحق» كان ذلك بأن يرجع إلى الشافع أولى؛ لأنه أليق باللفظ، لأنا إذا أردنا أن نستثنى من جماعة لا يشفعون قلنا: هؤلاء

لا يشفعون إلا من كان بصفة كذا؛ وإذا كان الاستثناء ممن يشفع فيه قلنا: لا يشفعون إلا فيمن صفته كذا.

وأيضا فعلى الوجه الأول وقد تقدم عموم ظاهر فى اللفظة يجوز أن يستثنى منه وهو قوله تعالى: الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ وما جرى ذكر المشفوع فيه عموما يستثنى بعض.

فإن قيل: الشفاعة لفظ جنس، يقتضي العموم.

قلنا: قد بينا فى غير موضع أن ألفاظ الجنس لا تقتضى الاستغراق، وضربنا المثل بمن يقول: هذه أيام أكل اللحم، وزمان لبس الجباب، فإنه يقتضي الجنس من غير استغراق.

وإن توهّم خصوص أو عموم فخطؤهما لا يعقل.

فإن قيل: أىّ فائدة فى قوله تعالى وَهُمْ يَعْلَمُونَ وبأى شيء يتعلق علمهم.

قلنا: ليس كلّ من شهد بالحق يكون عالما؛ لأن المقلّد والمبخّت ربما شهد بالحق على وجه لا ينفع؛ وإنّما لا ينفع ذلك مع العلم فكأنه تعالى قال وَهُمْ يَعْلَمُونَ صحة ما شهدوا به.

فإن قيل: إذا كان المستثنى هم الأنبياء والملائكة فهؤلاء لا يشهدون بالحق إلا مع العلم.

قلنا: ذلك صحيح إلا أنّ الاستثناء لما تناول فى اللفظة من كان يصفه، وكان مجرد هذه اللفظة لا ينفع فى المعنى المقصود إلا مشروطا بالعلم وجب اشتراط العلم؛ ليعلم افتقاد تلك الصفة فيمن كانت إليه؛ وهذا واضح.

فإن قيل: هذان الوجهان اللّذان ذكرتموهما، ورجّحتم أحدهما يقتضيان مشاركة نبينا ﵇ فى الشفاعة للمذنبين؛ ومن مذهب المسلمين أنّه ينفرد بالشفاعة.

قلنا: ليس فيما ذكر تضعيف لهذين الجوابين من وجوه:

أحدها أنّ انفراده ﵇ بالشفاعة للمذنبين حتى لا يشاركه أحد فيها ليس بمعلوم ولا مقطوع عليه؛ وإنما يرجع فيه إلى أقوال قوم غير محصّلين؛ ألا ترى أنّ عند المسلمين كلّهم إلا عند المعتزلة ومن وافقهم أن للمؤمنين شفاعة بعضهم فى بعض! فكيف يدّعى الاختصاص فى هذه الرتبة!

وثانيها أن المزية المدّعاة لنبينا ﵇ فى الشفاعة إنما هى على الأنبياء المتقدمين دون الملائكة؛ لأنّه لا خلاف فى أن للملائكة شفاعة، وقد نطق القرآن بذلك فقال:

لا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ؛. وإذا كان الأمر على ما ذكرناه فالاستثناء يعود إلى الملائكة ﵈؛ لأنهم من جملة المعبودين، فلا يمنع نفى الشفاعة عن الكل أن يستثنوا لأن لهم شفاعة.

وثالثها أنّ الشفاعة قد تكون إلى الله تعالى وإلى غيره؛ فإن ثبت ما ادّعى من تفرّد نبينا ﵇ بالشفاعة عند الله تعالى فى مذنبى أمته، جاز أن نثبت الشفاعة لغيره عند غير الله تعالى؛ فكأنه قال: أنتم تعبدون من لا يشفع

فيكم فى الدنيا ولا ينصركم؛ واستثنى من يجوز عليه أن يشفع فى الدنيا.

ورابعها أن يكون المراد بالشفاعة هاهنا النّصرة والمعونة والمنفعة؛ لأن الشفاعة فيمن تتناوله نفع يوصل إليه؛ وإرادة الشفاعة فى الأمة معنى الشفاعة، وهو المنفعة والنّصرة؛ وتقدير الكلام: إنكم تعبدون من لا ينفعكم ولا يضرّكم ولا يعينكم؛ ولما كان فى جملة هؤلاء المعبودين من يصح أن يضرّ وينفع استثنى؛ ليبين أنّ حكمهم مفارق لحكم غيرهم؛ وهذا بيّن لمن تأمله.

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من تكملة أمالى المرتضى

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.