من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
مسألة (١٧)
إن سأل سائل عن معنى قوله تعالى: يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ؛.
فقال: كيف يجوز أن يتعبّدهم بقتل أنفسهم، والعبادة بذلك لا تحسن إلا أن تكون مصلحة لهذا المكلّف فى دينه؛ إما بأن يفعل طاعة أو يمتنع من قبيح؛ وهو بعد الموت قد خرج من كلّ تكليف، فلا يصحّ منه شيء من الأفعال!
الجواب، إن المفسرين قد اختلفت أقوالهم فى هذه الآية.
فمنهم من ذهب إلى أنه تعالى كلّفهم أن يقتلوا أنفسهم القتل الحقيقىّ المعهود.
ومنهم من ذهب إلى أنه تعالى كلّفهم أن يقتل بعضهم بعضا.
ومنهم من حمل الآية على أن المراد بها تكليف الاستسلام للقتل؛ ويقول: إنهم استحقوا بعبادة العجل القتل، فلما تابوا أمرهم الله تعالى بأن يستسلموا لمن يقتلهم؛ كما كلف الله القاتل لغيره أن يستسلم للقود منه.
فأما الوجه الأول فيبطل بما ذكر فى السؤال؛ ولا يجوز أن يكون وجه حسن هذا التكليف المصلحة لغير المقتول؛ لأنّ مصلحة زيد لا تكون وجها فى وجوب الفعل على عمرو؛ ولا يمكن أن يقال: إنّ مصلحة المأمور بقتل نفسه فى نفس الأمر والتكليف قبل أن يقتل نفسه؛ فإن ذلك ربما كان لطفا له فى بعض العبادات؛ وذلك لأن الأمر بما ليس له وجه وجوب أو ندب لا يحسن؛ بل يكون الأمر قبيحا؛ وإذا كان الأمر قبيحا لم يحسّنه أن يكون فيه لطف لبعض المكلّفين؛ بل يمنع منه كما يمنع من أن يلطف لبعض المكلّفين بما هو قبيح فى نفسه؛ فلم يبق بعد إبطال هذا الوجه إلا الوجهان الأخيران؛ من الاستسلام لمن يقتلهم القتل الّذي استحقوه، أو قتل بعضهم بعضا؛ فقد روى أنهم برزوا بأسيافهم؛ واصطفّوا صفين يضرب بعضهم بعضا، فمن قتل منهم كان شهيدا، ومن نجا كان تائبا.
ويمكن فى الآية وجه آخر؛ ما رأينا أحدا من المفسرين سبق إليه؛ وهو إن لم يزد فى القوة على ما ذكروه لم ينقص عنه؛ وهو أن يكون المراد بقوله تعالى: فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أى اجتهدوا فى التوبة ممّا أقدمتم عليه، والندم على ما فات، وإدخال المشاقّ الشديدة عليكم فى ذلك؛ حتى تكادوا أن تكونوا قتلتم أنفسكم؛ وقد يسمّى من فعل ما يقارب
الشيء باسم فاعله. ومذهب أهل اللغة فى ذلك معروف مشهور؛ يقولون: ضرب فلان عبده حتى قتله، وفلان قتله العشق، وأخرج نفسه، وأبطل روحه، وما جرى مجرى ذلك؛ وإنما يريدون المقاربة والمشارفة والمبالغة فى وصف التناهى والشدة؛ فلما أراد تعالى أن يأمرهم بالتناهى والمبالغة فى النّدم على ما فات، وبلوغ الغاية القصوى فيه جاز أن يقول: فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ.
فإذا قيل طعنا على هذا الجواب: إنما تسمّى مقاربة القتل قتلا مجازا وتوسّعا، وحمل الكلام على حقيقته أولى!
الجواب، أن الوجهين اللذين ذكرهما المفسرون فى هذه الآية من قتل بعضهم بعضا، والاستسلام للقتل مبنيان أيضا على المجاز؛ وظاهر التنزيل بخلافهما؛ لأن الاستسلام للقتل ليس بقتل على الحقيقة؛ وإنما سمى باسمه من حيث يؤدّى إليه، وكذلك قتل بعضهم بعضا مجاز؛ لأن القاتل غير المقتول؛ وظاهر الآية يقتضي أن القاتل هو المقتول.
وأما استشهادهم فى تقوية هذا الوجه بقوله: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ يعنى إخوانكم فلا يغنى شيئا؛ لأنّ ذلك مجاز لا محالة؛ وإنما حمل على الإخوان بدليل. والظاهر أن يكون تكليفا لقتل الواحد نفسه، وسلامة على نفسه.
فإن قيل: كيف يجوز أن يستحقّ القتل بعد التوبة من الوجوه التى بها استحق القتل؟
قلنا: غير ممتنع أن يكلّفنا الله تعالى- بعد التوبة من الكفر- القتل امتحانا؛ لا على سبيل العقوبة.
فإن قيل: كيف يصح أن تكون التوبة نفسها قتل أنفسهم؛ والتوبة هى الندم والعزم، وهما غير القتل!
قلنا: الجواب الصحيح عن السؤال أن الفاء فى الآية عاطفة للقتل على التوبة، وليست بمنبئة أن القتل هو التوبة على ما ظنّه بعض من لم يتأمل. وهو جار مجرى قوله: ضربت زيدا فعمرا؛ فالفاء هاهنا عاطفة وقائمة مقام الواو؛ إلا أن لها زيادة على حكم الواو، فإن الفاء تقتضى الجمع الّذي تقتضيه الواو، وتقتضى الترتيب والتعقيب اللذين لا يفهمان من الواو؛ فكأنه تعالى قال: فتوبوا إلى بارئكم واقتلوا أنفسكم؛ فلما أمرهم بالقتل عقيب التوبة؛ أدخل الفاء التى هى علامة على ذلك.
وقد أجاب بعض الناس بأن قال: ما لا تتم التوبة إلا به، ومعه يصحّ أن يسمّى باسمها؛ كما يقال للغاصب إذا عزم على التوبة: إنّ توبتك ردّ ما غصبت؛ وإنما يريد: أن توبتك لا تتم إلا به.
وقد بينا ما يغنى عن ذلك فى الجواب الّذي اخترناه، وهو أولى وأوضح.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع